ثمَّة تحدٍّ حقيقي عندما لا يعُود بإمكان الحكومات أن تتحكَّم في المعلومات الحسَّاسَة

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا أعدَّه كل من ثيو ميلونوبولوس، زميل ما بعد الدكتوراة في جامعة بنسيلفانيا، وإريك لين جرينبيرج، أستاذ العلوم السياسية المساعد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ناقشا فيه نتائج بحث أجرياه عن أهمية الأقمار الصناعية وتقدُّم مجال التكنولوجيا في هذا الإطار، فضلًا عن تداعيات هذه التكنولوجيا على القرارات التي تتخذها الحكومة الأمريكية على وجه الخصوص، وحكومات العالم بصفة عامة، في ظل دخول الأقمار الصناعية الخاصة هذا المجال وكشفها مؤخرًا عن برنامج صواريخ صيني قيد الإنشاء، وهو ما يدفع الأجهزة الاستخباراتية إلى البحث عن طُرق وأساليب تهدف إلى معالجة هذه المشكلة، التي قد تتسبب في فَضْحِ أسرار الأمن القومي.

يشير الكاتبان في مُستهل تحليلهما إلى أن باحثين يعملون لدى اتحاد العلماء الأمريكيين، استخدموا في الأسبوع الماضي، صور الأقمار الصناعية للكشف عن أكثر من 100 منصة صواريخ نووية مُشتبه بها قيد الإنشاء في غرب الصين. وبعد مرور أيام، اكتشف مُحلِّلون خاصُّون منشآت جديدة تحت الأرض في موقع تجارب نووية صيني عن طريق استخدام صور أقمار صناعية مُماثلة.

دولي

منذ شهرين
مترجم: تعرف إلى قاذفات اللهب المحرمة دوليًّا التي أدخلها الجيش الروسي لترسانته

وهذه الاكتشافات، التي تأتي بعد اكتشاف مجال صواريخ صيني آخر في يونيو (حزيران)، استفادت من صور الأقمار الصناعية في فضح بعض أكثر الأسرار كتمانًا، والمتعلقة ببرنامج بكين النووي.

ويضيف الكاتبان: غير أنَّ هذه الصور لم تُقدِّمها وكالات الاستخبارات الحكومية. ولكنَّها جُمِّعَت من خلال استخدام أقمار صناعية تجارية يديرها القطاع الخاص، وحلَّلتها مراكز الأبحاث، من دون الحصول على تصاريح أمنية عالية المستوى.

وهذه ليست الطريقة التي اعتدنا عليها في معرفة أهم أسرار الأمن القومي؛ إذ كانت هذه الاستنتاجات، منذ قديم الزمان، تكاد تكون مُقتصرة على أيدي الحكومات التي لديها منظمات استخباراتية قوية. وأدَّى انتشار الأقمار الصناعية التجارية إلى قلب هذا الاحتكار شبه الكامل لجمع المعلومات الاستخبارية الحكومية. وهذا يعني أيضًا أن قادة البلدان الآن تقلَّصت حرياتهم، سياسيًّا وإستراتيجيًّا على حدٍ سواء، في التصدِّي لهذا النوع من الأخبار.

الأقمار الصناعية التجارية.. أجهزة استخباراتية خاصة

يلمح كاتبا التقرير إلى أن الأقمار الصناعة الاستطلاعية أحرزت تقدُّمًا كبيرًا في مجال جمع المعلومات الاستخبارية، وذلك بتقديمها نظرة شاملة عن نشاطات العدو العسكرية من دون أن تخاطر بحياة الطيارين. وكما كتبت دانييل لوبتون في صحيفة واشنطن بوست، فإن التعبئة من أجل عملية إنزال قوات الحلفاء في يونيو 1944 (وهي عملية إنزال قوات الحلفاء على ساحل نورماندي في فرنسا وكانت تهدف إلى هزيمة ألمانيا النازية. وكانت هذه العملية بمثابة نقطة حاسمة في الحرب العالمية الثانية، ذلك أنها تُعد أكبر عملية غزو بحري في التاريخ) كان من المستحيل تقريبًا الحفاظ على سرِّيتها في عصر الأقمار الصناعية.

وخلال أزمة الصواريخ الكوبية، اعتمدت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي على طائرات التجسُّس وطياريها من أجل الحصول على معلومات تخُص الصواريخ السوفيتية في كوبا، على الرغم من أن مخاطر التحليق كانت تعني قدرًا أقل من الاستطلاع. وساعدت سيطرة الحكومة على هذه المعلومات والصور التي التقطتها الأجهزة التابعة لها واشنطن في الحفاظ على سرِّية الأيام الأولى للأزمة، حتى خلال حملة انتخابات التجديد النصفي التي أُجريت عام 1962.

Embed from Getty Images

ويشير التحليل إلى أنه بعد تقديم أقمار الاستطلاع الصناعية لأول مرة في عام 1960، كانت الاستنتاجات التي توصَّلت إليها من قَبْل بالغة السرية. وكان أفراد الاستخبارات قد حلَّلوا صور الأقمار الصناعية، كما أصدر قادة الحكومة قرارًا بشأن إمكانية نشر هذه الصور للجمهور وموعد نشرها.

وأصبحت صور الأقمار الصناعية مُتاحة للجمهور بصورة أكبر بداية من سبعينيات القرن الماضي، عندما أطلقت الحكومات برامج جديدة للأقمار صناعية، مثل القمرين الصناعيين سبوت الفرنسي ولاندسات الأمريكي. وقدَّمت هذه الأقمار الصناعية صورًا للباحثين وغيرهم من المستخدمين غير الحكوميين. على سبيل المثال، استخدمت شبكة قنوات «إيه بي سي نيوز» صور القمر الصناعي سبوت لتأكيد انهيار مفاعل تشيرنوبيل عام 1986 (وهو انهيار وقع في المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل النووية بالقرب من مدينة بريبيات في شمال أوكرانيا). ومع ذلك، كانت هذه الأقمار الصناعية محدودة العدد، وكان من الصعب في كثير من الأحيان وصول المستخدمين غير الضَّلِيعين في هذا المجال إلى هذه الصور.

وفي تسعينيات القرن الماضي، بحسب التحليل، بدأت الشركات الخاصة إطلاق أقمار صناعية خاصة بها قادرة على التقاط صور عالية الجودة. ومع ذلك، ظل ارتفاع تكلفة هذه الأقمار الصناعية سببًا في الحد من توافرها.

وفي السنوات الأخيرة، أسفر التقدُّم التكنولوجي، فضلًا عن انخفاض تكاليف إطلاق الأقمار الصناعية، عن تسريع التوسُّع في قطاع الأقمار الصناعية التجارية. واليوم، تُشغِّل الشركات الخاصة عشرات بل مئات الأقمار الصناعية الصغيرة التي تُقدم الصور إلى العملاء في الوقت الفعلي تقريبًا. وتُشغِّل شركة بلانيت، التي قدَّمت الصور المتعلقة بمنصَّات الصواريخ الصينية، أكثر من 200 قمر صناعي وتدَّعي أنها تصوِّر «الكتلة الأرضية بأكملها يوميًّا».

وكانت صور الأقمار الصناعية الخاصة قد استُخدِمَت في توثيق مجموعة من الظواهر، التي تبدأ من عمليات الإغلاق التي فرضها فيروس كورونا وصولًا إلى احتجاز الأقليات العِرقية في الصين. وأطلقت شركات خاصة أو تُخطط لإطلاق أكثر من 700 قمر صناعي في صناعة من المُتوقَّع أن يتضاعف حجم سوقها إلى 4.17 مليار دولار بحلول عام 2027.

هل فقدت الحكومات احتكارها للمعلومات؟

ويؤكد التحليل أن زيادة توافر صور الأقمار الصناعية ينطوي على عواقب وخيمة للحكومات، ذلك أنه من خلال استخدام صور الأقمار الصناعية التجارية للكشف عن المعلومات التي كانت على مر الزمان في طي الكتمان، يمكن أن تضع المجموعات غير الحكومية الحكومات أمام قرارات صعبة بشأن إمكانية الكشف عن النشاطات السرِّيَة التي تحدث في جميع أنحاء العالم من عدمها، وموعد وكيفية الكشف عن ذلك.

ويوضح البحث الذي أجراه الكاتبان، ونُشر في مجلة حديثة، كيف تُعوق صور الأقمار الصناعية التجارية التي تكشف معلومات حسَّاسة الحكومات إلى حد كبير؛ ذلك أنَّها يمكن أن تكشف عن التناقضات بين ما يدَّعيه القادة والحقائق على أرض الواقع. كما يمكن أن تحشد الضغط العام أيضًا لصالح سياسات المواجهة أو ضدها.

Embed from Getty Images

ويستدرك كاتبا التحليل قائلَيْن: غير أن الحكومات تتكيَّف مع الظروف المتغيِّرَة. وفي بعض الحالات، ربما تُحجِم الحكومات ببساطة عن العمليات السرية إذا اعتقدت أن تكنولوجيات جمع المعلومات والاتصالات الآخذة في الانتشار ستكشفها.

وفي حالات أخرى، ربما تحاول الحكومات أن تستفيد من واقع الأقمار الصناعية الجديد من خلال استخدام الكشف عن المعلومات الحسَّاسة عن طريق كيانات غير حكومية لتعزيز مصالحها الخاصة. وبعد الكشف الأخير عن منصات الصواريخ الصينية، نشرت القيادة الإستراتيجية الأمريكية، التي تُشرِف على الترسانة النووية الأمريكية، تغريدة على تويتر وأكَّدت ما كشفته الأقمار الصناعية التجارية بشأن طموحات بكين النووية.

ونظرًا لأن الحكومة الأمريكية تتمتَّع بقدرات استخباراتية أكثر تطوُّرًا من القدرات الاستخباراتية الخاصة بالشركات التجارية ومراكز الأبحاث، فمن المحتمل أن تكون القيادة الإستراتيجية على دراية بمواقع الصواريخ هذه قبل وقت طويل من نَشْرِ صور الأقمار التجارية.

لماذا امتنعت الحكومة الأمريكية عن كشف هذه المعلومات في وقتٍ سابق؟

يجيب الكاتبان: من المحتمل أن تكون واشنطن توقَّفت عن الكشف عن منصَّات الصواريخ الجديدة حتى تحمي مصادرها الاستخباراتية وأساليبها. وما أن تنشر الكيانات غير الحكومية المعلومات للجمهور، يمكن أن تؤكد القيادة الإستراتيجية هذا الاكتشاف دون أن تكشف عن قدرات جمع المعلومات السرية.

وربما كان قرار حجْب الأدلة التي تؤكد بناء موقع الصواريخ الصيني قبل نشْر هذه الصور يهدف أيضًا إلى تفادي الضغط المحلي الذي يريد تصعيد علاقات المواجهة المتوترة بالفعل مع بكين.

هل أرادت الصين كشف أسرارها؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يطرح التحليل سؤالًا: إذا راهنت واشنطن على أن الكيانات التجارية ربما تكشف نشاطات الصين، فماذا عن تفكير بكين؟

دولي

منذ شهرين
مترجم: 119 صومعة نووية جديدة.. هل علينا القلق بشأن توسعات الصين النووية؟

يجيب الكاتبان: يتوقَّع المُحلِّلون أن الصين ربما أرادت أن تكشف عن هذه المواقع، وربما يرجع ذلك لأغراض منها ما وصفه خبير الأسلحة النووية جيمس أكتون باعتباره «لعبة خداعية» مُحكَمَة لإخفاء حجم ترسانة بكين الحقيقي وتعقيد الجهود الرامية إلى استهداف الصواريخ الصينية.

وحتى إذا لم تكُن بكين تريد أن تكشف عن مواقع الصواريخ للعامة، فقد قلَّلت الأقمار الصناعية التجارية على نحوٍ فعَّال ما يصفه خبير العلوم السياسة أوستن كارسون بـ «كواليس» العمليات العسكرية السرية، التي يستخدم المنافسون من خلالها مناورات سرية بعيدًا عن أنظار الجمهور لإعلان نواياهم من دون المخاطرة بتعبئة جماهيرهم وراء التصعيد.

غير أنه من الواضح أن توافر صور الأقمار الصناعية التجارية أتاح الفرصة أمام المنظمات الخاصة، بدلًا من القادة في بكين وواشنطن، لاتخاذ قرار بشأن موعد وكيفية الكشف عن معلومات تتعلَّق بالبرنامج النووي الصيني.

وفي نهاية التقرير، يشير الكاتبان إلى أنه في ظِل انتشار الأقمار الصناعية التجارية، سيحتاج صنَّاع السياسات في جميع أنحاء العالم احتياجًا شديدًا إلى التصدِّي للطُرُق التي يمكن أن تكشف من خلالها التكنولوجيا عن أسرار الأمن القومي. وعلى الرغم من أن صُنَّاع القرار يمكنهم الاستفادة من هذه التكنولوجيات لأغراضهم الخاصة، إلا أنهم ربما يستمرُّون في أن يجدوا أنفسهم مدفوعين صوب مزيد من السياسات التي تنطوي على مزيد من المواجهة إذا تمكَّنت صور الأقمار التجارية من تعبئة الرأي العام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد