تَعُجُّ معسكرات الاعتقال في منطقة شينجيانج الصينية بملايين المعتقلين من أقلية الإيغور المسلمة في الصين. وتظهر بين الفينة والأخرى تقاريرٌ عن حجم الفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكَبُ داخل تلك المعسكرات.

وأعدَّ سي جي ويرلمان، الصحافي والمؤلف والمحلل سياسي المتخصص في فض النزاعات والإرهاب، تقريرًا يتحدث عن الانتهاكات الجديدة التي اكتشف أنها تحدث داخل تلك المعسكرات إثر مُقابلةٍ أجراها مع أحد الجراحين الذين شاركوا في تلك الانتهاكات. لكن ويرلمان يعتقد أن تلك الفظائع ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، بحسب التقرير الذي نشره موقع «ميديام» الأمريكي.

مترجم: هذه التقنية استخدمتها الصين لتعقب 2.6 مليون مسلم من الإيغور

وأورد ويرلمان تصريحات إنفير توهتي، جراح الأورام المنفي من الإيغور، الذي قال: «استدعاني كبير الجراحين لغرفةٍ قرب ساحة أورومتشي لعمليات الإعدام؛ لنزع كبد وكليتيّ سجين بعد إعدامه. واتضح لي أنه لم يكن ميتًا تمامًا؛ لأنَّ (فرقة الإعدام الصيني) أطلقت النار على صدره الأيمن (عمدًا) ليسقط مغشيًا عليه (لكن دون قتله)؛ حتى يُتاح لي الوقت لاستئصال أعضائه»، وذلك في عمليةٍ طالبت كبير الجراحين بأن يجريها للسجين دون تخديره. وشاهد توهتي قلب الرجل وهو لا يزال ينبض أثناء استئصال كليتيه وكبده.

وذكر ويرلمان أن عملية الإعدام، التي أُفشِلَت عمدًا، نُفِذَت بحق سجين من الإيغور في عام 1995. وكانت هذه هي المرة الأولى التي شهد فيها توهتي وشارك دون درايةٍ منه في برنامج حصاد الأعضاء البشرية الحية في الصين، إذ صرح لصحيفةً بريطانية عام 2013 أنه أمضى عدة سنواتٍ قبل أن يدرك ما الذي تورط فيه وإلى أي مدى أصبحت هذه الممارسات منتشرة وممنهجة في المنطقة التي يرتكز فيها المسلمين الإيغور.

وفرّ توهتي من الصين بعد ثلاث سنواتٍ من تلك الواقعة، بحسب ويرلمان، إثر كشفه عن الكيفية التي أدَّت بها اختبارات الأسلحة النووية في شينجيانج إلى ارتفاعٍ حادٍ في معدلات الإصابة بالسرطان بين الإيغور. فضلاً أنه ساعد شركة إنتاج إعلامي بريطانية في عام 1998 على إنتاج فيلم وثائقي عن الإشعاع النووي في المنطقة، بعنوان «Death of the Silk Road» – أو الموت في طريق الحرير.

مُطاردة المُعارضين من الإيغور في الخارج

وصرَّح توهتي لإذاعة «آسيا الحرة» الأمريكية في مارس (آذار) عن قناعته بأنَّ العملاء الأساسيين الذين يشترون الأعضاء الحية الخاصة بالإيغور المسلمين هم أثرياءٌ سعوديون من متلقي الأعضاء، بحسب التقرير. وأضاف أن الصين تسوِّق ببشاعة منافية للعقل هذه الأعضاء المُنتزَعة بطريقة غير مشروعة على أنها «أعضاء حلال»، على الرغم من حقيقة أنه لا يوجد مثل هذا الشيء في الشعائر أو الأحكام الإسلامية.

Embed from Getty Images

وضغط ويرلمان على توهتي بخصوص هذا الادعاء، لكن توهتي أقرَّ أنه لا يمتلك دليلًا مباشرًا وأنه لا يمتلك سوى رواياتٍ متواترةٍ غير مؤكدة حول بيع الصين أو تسويقها أعضاء «حلال» لمُتلقّين سعوديين. وذكر ويرلمان إصرار توهتي أنه «من الأفضل عدم الحديث عن هذا الأمر لحين التأكد من صحته».

وحين سأل ويرلمان عن الأسباب التي دفعته إلى التخلِّي عن موقفه السابق بتأكيد تصريحاته التي أدلى بها لإذاعة «آسيا الحرة»، انتقل توهتي إلى الحديث عن خوفه على سلامة والدته التي لا تزال تعيش في شينغيانج.

وذكر ويرلمان أن أرسلان هداية، صهر الكوميدي الإيغوري المسلم الشهير عادل مجيد، وعددٌ آخر من نشطاء الإيغور أخبروه عن الكيفية التي تهدد بها الصين أفراد عائلات من يعيش منهم بالخارج، وبالأخص من يتحدثون علنًا عن الجرائم المرتكبة في شينجيانج.

طلبٌ مُتزايدٌ على الأعضاء البشرية

أفاد ويرلمان أن حجم الطلب على أعضاء الإيغور يتجاوز حجم المعروض، وفقًا لما قاله توهتي، وهو ما يفسر سبب تنفيذ سلطات الحزب الشيوعي الصيني الحاكم عملية إجبارية لجمع عينات دماء من المسلمين الإيغور من خلال جمعية الفحوص الطبية الصحية الوطنية؛ بهدف بناء «قاعدة بيانات لمطابقة الأعضاء الحية».

وأورد التقرير تصريحات الدكتور فيصل شاهين، مدير المركز السعودي لزراعة الأعضاء، التي قال فيها لمجلة «أريبيان بزنس» الإماراتية أنَّ 410 من السعوديين اشتروا أعضاء بشرية خلال عامين، من 2012 إلى 2014، من «أسواق سوداء» في الصين ومصر وباكستان. وأضاف أنه لا يزال هناك سبعة آلاف مريض سعودي بحاجة لزراعة كُلى.

Embed from Getty Images

وتقول لجنة الصحة العامة واللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعتان للبرلمان الأوروبي إنَّ سعر الكلية المُنتَزَعة بطريقة غير قانونية يصل إلى 150 ألف يورو (أي 165 ألف دولار أمريكي)، بحسب التقرير.

وأفاد ويرلمان أن المُشرِّعين البريطانيين هذا الأسبوع حذَّروا المواطنين الذين هم بحاجة ماسة لعملية زراعة عضو من أنهم قد «يشاركوا (دون علم) في التربُّح من الأعمال الوحشية المُرتكَبة بحق السجناء في شبكة السجون ومعسكرات الاعتقال التابعة للحكومة الشيوعية».

ويزداد مدى إجرامية الممارسات البربرية الصينية لجمع الأعضاء الحية من المسلمين في ظل احتجاز ما يزيد على مليوني مسلم أويغوري في شبكة السجون ومعسكرات الاعتقال بمنطقة شينجيانج ومختلف أنحاء الصين، بحسب التقرير، وهو ما يرقى بذلك إلى أكبر عملية اعتقالات جماعية بحق أقلية مسلمة منذ المذابح البشعة التي وقعت في منتصف القرن العشرين.

سلسلةٌ من الأدلة

أورد تقرير ويرلمان أن البرلمان البريطاني شاهد عام 2016 عرضًا تقديميًا بعنوان «حصاد/مذبحة دموية Bloody Harvest/Slaughter»، وهو الاسم المأخوذ من كتابين ألَّف الأول منهما إيثان جاتمان، والثاني ديفيد كيلجور وديفيد ماتاس.

وقدَّم هذا العرض أدلةً موثوقة عن أنَّ الصين أسَّسَت «سلسةً صناعيةً كاملة» لجمع أعضاء السجناء السياسيين، وأشار إلى أنَّ الأقليات استُهدِفَت بشكل خاص، ومن بينهم المسلمون الإيغور، والشعب التبتي، ومسيحيو المنازل الخاصة (الذين يجتمعون بصورة دورية في منازل خاصة لممارسة عقيدتهم)، وأتباع طائفة الفالون غونغ (الفالون دافا).

وأشار ويرلمان إلى أن ذلك العرض اقتبس في الواقع تصريحات توهتي الذي يُرجَع له الفضل في كشف «أول واقعة معروفة لعملية جمع الأعضاء»، والذي أكَّد مزاعمه بأنه استخرج «كليتي وكبد سجين أُطلِق النار على صدره لدفع جسده إلى لدخول في حالة صدمة، وليس بهدف قتله».

وذكر مؤلفو العرض التقديمي أيضًا أنَّ «شاهدًا طبيًا آخر شرح كيف أُجبِر على إجراء فحوص دم لسجناء سياسيين أويغوريين نيابةً عن حفنةٍ من مسؤولي الحزب الشيوعي العجائز رفيعي المستوى الذين احتاجوا إلى أعضاء تطابق أنسجتهم».

Embed from Getty Images

وأضافوا: «ويُمكن أن تُعتبر هذه الواقعة بمثابة أولى حالات (سياحة زراعة الأعضاء)، رغم أنها داخل الحدود الصينية؛ لأنَّ هؤلاء المسؤولين سافروا إلى أورومتشي تحديدًا لإجراء تلك العمليات. وفي الوقت نفسه تؤكد الواقعة أنَّ الحزب الشيوعي متورط صراحةً منذ البداية في جمع الأعضاء قسرًا من السجناء الدينيين والسياسيين».

ويرى ويرلمان أن هذه الأدلة ضد الصين تُشكِّل «حقلًا معرفيًا» قائمًا بذاته، فضلًا عن أنها مجموعة متكاملة من الأدلة، وذلك في ظل نشر العديد من الكتب التي تتحدث عن هذه المسألة؛ منها «أعضاء الدولة: انتهاكات زراعة الأعضاء في الصين State Organs: Transplant Abuse in China» (الصادر عام 2012)، و«المذبحة: جرائم القتل الجماعية وحصاد الأعضاء وحل الصين السري لمُشكلة المُعارضين The Slaughter: Mass Killings, Organ Harvesting, and China’s Secret Solution to Its Dissident Problem» (الصادر عام 2014)، و«الحصاد الدموي Bloody Harvest» (عام 2009)، و«المذبحة The Slaughter» (عام 2014).

بالإضافة إلى عشرات المقالات المنشورة في صحف موثوقة، وكذلك العديد من الأفلام الوثائقية وإنشاء منظمة «أطباء ضد حصاد الأعضاء القسري Doctors Against Forced Organ Harvesting» غير حكومية، وهي منظمةٌ معنيةٌ بإنهاء الممارسات الصينية التي تستهدف حصاد الأعضاء البشرية الحية من السجناء السياسيين.

ووجدت لجنة بريطانية أنَّ الأدلة والإفادات التي توصلت لها من خلال تحقيقاتها في برنامج الصين لحصاد الأعضاء البشرية الحية «قاطعة» جدًا، بحسب التقرير. ونشرت اللجنة النتائج المؤقتة للتحقيقات قبل الوصول لحكمٍ نهائيٍ، في خطوةٍ وصفتها مجلة «بيتر وينتر» الصينية بأنها «غير معهودة»، أملًا في أن «نفحة الحياة التي ستمنحها هذه الدعايا للمزاعم التي أُثيرت، وأكد صحتها تقييمنا المرحلي، ستسمح للحياة الحقيقية أن تتواصل لدى بعض البشر الذين سيُقتلون بدونها».

ويُؤكِّد ويرلمان أنَّ الصين جمعت البيانات البيومترية لما يزيد على مليوني أويغوري تحتجزهم في معسكرات الاعتقال، بالإضافة إلى ملايين الإيغوريين الآخرين في شينجيانج، وذلك تعليقًا على المزاعم بأنَّ الصين تنتزع أعضاء حية من المسلمين الإيغور المحتجزين وتروجها على أنها «حلال»، ثم توزعها عبر شبكة من العملاء السعوديين الأثرياء. وأكَّد أيضًا أنَّ نحو 100 ألف عملية زراعة أعضاء تُجرَى كل عام في الصين، وفقًا لما ذكره مؤلفو عرض «Bloody Harvest/ Slaughter».

تهريب الأعضاء إلى الخارج

أورد ويرلمان أن توهتي أجرى مقابلةً مع موقع صحيفة «إيغور تايمز» الأمريكية، وأطلع خلالها الصحيفة الإلكترونية على صورة ممرٍ مُخصَّصٍ لنقل الأعضاء في مطار أورومتشي الدولي، ويُسمى «Human Organ Transportation Green-Path» أو «الممر الأخضر لنقل الأعضاء البشرية».

ويُزعَم أن ذلك الممر يوفر المنفذ لشحن عدد هائل من الأعضاء البشرية إلى خارج الدولة وصولًا إلى متلقّين من مختلف أنحاء العالم، وهي المزاعم التي أكدتها صورة انتشرت على الشبكات الاجتماعية لممر مهم عليه علامة «ركاب مميزون، ممر تصدير الأعضاء البشرية».

وذكرت صحيفة «إيغور تايمز» أن خطوط جنوب الصين الجوية أفادت بنقل أكثر من 500 عضو بشري منذ المقابلة التي أجراها توهتي معها في أوائل شهر مارس (آذار)، بحسب تقرير ويرلمان الذي عجز عن التحقق من صدق تلك الادعاءات. لكن ويرلمان ذكر أنَّ صحيفة «تشاينا ديلي» الحكومية أعلنت أنَّ شركة الخطوط الجوية المذكورة أنشأت «ممرًا أخضر» لنقل ما زعمت أنها أعضاء «مُتبرَّع بها».

ووصف ويرلمان هذه الجرائم ضد الإنسانية بأنها شديدة البشاعة وتفوق التصور. لكنه يرى أيضًا أن هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن المزاعم حول جمع الأعضاء الحية هي مُجرَّد بداية لكشف حقيقة أكبر عملية إبادة جماعية ثقافية ضد المسلمين في الوقت المعاصر، وذلك في ضوء ما وصفه النشطاء الإيغوريون له حول تعرض المسلمين الإيغور في معسكرات الاعتقال للاغتصاب الجماعي وبرامج الإخصاء والتعذيب الممنهج والزواج القسري لمواطنين صينيين من شعب الهان، بالإضافة إلى عمليات الإخفاء القسري والإعدام.

الروهينجا ليسوا وحدهم.. قصص أقليات مسلمة أخرى تعرضت إلى التنكيل والإبادة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد