تعتبر دولة جيبوتي الأفريقية الصغيرة البطل الذي تتغنَّى به الولايات المتحدة لمشاركته الفعالة في الحرب المستمرة على الإرهاب والقرصنة. ولكن على الرغم من بعض المخاوف الأمنية، حيث أغلقت السفارة الأميركية أبوابها لمدة قصيرة في أوائل الشهر الحالي لأسباب لم يتم الإفصاح عنها، إلا أن البلد يعتبر واحة للاستقرار في القرن الأفريقي. يستضيف معسكر ليمونير قوات خاصة أميركية وطائرات مقاتلة ومروحيات وهي تعتبر قاعدة رئيسية لعمليات القصف باستخدام طائرات بدون طيار في اليمن والصومال. فلا عجب أن واشنطن جددت مؤخرًا تأجيرها للقاعدة لعشر سنوات أخرى، على الرغم من أن الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر ضاعف تقريبًا من ثمن استئجارها.

يعتبر الاستثمار الأميركي في جيبوتي، والذي يزيد على 70 مليون دولار سنويًا تشمل مساعدات اقتصادية، استثمارًا رابحًا. فواشنطن تحتاج إلى جيبوتي، ورئيس جيبوتي يعي ذلك جيدًا. كما منحت كل من فرنسا وألمانيا واليابان عشرات الملايين من الدولارات إلى جيبوتي من أجل استغلال قطاع العقارات الاستراتيجي هناك. ومؤخرًا، نزلت الصين إلى هذا المضمار أيضًا، ليس لأسباب اقتصادية فقط، وإنما لاعتبارات أمنية أيضًا. المال هو المتحكم، وخاصة في دول صغيرة ومتخلفة وتدار بواسطة حكومات سلطوية مثل جيبوتي، وعما قريب، ستكون لبكين اليد العليا هناك بدلاً من واشنطن.

تهتم الصين بأفريقيا اهتمامًا هائلاً، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين والقارة السمراء حاجز 200 مليار دولار، وهو ما يزيد بكثير عن حجم التجارة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، سعت الصين منذ وقت طويل إلى تعزيز نفوذها في مناطق تعتبرها نقاط خنق استراتيجية. وعلى هذا النحو، عقد الآن عدة صفقات اقتصادية وسياسية وعسكرية مع عدد من الدول الأفريقية، بما في ذلك الجزائر (التي تمتلك مخزونًا ضخمًا من النفط والغاز وتقع على مقربة من قناة السويس) ودول أخرى غنية بموارد الطاقة مثل إثيوبيا ونيجيريا. انضمت جيبوتي مؤخرًا إلى قائمة تلك الدول، بإبرامها صفقة أمنية ودفاعية مع بكين في أوائل عام 2014.

وقد احتجَّت واشنطن على الاتفاق الذي تم بين البلدين وعبَّرت عن مخاوفها من خطط الصين الرامية إلى قاعدة عسكرية في منطقة أوبوك، ولكن بلا فائدة. ولكن هذا ليس مفاجئًا في ضوء حزمة المساعدات الاقتصادية الهائلة التي عرضتها بكين على الرئيس الجيبوتي. أثناء التفاوض حول الصفقة، قامت شركة حكومية صينية بشراء حصة كبيرة في ميناء جيبوتي ذي الأهمية الكبيرة مقابل 185 مليون دولار. كما عرضت بكين تطوير مرافق الميناء، فضلاً عن تحسين مستوى البنية التحتية التي تدعم عمل الميناء، بما في ذلك خط سكة حديد يصل إلى إثيوبيا ومطارين دوليين.

من وجهة نظر الصين، فإن التحرك نحو عرض حوافز تجارية على أمل تحقيق مكاسب استراتيجية وعسكرية مستقبلية يأتي من كتيب إرشادات ناجحة. فقد قامت بكين بأدوار مشابهة في بنغلاديش وميانمار وباكستان وسريلانكا، حتى ولو لم تكن لذلك ثمار استراتيجية. ولكن في أسلوب تعاملها مع جيبوتي، كان للصين ميزة استراتيجية أقوى عن المعتاد، فالموانئ البحرية هي الثروة الاقتصادية الوحيدة التي تمتلكها جيبوتي، بخلاف منشآتها العسكرية واللوجستية. وإطلاق وعد بإنفاق مبالغ كبيرة على تطوير موانئ جيبوتي وبنيتها التحتية يمثل عرضًا لتمويل الخطة الاقتصادية الوحيدة التي تملكها البلاد.

كما تعلَّمت بكين درسًا آخرًا أيضًا من كتاب الدبلوماسية الذي اتبعت إرشاداته جنوب المحيط الهادي، وهو إقامة علاقات مع حكومات مستبدة تشرف على اقتصاديات منهارة، وممارسة الإغواء الاقتصادي على المستوى الوطني والفردي. ولتحقيق هذه الغاية، فإن الاستثمارات الصينية في البنية التحتية في بلد بعينه دائمًا ما تسير جنبًا إلى جنب مع تقديم خدمات شخصية، كبناء مبانٍ سكنية فاخرة لقادة الدولة، كما فعلت مؤخرًا في السودان، أو على الأقل بإحاطة المباني الخاصة بالمسئولين الحكوميين بأسوار فخمة، كما فعلت في فيجي. وهذا يفسر لماذا تعامل بكين وزراء حكومة جيبوتي كقادر لهم أهميتهم العالمية، باستضافتها اجتماعات كبيرة مشتركة معهم والتي تناسب القادة ذوي التأثير العالمي.

لكن الأمثلة القادمة من شعوب جزر المحيط الهادي توضح أيضًا أنه في مقابل هذا السخاء، فإن بكين تطلب في نهاية المطاف مكافآت هائلة. فقد أدرك الشركاء الاقتصاديون للصين في كل من آسيا وأفريقيا بالفعل أن فوائد الأنشطة الاقتصادية الصينية نادرًا ما يصل صداها إلى السكان المحليين، وأن الصين لا تهتم كثيرًا بالأضرار البيئية والاجتماعية التي تخلفها وراءها. لكن الأمر سيتطلب بعض الوقت حتى تدرك جيبوتي هذا الأمر، وفي اللحظة الراهنة، هي لا ترى فائدة للدولار مثل الرمنيبي (عملة الصين).

في الوقت نفسه، لم تفقد الولايات كافة نفوذها هناك، حتى بالنظر إلى أن واشنطن تفتقر إلى الاهتمام بذلك البلد. لا ترغب أي دولة بأن تنخفض خياراتها الاستراتيجية إلى أن تصبح إحدى عملاء الصين، وهو شيء يتعين على واشنطن التركيز عليه بشكل خاص في محادثاتها القادمة مع الرئيس الجيبوتي. إلى جانب أن الولايات المتحدة تستمتع بميزة التفاوض الجماعي. فيجب عليها التنسيق مع حلفائها الاستراتيجيين مثل فرنسا وألمانيا واليابان فيما يخص مطالبها، وعليها أن تعد شركاءها لسحب أموالهم بشكل جماعي من على الطاولة في أي مفاوضات مستقبلية، أو إضافة المزيد منها إذا اقتضت مصالحهم الاستراتيجية ذلك. وإن لم تفعل ذلك، فقد تجد واشنطن أن الدولة التي تستضيف قاعدتها العسكرية في صحراء أفريقيا تدين بأفضال أكثر للصين من الولايات المتحدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد