يقدم الكاتب كاي لين تاي الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) تحليلًا عن توظيف الجيش الصيني للمدنيين في مجال البحث العلمي، وكون ذلك جزءًا من جهد وطني أوسع لتعزيز الابتكار المدني العسكري، فهل يمكن تحسين قدرات الجيش الصيني حقًا مع هذه المواهب الجديدة على الساحة بالاعتماد على التطوير المتزامن للنظريات العسكرية لمواكبة التقنيات الجديدة؟

أعلن المركز الصيني الرائد للعقيدة والإستراتيجية العسكرية في مارس (أذار) عن هدفه في زيادة توظيف طواقم مدنية، ويشكل ذلك معلما مهما في مسيرة جهود المركز لدعم تيار جديد من مواهب الأبحاث العسكرية المدنية، ويقوم ذلك على جهد وطني واسع لتعزيز الاندماج المدني العسكري، وهي إستراتيجية تم توضيحها لأول مرة في مايو (أيار) عام 2016 لدفع الابتكارات الوطنية في كلا الاتجاهين.

دولي

منذ أسبوعين
مترجم: تهزم نفسها من الداخل.. كيف تُعطِّل «القومية» طموح الصين العالمي؟

في حين كانت أكاديمية العلوم العسكرية الصينية (إيه إم إس) حكرًا على العسكريين، فإن تقسيمتها الجديدة لتوظيف طاقم عمل مدني في معهد الابتكار الوطني لتكنولوجيا الدفاع التابع لها يشكل زيادة مقدارها خمسة أضعاف منذ 2019. في البداية أعلنت الأكاديمية أنها ستوظف 50 باحثًا من المدنيين لتعيينات 2020، لتعلن بعد ذلك أنها ستوظف 100 آخرين في طاقم الأبحاث المدني.

وبحسب التقرير، أن مصادر صينية أفادت أن أكاديمية العلوم العسكرية كانت «حقل اختبار» مهم لجيش التحرير الشعبي الصيني للاندماج العسكري المدني منذ الإصلاحات التي أجريت للأكاديمية في يوليو (تموز) 2017. وأعيد تنظيمها لتصبح ثمانية معاهد بحثية، ستة منها تتناول جوانب كل من: الطب العسكري، وهندسة الدفاع الوطني، والقانون العسكري، وهندسة النظم، والدفاع الكيميائي وتكنولوجيا الدفاع المبتكرة؛ أما المعهدان المتبقيان يعملان على ترسيخ الخبرة الأكاديمية النظرية الموجودة في دراسات الحرب والعمل السياسي العسكري، وتستضيف الأكاديمية أيضًا قسمًا للطلاب الخريجين ومركزين للأبحاث.

تولي الأكاديمية الآن اهتماما أكبر لاحتضان أحدث التقنيات الإستراتيجية، ودمجها في كتابة العقيدة العسكرية، بحسب التقرير. وتشهد هذه الإصلاحات على الأهمية الحيوية التي يوليها الرئيس شي جين بينغ للعلوم والتكنولوجيا، والتي وصفها في 2018 على أنها «لم تكن ذات تأثير عميق على مستقبل ومصير البلاد وحياة الناس ورفاهيتهم كما هي اليوم».

الاندماج العسكري المدني للمواهب البحثية

وبحسب الكاتب أن الأكاديمية اعتمدت على كوادر الجيش الصيني النشطة ذات الخبرة العلمية الاحترافية لتلبية الطلب على الباحثين العلميين، ومنذ بدء إصلاحات الأكاديمية اختير أكثر من 200 فرد من الكوادر العسكرية ذات الكفاءة العالية ليكونوا باحثين مدنيين في الأكاديمية، 84% منهم على الأقل حاصلون على درجة الماجستير. إن معهد الابتكار الوطني لتكنولوجيا الدفاع الذي يطور التطبيقات التشغيلية للتكنولوجيا الرائدة المبتكرة مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والكهرومغناطيسية الحيوية، قد وظف أكثر من 120 عسكريًا بدرجة دكتوراة ومتوسط عمر 33 عامًا.

Embed from Getty Images

وأضاف التقرير: «يعتبر خريجو الجامعات العسكرية مصدرا بالغ الأهمية للمواهب إلى جانب الكوادر العسكرية النشطة». ومنذ عام 2018 وظفت الأكاديمية بنجاح أكثر من 100 باحث مدني من خريجي الجامعات العسكرية، وتفضل الأكاديمية خريجي الدكتوراة من الجامعة الوطنية للدفاع والتكنولوجيا، إذ نقل معهد الابتكار الوطني لتكنولوجيا الدفاع وحده عشرات الخريجين من حملة درجة الدكتوراة هذه السنة إلى مناصب مدنية.

في حين كان الطاقم العسكري المصدر التقليدي للمواهب، إلا أن الأكاديمية تتطلع بشكل متزايد إلى خريجي الدكتوراة من جامعات الدرجة الأولى المدنية لتلبي احتياجاتها في البحث العلمي. وكما ذكر التقرير أنها قدمت عام 2018 لأول مرة 157 منصبًا في البحث العلمي لخريجين مدنيين، وأنها زادت العدد لأكثر من الضعف بتقديم 371 وظيفة عام 2019، أما لهذه السنة فقد قدمت ما مجموعه 741 وظيفة للخريجين من الجامعات المدنية.

كان توجه التوظيف ثابتًا بين عام 2018 و2019، إذ وظف معهد أبحاث الطب العسكري ومعهد أبحاث هندسة النظم الحصة الأكبر من الخريجين المدنيين، أما العام الجاري فإن معهد الابتكار الوطني لتكنولوجيا الدفاع كان في المرتبة الثانية مع إجمالي 150 خريج مدني (بعد آخر تعزيز بـ100 موظف) بعد معهد أبحاث هندسة النظم.

وبحسب الكاتب أن هذا التغير يوضح الحاجة الملحة الجديدة داخل الجيش الصيني لمعالجة النقص في المواهب العلمية لتطوير تقنيات الصين الرائدة، استجابة لملاحظة الرئيس بينغ عام 2018 في أن مواهب الصين الرائدة الابتكارية في العلوم والتكنولوجيا غير كافية. وتحدد اتجاهات التوظيف أيضًا أن الأكاديمية تعتمد الآن أكثر على المدنيين من الكوادر العسكرية لسد احتياجاتها في البحث العلمي.

تملك الأكاديمية أيضًا قسمًا للطلاب الخريجين، يقوم برعاية طلاب الدراسات العليا بالاشتراك مع جامعات مدنية مختارة، إذ يتابع الطلاب عادة دروسًا في الجامعات المدنية ويشاركون في برامج البحث المنصوص عليها.

تداعيات قدرات الصين العسكرية

بينما أحرزت الأكاديمية تقدما ملحوظا في الإصلاحات الهيكلية وزيادة القوة العاملة في مجال البحوث، فإن قدرات الصين العسكرية يمكن أن تتحسن بالفعل بالاعتماد على التطوير المتزامن للنظريات العسكرية لمواكبة التكنولوجيا الجديدة. وبحسب التقرير أن خبيرًا عسكريًا صينيًا لاحظ أن باحثي الأكاديمية ما يزالون يعملون في مجتمعات مغلقة ولم يظهروا «ثقافة تنظيمية تعاونية حقيقية». لكن الأكاديمية بذلت جهودًا لمقاومة هذا التوجه، إذ أسست فرق بحث مركبة تشمل مواهب نظرية وعلمية لحل مهام البحث متعددة الاختصاصات.

Embed from Getty Images

وتضم فرقة العمل البحثي في معهد أبحاث الحرب منظرين عسكريين داخليين وخبراء المحاكاة القتالية، بالإضافة إلى خبراء من معاهد الأكاديمية الأخرى. حوالي 80% من خريجي الأكاديمية المدنيين المجندين عملوا في بكين عام 2018 و2019، متيحين بذلك المزيد من الفرص التعاونية في معاهد الأكاديمية المتعددة.

وكما ذكر التقرير أن عاملًا آخر يتعلق بإمكانيات الجيش الصيني العسكرية، وهو قدرة الأكاديمية على تحويل إنجازات العلوم والتكنولوجيا إلى مخرجات عملية. وعلى الرغم من أن معاهد الأبحاث قد منحت مزيدًا من السلطة القانونية لتسريع تسويق منجزات العلم والتكنولوجيا، إلا أن التكنولوجيا المتعلقة بالأسرار الوطنية والأمن القومي ما تزال خاضعة للإدارة الوطنية لحماية أسرار الدولة ووزارة العلوم والتكنولوجيا.

تحول الافتقار إلى التوجيهات الواضحة للإدارة والتخلص من الأسهم المملوكة للدولة، التي تم تحويلها من إقرارات على نتائج بحثية حساسة، إلى قصور في القوانين القائمة، إذ يشعر العديد من الباحثين بالقلق إزاء المسؤولية القانونية المحتملة بسبب الاستفادة من أبحاثهم، مما قد يجعلهم أقل تحفزًا للإبداع، ومع ذلك ازدادت شراكات أكاديمية العلوم العسكرية مع قطاع الصناعة منذ بداية انتشار (كوفيد-19).

وكما ذكر التقرير أن شركة كانسيو بيولوجيكس الصينية للقاحات هي تعاون مع معهد أبحاث الطب العسكري بهدف تطوير لقاح؛ ويتعاون معهد الابتكار الوطني لتكنولوجيا الدفاع مع شركة بكين تشفتين، وهي شركة قطاع خاص لتطوير المعدات الطبية.

وكما أكد الرئيس بينغ، فإن الأكاديمية هي «القبضة» التي تحرك أبحاث العلوم العسكرية في الجيش الصيني. ورغم أنها أظهرت الاندماج المدني العسكري المهم، فإن الصين لا تزال تواجه قيودًا بنيوية مستمرة تؤدي إلى تثبيط تحول إنجازات العلم والتكنولوجيا. ومع ذلك، فإن الأكاديمية تضع أساسًا أكثر صلابة للجيش الصيني من خلال الترويج لتيار توسعي جديد لمواهب الأبحاث المدنية العسكرية.

وختم الكاتب التقرير بأن الأكاديمية إذا استطاعت في النهاية المساعدة في خلق جيش صيني ذي مستوى عالمي بحلول 2050، فإنها ستعتمد على قدراتها المستقبلية لدمج النظرية مع البحث التقني، وتحويل نتائج البحث إلى مخرجات عملية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد