نشر موقع ذا «كونفرسيشن» الأسترالي مقالًا للكاتبة المستقلة أوسما بيرنوت، المرشحة لنيل درجة الدكتوراه بجامعة «جريفيث» الأسترالية، تناولت فيه الاتهامات التي تواجهها الصين بالسعي لتصدير التكنولوجيا الاستبدادية إلى خارج حدودها مُتدثرةً بعباءة الحياد التكنولوجي، موضحةً أن الصين ليست بِدعًا من غيرها من الدول الديمقراطية والاستبدادية على السواء في هذا الصدد. وخلُصت الكاتبة إلى وجوب وضع لوائح أفضل على المستوى المحلي لتقنين بيع تكنولوجيا المراقبة والتجارة فيها؛ إذ يصعب سَن مجموعة موحَّدة من القوانين دوليًّا بسبب التوترات الحالية بين الصين والغرب، كما أشارت إلى مبادرات واعدة في مراقبة هذه التكنولوجيا وتنظيمها.

وفي مستهل مقالها، أفادت الكاتبة أن تقنية الجيل الخامس (5G) الصينية محظورة حاليًا في عديد من البلدان، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة وعديد من دول الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2019، نصَّ تقرير صادر عن مركز التميز للدفاع الإلكتروني التعاوني التابع لحلف الناتو (CCDCOE) على أن تقنية الجيل الخامس (5G) من شركة هواوي تمثل خطرًا أمنيًّا.

الاستبداد الرقمي ليس بهذه البساطة

وأوضحت الكاتبة أنه منذ سبتمبر (أيلول)، تسنَّى لمزودي الاتصالات في الولايات المتحدة التقدُّم للحصول على تعويضات من خلال البرنامج الأمريكي «التخلص والاستبدال أو rip and replace» البالغ تكلفته 1.9 مليارات دولار (بدأ البرنامج في عهد إدارة ترامب والآن تحت إشراف جو بايدن)، وذلك للتخلص من أجهزة شركة هواوي وشركة زد تي إي الموجودة في الولايات المتحدة واستبدالها بسبب المخاطر المتصوَّرة على الأمن القومي.

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: بكين تنكر الأمر.. هل طوَّرت الصين صاروخًا فائقًا لسرعة الصوت؟

واستدركت الكاتبة قائلةً: لكن المخاوف المتعلقة بمحاولات الصين تصدير تقنياتها الرقمية وتقنيات المراقبة تمضي إلى ما هو أبعد من شركة هواوي وتقنية الجيل الخامس، فقد اتُّهمت الصين بتصدير «الاستبداد الرقمي» ونشر «الاستبداد التكنولوجي على مستوى العالم» وصدر إعلان بأن الصين تشكِّل خطرًا على بقية دول العالم؛ تقول الكاتبة: وفي بحثي، أرى أن سردية الاستبداد الرقمي ليست بهذه البساطة.

لقد صُدِّرت التقنيات التي تساعد القادة المُستبدِّين على جَمْع المعلومات والسيطرة على الشعوب على مدى عقود في ظل قيود ضئيلة. وعلى الرغم من أن الصين لا تصدِّر أنظمة مراقبة جاهزة الصنع إلى الحكومات المعروفة بأنها قمعية، فإن دولًا في أوروبا وأمريكا الشمالية فعلت ذلك أيضًا، وإن كان في طي الكتمان.

تصدير التكنولوجيا بغض النظر عن الوِجْهَة

تلفِت الكاتبة إلى أن الصين على هذا الصعيد تقع في المرمى المباشر لسهام الانتقادات.

أولًا، تتبنَّى البلاد نظامًا استبداديًّا. وخلال مجموعة خطابات لشي جين بينج في المدة من 2012 إلى 2018، انتقد الرئيس الصيني الأنظمة السياسية الغربية ودعا إلى مزيد من «التعاون بين بلدان الجنوب»؛ أي بين الصين ودول العالم النامي. ومنذ ذلك الحين، أُخِذت هذه الآراء على أنها جزء من أيديولوجية وطنية جديدة وأُدمِجت في مبادرة الحزام والطريق الصينية المؤثرة.

Embed from Getty Images

ثانيًا، شدَّدت الشركات الصينية والحكومة الصينية على حدٍّ سواء على أن الدول تتمتع بالحرية في تقرير ما تريد فِعْله بالتقنيات التي تشتريها من الصين. وأنهم لاعبون محايدون يبيعون تقنيات محايدة إلى دول أخرى.

والصين أكبر مصدِّر لأجهزة الاتصالات وأجهزة الكمبيوتر والهواتف في العالم، وتُعد الولايات المتحدة أكبر وِجْهَة لها. وصدَّرت الصين أيضًا البنية التحتية الرقمية إلى أكثر من 60 دولة نامية، كان معظمها من خلال مبادرة الحزام والطريق، وتشمل بعض الصادرات الأكثر إشكالية لتقنيات المراقبة الصينية ما يلي:

  • قاعدة بيانات من إنتاج شركة كلاود ووك (CloudWalk) للتعرف على الأوجه في زيمبابوي، والتي يقول المعارضون إن هذه التقنية قد تُستخدَم لمراقبة منتقدي الحكومة.
  • فنيون من شركة هواوي إلى أوغندا وزامبيا للمشاركة في أعمال التجسس السياسي.
  • تطوير بطاقة الوطن الأم (fatherland card) الجديدة المثيرة للجدل لرصد الأنشطة المدنية في فنزويلا.
  • بيع تقنيات المراقبة الذكية بالفيديو للحكومة الاستبدادية السابقة في الإكوادور.

 ذريعة الحياد التكنولوجي

واستدركت الكاتبة قائلةً: ولكن الشركات الصينية ليست الجهات الفاعلة الوحيدة في ساحة التجارة العالمية التي تستفيد من ذريعة «الحياد التكنولوجي». وقد تهافتت شركات من أوروبا وأمريكا الشمالية، عند ظهور أول فرصة أمامها، على بيع أنظمة المراقبة إلى الصين في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وساعد عديد من هذه التقنيات في تعزيز نظام الرقابة على الإنترنت في الصين.

وفي تقرير مِفْصَلي في عام 2001، أوضح الباحث المستقل، جريج والتون، أن الشركات الدولية بدأت في تسويق منتجاتها إلى وكالات الأمن العام الصينية في وقتٍ مبكرٍ من عام 2000، وكان ذلك خلال معرض أمني كبير أُقِيم في العاصمة الصينية بكين. واستمر هذا المعرض نفسه في جذب أنظار الشركات الدولية حتى تعطَّلت حركة السفر بسبب جائحة كوفيد-19 في عام 2020.

وفي عام 2006، خضعت شركة سيسكو سيستمز (Cisco Systems) للتحقيق من جانب لجنة فرعية تابعة لمجلس النواب الأمريكي بسبب بيعها تقنيات مراقبة إلى الصين. ودافعت الشركة عن نفسها بالتأكيد على حقِّها في التجارة الدولية والحياد التكنولوجي.

Embed from Getty Images

وبعد مرور عامين على هذه الحادثة، دافعت شركة سيسكو مرةً أخرى عن حقها في بيع منتجاتها للصين في اجتماع مع اللجنة القضائية الفرعية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي والمعنية بحقوق الإنسان والقانون. وجادل ممثل الشركة قائلًا:

«أرى أن هناك شيئًا واحدًا يتعذر على شركات التكنولوجيا فِعْله، وهو إقحام نفسها في سياسة أي دولة».

وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، أفادت الصحافية الاستقصائية، مارا هفيستندال أيضًا أن شركة أوراكل (Oracle) (الشركة نفسها التي فازت بمناقصة تتعلق بالمشاركة في استضافة بيانات تطبيق «تيك توك» (TikTok) في الولايات المتحدة) قد عَرَضت بيع التحليلات الخاصة بالشرطة التنبؤية على وكالات الأمن العام في الصين.

قالت مارا هفيستندال في تغريدة لها:

«بعد تسويق البرنامج للشرطة الأمريكية، نقلته شركة أوراكل إلى الخارج وروَّجته للاستخدام في أعمال المراقبة العدائية في الصين.

أعربت شركة أوراكل عن فخرها بأن برنامجها استُخدِم ضد المحتجين الأمريكيين. ومن ثم عَرَضت بيع برنامج إنديكا (Endeca) المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للسلطات الصينية لكي تستخدمه، وروَّجت أوراكل لاستخدام البرنامج في شيكاغو في أعمال الشرطة التنبؤية. مجلة (ذا إنترسبت)»

وفي تغريدة أخرى قالت  مارا هفيستندال:

«وذكرت وثائق أوراكل التي تحمل علامة «سري» أن برنامج إنديكا (Endeca) وغيره من البرامج الأخرى قد بِيعت لأجهزة الأمن العام الصينية لاستخدامه في تحليل السلوك واللغة، على سبيل المثال».

وفي عام 2019، تبين أن المملكة المتحدة صدَّرت أجهزة لاعتراض الاتصالات إلى دول عدَّة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تقول مانديرا باجواندين، باحثة في العلوم السياسية بجامعة «كيب تاون»، إنه من السهل توجيه أصابع الاتهام نحو الصين، وصرف الانتباه عن بلدان أخرى.

«فلنواجه هذه القضية، إذا كانت الولايات المتحدة جادة حقًّا في السعي لتقييد انتشار ما يسمى بـ«التكنولوجيا الاستبدادية»، يجب عليها أيضًا فرض تدابير وقيود شاملة على المُنتِجين سواءً من الديمقراطيين والاستبداديين على حدٍّ سواءٍ».

نحن بحاجة إلى مراقبة أفضل لتجارة تكنولوجيا المراقبة

تقول الكاتبة: في الواقع، تكنولوجيا المراقبة التي لديها القدرة على جَمْع معلومات الأشخاص وتحليلها هي تقنيات سياسية بطبيعتها.

Embed from Getty Images

يقول البروفيسور شو شو بجامعة «برينستون» إن المراقبة الرقمية تحل «مشكلة الحصول على المعلومات» في البلدان الاستبدادية، وذلك لأنها تمكِّن الطغاة من التعرف بسهولة إلى أولئك الذين لديهم معتقدات مُناهِضة للنظام.

لكن ضبْط التقنيات الجديدة وتنظيمها أمر صعب حتى في البلدان الديمقراطية. وفي أستراليا، يحدث هذا بالفعل من خلال الاستخدام غير المنضبط لتقنيات التعرف إلى لوحة أرقام السيارات من جانب الشرطة لمراقبة الامتثال للإغلاق الذي فرضته الجائحة. وحاولت الشرطة أيضًا استخدام بيانات التحقق من رمز الاستجابة السريعة (QR CODE) لمرض كوفيد-19 عدَّة مرات في التحقيقات الجنائية.

وعلى عكس السلع الإلكترونية الأخرى، تتمتع تكنولوجيا المراقبة بالقدرة على تشكيل ملامح حياة الأشخاص وحقوقهم وحرياتهم وتقييدها. وهذا هو السبب في أن تنظيمها أمر في غاية الأهمية.

وفي حين أنه ربما يصعب سَنْ مجموعة موحَّدة من القوانين دوليًّا بسبب التوترات الحالية بين الصين والغرب، فإن المراقبة ووضع لوائح أفضل على المستوى المحلي قد تكون الخطوة الأولى على الطريق الصحيح للمضي قدمًا.

وفي هذا الصدد، تمثلت إحدى المبادرات الرائعة في مشروعٍ يمتد لسنوات عديدة يديره معهد السياسة الإستراتيجية الأسترالي (ASPI) لرسم خريطة للتوسع الدولي لشركات التكنولوجيا الصينية.

اقتصاد

منذ شهر
ترغب الدولة في استغلاله.. هكذا يؤثر تباطؤ اقتصاد الصين على العالم؟

وقالت الدكتورة سامانثا هوفمان في تغريدة لها: 

«إعادة إطلاق كبرى لمشروع @ ASPI_ICPC، المركز الدولي للسياسة السيبرانية (ICPC) التابع لمعهد السياسات الإستراتيجية الأسترالي (ASPI)، الذي يهدف إلى رسم خرائط لعمالقة التكنولوجيا في الصين. ويمتد هذا المشروع لسنواتٍ عدة، ويتمثل الهدف منه في رسم خرائط للتوسع الخارجي لـ27 شركة تكنولوجيا صينية الآن. وتتضمن هذه الخرائط الآن ما مجموعه 3,800+ إدخال عالمي و38,000+ نقطة بيانات»

ويساعد هذا المشروع في مراقبة أنشطة شركات تكنولوجيا المراقبة الصينية وتوفير بيانات لموجزات السياسة الحكومية. وعندما سوَّقت شركة آي فلايتك (iFlytek)، وهي شركة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي صينية مرتبطة بمراقبة الأويجور في شينجيانج، منتجاتها في نيوزيلندا، اعتمدت وسائل الإعلام على النتائج التي توصَّل إليها معهد السياسات الإستراتيجية الأسترالي (ASPI) للضغط على الشركة النيوزيلندية لوقف تعاونها مع شركة آي فلايتك.

واختتمت الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن البرلمان الأوروبي طالب بإعداد تقريرٍ شاملٍ، ونشره عن الذكاء الاصطناعي في يونيو (حزيران) 2021، وقد أوصى التقرير بإنشاء لجنة أمنية ومركز أبحاث جديد يختص بقضايا الذكاء الاصطناعي. ويبقى أن نرى هل يكون لهذا التقرير مخالب حقيقية، لكنه نوع البداية التي نحتاج إليها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد