في ظل تصاعد الأزمة التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين، يعود روبرت فارلي، الأستاذ المساعد في كلية باترسون للدبلوماسية، في هذا المقال الذي نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، إلى عام 1969، ليسلط الضوء على نزاع اشتعل خلالها بين الصين والاتحاد السوفيتي، ربما كان ليؤدي لاندلاع حرب عالمية ثالثة يموت فيها ملايين، إلى أن تصبح الصين -على الأرجح- حليفة لأمريكا.

يقول فاولر في بداية مقاله إن الأمريكيين عادة ما يتذكرون أزمة الصواريخ الكوبية باعتبارها أخطر لحظة شهدتها سياسات حافة الهاوية في الحرب الباردة، إلا أنه على الرغم من بعض اللحظات الحرجة التي مرت بها العلاقة بين الطرفين خلال الأزمة، فإن واشنطن وموسكو تمكنتا من حل تلك الأزمة دون المزيد من أضرار تتجاوز مقتل ضابط بسلاح الجو الأمريكي، وهو الرائد رودلف أندرسون جونيور.

مترجم: هل كانت اليابان ستنتصر في الحرب العالمية الثانية لو لم تهاجم بيرل هاربر؟

كان هذا على خلاف ما جرى بين الاتحاد السوفيتي والصين بعد ذلك التاريخ بسبع سنوات، وبالتحديد في مارس (آذار) من عام 1969، عندما شنت مجموعة من جنود «جيش التحرير الشعبي» الصيني هجومًا على موقع حدودي سوفيتي في جزيرة تشينباو، مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، وقد دفعت تلك الحادثة روسيا والصين نحو شفا اندلاع الحرب بينهما، في صراع ربما كان ليؤدي إلى استخدام أسلحة نووية، لكن ما حدث هو أنه بعد أسبوعين من المصادمات، تم كبح النزاع.

يطرح فاولر السؤال بعد ذلك، فيقول: ماذا كان سيحدث لو تصاعد النزاع القصير بين الصين والاتحاد السوفيتي عام 1969؟

الاتحاد السوفيتي والصين.. عداوة بعد محبة

يروي المقال كيف أن الاشتباكات التي جرت في جزيرة تشينباو، حيث وقع الكمين والجزء الأكبر من القتال، عبرت عن وصول العلاقات السوفيتية الصينية إلى أسوأ نقطة لها آنذاك، فقبل 10 سنوات فقط، كانت بكين وموسكو تقفان يدًا بيد حصنًا منيعًا يدافع عن الشيوعية، لكن الصراعات التي نشأت على الأيديولوجيا والقيادة والموارد، نجم عنها انقسام حاد بين الحلفاء السابقين، وهو ما حمل تداعيات عالمية كبيرة.

Embed from Getty Images
توقيع اتفاقية تبادل السلع بين الاتحاد السوفيتي والصين في الخمسينيات

فقد أدى النزاع إلى تفاقم النزاعات الإقليمية التي كانت لها جذور منذ الحقبتين القيصرية الروسية والإمبراطورية الصينية. وتركت الحدود الطويلة، التي يفتقر رسمها إلى الحسم الكافي، عديدًا من المناطق الرمادية التي ادعت كل من الصين والاتحاد السوفيتي أن لها السيادة عليها.

ويشير فاولر إلى أنه بعد تجاوز عدد من الحوادث الصغيرة التي لم يكن لها تأثير كبير، كانت حادثة جزيرة شينباو هي ما دفعت التوترات بين البلدين للخروج إلى العلن. فقد تعرضت هجمة مضادة سوفيتية لخسائر فادحة، وهو ما حدث كذلك في محاولة مماثلة في شينجيانغ في أغسطس (آب) من العام ذاته. ومن ثم نشأ إجماع من الجانبين على أن القيادة الصينية أعدت وهيأت الظروف لحدوث هذا الصدام.

لكن السؤال هنا، بحسب المقال، هو لماذا قد يستفز الصينيون جارهم الأقوى؟ وماذا كان ليحدث لو رد السوفييت آنذاك بقوة أكبر على الاستفزاز الصيني؟

سبل التصعيد العسكري

ويعود فاولر إلى ذلك العهد، ليقول إنه في أعقاب هذا النزاع مباشرة، استعد كل من الاتحاد السوفيتي والصين للحرب، وأخذ الجيش الأحمر في إعادة نشر قواته إلى الشرق الأقصى وأعلن جيش التحرير الشعبي الصيني التعبئة الكاملة للقوات. ورغم أن السوفييت كانوا يتمتعون بميزة تكنولوجية على الصين في عام 1969، فإن بكين كانت قد أنشأت أكبر جيش في العالم، وحشدت جزءًا كبير منه على مقربة من الحدود الصينية السوفيتية.

على النقيض من ذلك، كان الجيش الأحمر قد ركز قوته الأساسية في أوروبا الشرقية، حيث يمكنه الإعداد في حال اشتعل الصراع مع حلف الناتو. بناءً على كل ذلك، بحسب المقال، كان من الممكن للصينيين أن يدعوا التفوق بشكل عام على امتداد جزء كبير من الحدود.

ومع ذلك، يرى فاولر أن ميزة التفوق في عدد القوات لم تكن تعني أن جيش التحرير الصيني كان بإمكانه تحمل تكلفة شن هجوم على الاتحاد السوفيتي. فقد افتقر الصينيون إلى الإمكانات اللوجستية والتغطية الجوية اللازمة للاستيلاء على مساحات ذات أهمية من الأراضي السوفيتية. علاوة على ذلك، فإن الحدود الصينية السوفيتية الشاسعة كانت توفر للسوفييت فرصة أكثر من كافية للرد.

Embed from Getty Images

زاد على ذلك أنه في  حال عدم وجود هجوم لحلف الناتو، كان بإمكان السوفييت نقل قوات كبيرة من أوروبا، لتشن هجومًا على شينجيانغ والتوسع في المنطقة الغربية منها.

يفصل المقال بعد ذلك، ليقول إن أهم سبل التقدم السوفيتي المحتمل كان يكمن في منطقة منشوريا، حيث كان الجيش الأحمر قد شن، في مرة سابقة، هجومًا سريعًا صاعقًا ومدمرًا في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الحجم الكبير الذي صار عليه، لم يكن لدى جيش التحرير الشعبي في عام 1969 أملٌ أفضل في صد مثل هذا الهجوم أكثر مما كان لديه في عام 1945، بالإضافة إلى أن خسارة منشوريا كان له أن يكون ذا آثار مدمرة على القوة الاقتصادية للصين وعلى شرعيتها السياسية.

ومهما كان من أمر، فإن القوات السوفيتية الجوية لم يكن ليكلفها الكثير إذا أرادت القضاء على القوة الصينية الجوية، ثم التفرغ لشن هجوم جوي كاسح على المدن الصينية ومراكز الاتصال والقواعد العسكرية.

يعيد الكاتب إلى الأذهان ما حدث في منشوريا من قبل، حين استولى السوفييت، بعد غزو منشوريا في عام 1945، على ما تحصلت عليه أيديهم من المنشآت الصناعية اليابانية، وغادروا.

وربما كان ليحدث سيناريو مماثل في عام 1969، لو لم تحمل القيادة الصينية نفسها على مواجهة الحقائق، ففي ذلك الوقت الذي كانت فيه فظائع «الثورة الثقافية» الصينية ما تزال حاضرة لم يكد ينساها أحد بعد، والفصائل المتنافسة تتنازع الهيمنة الأيديولوجية من خلال مزايداتها على الأكثر راديكالية، كانت موسكو تعاني لإيجاد شريك يمكن التوافق معه لإجراء محادثات سلام.

ولعل التقدم الروسي كان يماثل التقدم الياباني الأساسي في عام 1937، وإن كان ذلك بدون السيطرة البحرية التي تمتعت بها البحرية الإمبراطورية اليابانية. وغالب الظن أن جيش التحرير الشعبي الصيني، الذي كان سيتوقع هذه الهجمات، ربما كان سينسحب إلى المناطق الداخلية، متبعًا سياسة الأرض المحروقة على طول الطريق.

إمكانات نووية في البلدين.. هل كانت ستستخدم؟

يشير المقال إلى أن الصين اختبرت أول سلاح نووي لها في عام 1964، وهو ما وفر لها نظريًا قدرة رادعة مستقلة. ومع ذلك، فإن أنظمة النقل والتوصيل كانت ما تزال في حاجة إلى الكثير من الأشياء، إذ كانت الصواريخ تستخدم الوقود السائل الذي لا يمكن الاعتماد عليه ويتطلب ساعات كثيرة من التحضير، بالإضافة إلى أنها لم يكن في إمكانها الثبات على منصة الإطلاق لوقت طويل.

علاوة على ذلك، كانت الصواريخ الصينية في ذلك العصر يعوزها المدى الطويل والقدرة على الوصول إلى مسافات بعيدة لضرب الأهداف السوفيتية الحيوية التي ترتكز في الجزء الأوروبي من روسيا.

وكان العتاد الصيني على مستوى قاذفات القنابل –الذي كان يتألف من عدد محدود للغاية من قاذفات القنابل تو-4 (نسخة سوفيتية من قاذفات بي-29 الأمريكية) وقاذفات قنابل إتش-6 (نسخة صينية من قاذفات تو-16 السوفيتية)- سيؤدي أداءً ضعيفًا للغاية في مواجهة شبكة الدفاع الجوي السوفيتية المتطورة شديدة التعقيد على امتداد أراضي الجمهوريات التابعة لها.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر، كان السوفييت على وشك تحقيق التكافؤ النووي مع الولايات المتحدة، فقد كان الاتحاد السوفيتي يملك ترسانة حديثة ومتطورة من الأسلحة النووية التكتيكية والاستراتيجية، ويستطيع بسهولة تدمير الردع النووي الصيني وتشكيلاته العسكرية الأساسية، ومدن الصين الكبرى.

ومراعاة للرأي العام الدولي، ربما كانت القيادة السوفيتية لتقاوم شن هجوم نووي واسع النطاق على الصين (إذ ربما كان ذلك ليسمح للدعاية الأمريكية والصينية حينها أن تجعل من ذلك الأمر حدثًا هائلًا، وتلقي بالمسؤولية كاملة على السوفييت)، لكن ضربة محدودة ضد المنشآت النووية الصينية، إضافة إلى الهجمات التكتيكية على القوات الصينية المنتشرة، ربما لتبدو آنذاك أكثر منطقية.

بحسب الكاتب، كانت الكثير من الأمور ستعتمد على رد فعل الصين على هزائمها في ميدان المعركة، فلو كانت القيادة الصينية حينها قد قررت أنها تحتاج أن تستخدم صواريخها النووية خشية تحقيق السوفييت نصرًا حاسمًا عليها، جريًا على مبدأ «استخدمها أو اخسرها»، كان من السهل حينذاك أن تتعرض لهجمة سوفيتية استباقية.

فبالنظر إلى أن موسكو كانت تصور القيادة الصينية بوصفها مخبولة إلى درجة بائسة، فإن موسكو كانت، في غالب الاحتمالات، ستقرر تدمير القوة النووية الصينية تمامًا قبل أن تصبح مشكلة بالنسبة إليها.

كيف كان رد الفعل الأمريكي على الأزمة؟

يتطرق المقال إلى ردود الأفعال الأمريكية أثناء الأزمة، ليذكر أن الولايات المتحدة أبدت ردود أفعال حذرة إزاء تلك المصادمات بين الصين والاتحاد السوفيتي. ففي حين طمأن النزاع الحدودي واشنطن بأن الانقسام الصيني السوفيتي ما يزال ساريًا، فإن المسؤولين الأمريكيين اختلفوا بشأن احتمالية وعواقب صراع أوسع بين البلدين.

وقد تحرى السوفييت، من خلال العديد من القنوات الرسمية وغير الرسمية، عن المواقف الأمريكية تجاه الصين. وبحسب المقال، يشيع على نطاق واسع أن الولايات المتحدة ردت ردًا سلبيًا على اقتراحات سوفيتية في عام 1969 بشن هجوم مشترك على المنشآت النووية الصينية، ومع ذلك، حتى لو لم ترغب الولايات المتحدة في رؤية الصين تحترق، فمن غير المحتمل أنها كانت لتبذل أي جهد جدي أو فعال لحماية بكين من غضب موسكو.

النتائج المحتملة للحرب: خسارة الاتحاد السوفيتي رغم قوته

كان الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور قد حدد، قبل عقد من تلك الأزمة في عام 1969، أكبر عقبة تواجه الاتحاد السوفيتي في حالة الحرب مع الصين، ألا وهي: ماذا ستفعل بعد أن تكسب الحرب؟ فالسوفييت، وفقًا للمقال، لم يكن لديهم لا القدرة ولا المصلحة في إدارة منطقة بحجم قارة أخرى، خاصة وأنها، في أغلب الاحتمالات، كانت ستضم حشودًا من المقاومين المتمردين.

ويشير الكاتب إلى أنه بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت تدير اقتصاديًا حكومة «شرعية» في فورموزا (تايوان)، كانت ستبذل قصارى جهدها لدعم مجموعة متنوعة من عناصر المقاومة ضد الاحتلال السوفيتي. والواقع أنه لو كان أي جزء من الصين، مهما كان شأنه، قد نجا من الحرب، ستظل فكرة تراود الولايات المتحدة آنذاك مفادها «إطلاق العنان للجنرال شيانج، قائد الحكومة الوطنية الصينية في فورموزا»، في محاولة لإعادة أجزاء أخرى من الصين إلى المعسكر الغربي.

ويختتم فارلي بأن النتيجة الأرجح للحرب في هذه الحالة ربما كانت نجاحًا صينيًا قصيرًا، يليه رد سوفيتي حاد ومدمر، ونتيجة كهذه كان من الممكن أن تدفع بكين بشكل كامل إلى أحضان الولايات المتحدة، وهذا على الأرجح أحد الأسباب التي دعت السوفييت إلى عدم المخاطرة بهجوم كاسح ضد الصين.

«ناشيونال إنترست»: أمريكا لم تعد الأقوى.. جيشان يمكنهما هزيمة أمريكا عسكريًا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد