تُعد مقابلة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان التي أجراها مع موقع «أكسيوس» مثالًا آخر على هذا الاتجاه المقلق.

استعرض موقع «ﭬوكس» الأمريكي في تقرير أعدَّه أليكس وارد، مراسل يغطي شؤون البيت الأبيض، ويركز على السياسة الخارجية والأمن القومي، كيف تشتري الصين صمت القادة المسلمين تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها حكومة الصين ضد أقلية الإيغور المسلمة.

صمت مطبق

ويشير الكاتب في مطلع تقريره إلى استمرار الصمت المطبق لزعماء البلدان ذات الأغلبية المسلمة تجاه الإبادة الجماعية التي تمارسها حكومة الصين ضد مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانج في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن محنة الإيغور على نحوٍ متزايد.

Embed from Getty Images

ودلَّل الكاتب على هذا الصمت بالإشارة إلى المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان هذا الأسبوع مع جوناثان سوان في موقع «أكسيوس». وسأل سوان عن سبب التزام رئيس الوزراء، الذي لطالما تحدث عن الإسلاموفوبيا في الغرب، الصمت على نحو ملحوظ بشأن فظائع حقوق الإنسان التي تحدث عبر حدود بلاده.

وقد كرَّر خان إنكار الصين أنها وضعت ما يقرب من مليوني مسلم من الإيغور في معسكرات اعتقال ثم تهرَّب من القضية مرارًا. وقال خان: «هذا ليس هو الحال، وفقًا لما يقوله الصينيون»، مضيفًا أن أي خلافات بين باكستان والصين يجري تسويتها على انفراد. وشدد الكاتب على أن هذا التصريح صادم؛ فبدلًا عن عرض موقف شكلي بالقول مثلًا «نعم، بالطبع نحن نشعر بالقلق مما يحدث» قبل المضي قدمًا في حديثه، اختار خان بدلًا عن ذلك تقليل حجم المشكلة تمامًا.

ما وراء الصمت

وتساءل الكاتب عن السبب الذي قد يدفع خان للتصرف على هذا النحو أثناء مقابلة رفيعة المستوى، في وقت يُقدِّم نفسه بوصفه مدافعًا عن المسلمين الذين يتعرضون للأذى، موضحًا أن رئيس الوزراء كشف السر دون قصد في وقتٍ لاحقٍ من المقابلة؛ فقد قال خان لسوان: «كانت الصين واحدةً من أفضل أصدقائنا في وقت الشدة، وعندما كنا نكافح بالفعل، وكان اقتصادنا يصارع، جاءت الصين لإنقاذنا».

لقد منحت الصين باكستان المليارات من القروض لدعم اقتصادها؛ الأمر الذي سمح للبلاد بتحسين أنظمة النقل وشبكة الكهرباء المتعثرة، من بين أمور أخرى. ولم تفعل الصين ذلك انطلاقًا من طيبة قلبها، ولكنها فعلت ذلك جزئيًّا لكي تعتمد باكستان على الصين، وبذلك تجبرها على قبول علاقة ثنائية أوثق.

ولفت الكاتب إلى أنها لعبة مارستها الصين مرارًا من خلال «مبادرة الحزام والطريق». وتهدف الصين إلى بناء شبكة تجارة برية وبحرية ضخمة تربط معظم آسيا بأوروبا وأفريقيا وما وراءهما. ولكي تفعل ذلك تعقد الصين صفقات استثمار وإقراض مع الدول على ذلك «الطريق»، مثل باكستان، بحيث تشكل جزءًا من تلك الشبكة. والواقع أن المقايضة تتلخص في أن الصين تزيد من قوتها ونفوذها في حين تحصل البلدان الأخرى على المساعدة الاقتصادية التي تحتاج إليها.

Embed from Getty Images

وقد ساعدت تلك العلاقة باكستان على تجنب الكارثة الاقتصادية. ولكن الآن ليس لدى باكستان الأموال اللازمة لتسديد الأموال المستحقة للصين. وهذا من شأنه أن يسبب مشكلةً لباكستان، وآية ذلك أن الصين لديها تاريخ في الاستيلاء على أصول الدولة عندما لا تسدد ديونها، كما حدث عندما استولت على ميناء سريلانكي في عام 2018.

وأضاف الكاتب أن خان – ولكي يتجنب مصيرًا مماثلًا، وربما للحفاظ على تدفق الأموال – لم يكن على الأرجح راغبًا في انتقاد الصين علنًا. وقال سمير لالواني، مدير برنامج جنوب آسيا في مركز «ستيمسون» في واشنطن العاصمة: إن «الصين شريان الحياة الوحيد لباكستان للخروج من مأزق الديون».

ليست باكستان وحدها

ويرى الكاتب أن الأمر لا يقف عند حد باكستان، ذلك أن القصة هي نفسها في أماكن أخرى في العالم. وحتى قادة إيران، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، الذين كثيرًا ما يصورون أنفسهم على أنهم المدافعون عن الإسلام والأمة الإسلامية برمتها، يختارون إعطاء الأولوية لعلاقتهم الاقتصادية مع الصين بدلًا عن الوقوف إلى جانب الإيغور.

وعلى المدى القصير قد تحصل تلك الدول على مزيد من الأموال من خلال علاقاتها مع الصين، ولكن على المدى الطويل، ستكون سُمْعَتها الثمن الذي تدفعه من جراء هذا الموقف. ويعتبر التقرير خان أحدث زعيم مسلم يغض الطرف عما تفعله الصين ضد مسلمي الإيغور.

Embed from Getty Images

ونقل الكاتب عن جوناثان هوفمان من جامعة «جورج ميسون»، الذي يدرس سياسات الشرق الأوسط والمنافسة الجيوسياسية، قوله: إن تصريحات خان تتماشى مع توجُّه القادة المسلمين للنأي بأنفسهم عن التعرض لانتهاكات الصين الجسيمة لحقوق الإنسان. وقال: «إن هذا التوجُّه يمثل نمطًا أوسع نطاقًا في المنطقة، حيث تُهمَّش محنة الإيغور مع تحوُّل الصين بسرعة إلى أكبر مستهلك للنفط وشريكٍ تجاري ومستثمر في المنطقة».

ويساعد ذلك في تفسير بعض التصرفات التي قامت بها الدول ذات الأغلبية المسلمة وقادتها في السنوات الأخيرة، والتي كتب عنها هوفمان في مايو (آيار) لصحيفة «واشنطن بوست»: «في عام 2019، كانت السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر من بين 37 دولة وقَّعت على رسالةٍ إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تشيد بـ«إسهام الصين في قضية حقوق الإنسان الدولية»، مع ادعاءات بأن الصين أعادت «الاستقرار والأمن» بعد مواجهة «الإرهاب والانفصالية والتطرف في شينجيانج…».

وعندما زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الصين في عام 2019، أعلن أن «للصين الحق في اتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب والتطرف لحماية أمنها القومي». وكذلك أشاد بيان لمنظمة التعاون الإسلامي صدر في مارس (أذار) عام 2019 بالصين «لتقديمها الرعاية لمواطنيها المسلمين».

دولي

منذ 4 شهور
على عكس أفغانستان.. لماذا لم تتحوّل قضية الإيغور إلى حرب جهاد عالمية؟

وبحسب الكاتب، ربما يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو المثال الأوضح لكيفية شراء الصين للولاء والامتثال والصمت. وفي عام 2009 ومع قمع السلطات الصينية لمسلمي الإيغور في خضم العنف العِرقي في شينجيانج، وقبل وقت طويل من صدور تقارير موثوقة عن السجن التعسفي والتعذيب والعمل القسري، تحدث الرئيس التركي عمَّا كان يحدث. وقال أردوغان: إن «الأحداث في الصين هي ببساطة إبادة جماعية. ولا معنى من تفسير ذلك بطريقة أخرى».

ولكن الآن تغيرت لهجة أردوغان؛ ففي يناير (كانون الثاني) فضَّت الشرطة التركية احتجاجًا قاده الإيغور المحليون خارج القنصلية الصينية في إسطنبول، وتُتَّهم الحكومة التركية بتسليم الإيغور إلى الصين مقابل الحصول على لقاحات كوفيد-19.

وتساءل الكاتب: لماذا هذا التحول؟ مُخمِّنًا أن الإجابة تكمن في المال؛ فقد كان الاقتصاد التركي يعاني حالةً من الانكماش قبل مدة طويلة من تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، لكن الصين جاءت للإنقاذ. وسعى أردوغان وفريقه للحصول على المليارات من الصين في السنوات الأخيرة، وأصبحت الصين أكبر مستورد للبضائع التركية في عام 2020. وقد يؤدي انتقاد الحكومة الصينية خاصةً فيما يتعلق بقضية الإيغور إلى قطع شريان الحياة المالي الذي توفره الصين لتركيا.

ومع ذلك أدَّى الضغط الشعبي المؤيد للإيغور في تركيا إلى حدوث تحول طفيف في خطاب نظام أردوغان في الأشهر الأخيرة. وفي مارس قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو: إن إدارته أثارت محنة الإيغور في مناقشات خاصة مع المسؤولين الصينيين. ومع ذلك فإن هذا أقل بكثير مما يجب أن يتوقعه العالم من القادة المسلمين، بحسب ما يختتم به الكاتب تقريره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد