قد تكون الصين مؤهلة أكثر من أي طرف آخر للقيام بدور وسيط السلام في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث إنها تعد محايدة في الصراع كما أنها ليس لديها تاريخ من معاداة السامية ولم تخض حروبًا في الشرق الأوسط، علاوةً على قوتها الاقتصادية، وهي كلها أسباب تجعلها مؤهلة أكثر للقيام بهذا الدور. هذا ما خلص إليه محمد ذو الفقار رحمات، محاضر في العلاقات الدولية في الجامعة الإسلامية في إندونيسيا (UII)، في مقال نشره موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي. 

ويوضح الكاتب في بداية مقاله أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الشديد في مايو (آيار) يجب أن يفتح أعيننا على إخفاقات المجتمع الدولي في إنهاء دورة العنف هذه. وقد يساعد إشراك الصين في حل هذه الإشكالية. وفي 17 مايو، قدَّم عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية الصيني وانغ يي اقتراحًا من أربع نقاط للسلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وليس هذا أول جهد للصين للتوسط في السلام في المنطقة، بل قامت بخطوة مماثلة في عام 2014.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 5 شهور
«المونيتور»: فزع لا يزول.. هذا ما خلَّفه العدوان الإسرائيلي في نفوس أطفال غزة

ودعا اقتراح ذلك العام كلا الطرفين «إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية والعدائية». ويتماشى هذا مع موقف الصين المحايد في الصراع على مر السنين. وعلى الرغم من أن كثيرين جادلوا بأن محاولة الصين لا تختلف عن الجهات الفاعلة الأخرى التي تحاول التوسط في الصراع، إلا أن الصين يمكن أن تكون وسيطًا جيدًا لإنهاء هذا الصراع.

1- الموقف المحايد وعدم العدوان

يبدأ الكاتب في سرد الأسباب التي تجعل من الصين وسيطًا جيدًا في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فيشير إلى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قسَّم العالم إلى قسمين. وهناك العالم الغربي الذي يدعم إسرائيل، وتلعب فيه الولايات المتحدة دورًا مهيمنًا، والدول الإسلامية التي تدعم إخوانها في فلسطين.

وتحاول الولايات المتحدة، إلى جانب اللجنة الرباعية، المكوَّنة من الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، تسهيل مفاوضات عملية السلام في الشرق الأوسط. غير أنهم فشلوا إلى حد كبير لأن تجاهل أمريكا لمصالح الدول الأخرى جعل الأمر صعبًا.

Embed from Getty Images

وفي الوقت نفسه، فإن منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي مجموعة من 57 دولة ذات أغلبية مسلمة تهدف إلى أن تكون «الصوت الجماعي للعالم الإسلامي»، معروفة باستجابتِها «الضعيفة والواهنة» للهجمات الإسرائيلية الوحشية على فلسطين. ويمضي الكاتب إلى أنه على الرغم من أن الصين لن تكون قادرة بطريقة سحرية على القضاء على جميع العوائق التي تقف في طريق مفاوضات السلام، فإن الصين قد تقدم نهجًا مختلفًا بسبب وضعها المحايد بشأن الصراع.

يلفت الكاتب الأنظار إلى حكم التاريخ، إذ يبدو أن التفاعلات الصينية المحايدة مع كل من العرب والإسرائيليين، وكذلك علاقتها مع القوى الرئيسية الأخرى في الشرق الأوسط، مثل حزب الله وحماس، التي يرفض الغرب التعاون معها، يمكن أن تؤدي إلى تسهيل وضخ حيوية جديدة في عملية السلام.

ويمكن القول إن عدم قيام الصين بأي أعمال عدوانية في المنطقة يُعد سببًا آخر للعرب للتفاؤل بشأن دعم بكين للفلسطينيين. وعلى عكس الأمريكيين، لم يبدأ الصينيون أبدًا حربًا استباقية في المنطقة، وبخلاف القوى الأوروبية، لم تسيطر الصين سيطرة مباشرة على أي منطقة في جنوب غرب آسيا.

كما لا يوجد سجل لبكين في معاداة السامية التي يمكن أن تعرقل علاقتها المستقبلية مع إسرائيل. وهذا الافتقار إلى أي تاريخ إمبريالي أو معادٍ للسامية في المنطقة قد يمكِّن بكين من تقديم نفسها باعتبارها لاعبًا جديدًا في الشؤون العربية الإسرائيلية. وهناك جانب آخر يسلط الضوء على تميز الصين، وهو عدم وجود أيديولوجية معينة خاصة بها فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

وأوضح الكاتب أن المجتمع المدني الصيني ببساطة ليس لديه نشطاء أو جماعات ضغط مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) أو جماعات سياسية مماثلة. ولقد استخدمت هذه الجماعات قوتها ونفوذها لإحباط جهود صناع السياسة لتحميل إسرائيل المسؤولية عن الأعمال التي تنتهك القانون الدولي وتعطِّل جهود السلام. والأهم في ذلك هو استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها جماعات الدفاع الإسرائيلية في الأوساط الأكاديمية الصينية في السنوات الأخيرة للتأثير في الرأي العام في الصين، فإنه لا يزال من غير المحتمل أن تؤتي مثل هذه المبادرات أي ثمار ملموسة في المستقبل القريب. وليس على الصين ببساطة أن تتعامل مع التداعيات السلبية للرأي العام في تبني مبادرة سلام.

2- النفوذ الاقتصادي القوي

ينتقل الكاتب إلى السبب الثاني، ويلمح إلى أن الصين قوة اقتصادية عالمية. وفي هذا العام وحده، نمى الاقتصاد الصيني بمعدل قياسي بلغ 18.3 في المئة في الربع الأول من عام 2021 موازنةً بالربع نفسه من العام الماضي. إنها قفزة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي منذ أن بدأت الصين في الاحتفاظ بسجلات ربع سنوية في عام 1992.

Embed from Getty Images

ينوِّه الكاتب إلى أن الصين أكبر اقتصاد لتصنيع السلع وتصديرها في العالم. كما أنها السوق الاستهلاكية الأسرع نموًا في العالم وثاني أكبر مستورد للسلع. وقد عززت الصين مكانتها الاقتصادية في الشرق الأوسط في العقد الماضي تعزيزًا كبيرًا، لتصبح أكبر شريك تجاري ومستثمر خارجي لعديد من البلدان في المنطقة.

كما أن الصين ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل على مستوى العالم، وأكبر شريك تجاري في شرق آسيا. ويمكن لنفوذها الاقتصادي أن يمنح بكين الوسائل التي يمكن من خلالها الضغط على نحو فعَّال على الجانبين للمضي قدمًا نحو حل دائم.

3- استقرار القيادة

يصل الكاتب إلى السبب الثالث والأخير، فيشدد على أن هناك جانبًا آخر من المرجح أن يسهم في نجاح انخراط الصين في القضية الفلسطينية، وهو استقرار قيادتها. وباستثناء حالة وقوع أحداث غير متوقعة، سيكون شي جين بينغ هو زعيم جمهورية الصين الشعبية مدى الحياة.

أبحاث ودراسات

منذ 7 شهور
الحقوق بدلًا من السلام.. إستراتيجية جديدة مقترحة لتعامل أمريكا مع الشأن الفلسطيني

وهذا يمثل تناقضًا حادًّا مع جهود الأمريكيين في التوسط في المشكلة العربية الإسرائيلية، حيث يمكن للإدارة الجديدة أن تغير التفاصيل الدقيقة على الأرض بالكامل. ويوضح التاريخ ذلك بأمثلة كثيرة، مثل محاولات الرئيس بيل كلينتون إجراء محادثات سلام خلال الأسابيع الأخيرة لإدارته، والتي وضعها خلفه جورج دبليو بوش جانبًا إلى حد كبير.

وبالمثل، تناول الرئيس بوش عملية السلام العربية الإسرائيلية في ولايته الثانية فقط ليرى الرئيس باراك أوباما ينتهج سياسة خارجية هيمن عليها احتضانه للربيع العربي، وبعد ذلك تحول انتباهه إلى استمرار الاضطرابات السورية والصراع المحتمل مع إيران. وحدث الشيء نفسه مرةً أخرى مع دونالد ترامب.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: ولكن مع لعب الصين دور الوسيط، لن يكون من الضروري الضغط على زر إعادة الضبط مع كل تغيير يحدث في الإدارة الحاكمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد