نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا كتبة «نيك فان ميد» يعرض فيه أهم المساهمات الصينية في التنمية والاستثمار في أفريقيا، متسائلًا حول انعكاساتها على السكان، وكذلك حول الغاية من تلك الاستثمارات هل هي تنمية حقيقية متبادلة أم استعمار متخفٍ؟

يستهل الكاتب تقريره بضرب مثل لقرية أفريقية قائلًا: «أُعدت قرية باجامويو القائمة على صيد الأسماك، لتكن أكبر ميناء في أفريقيا باستثمارات صينية تبلغ 10 مليارات دولار؛ فهل السكان المحليون محقون في تفاؤلهم؟».

في حوار الكاتب مع أحد سكان القرية ويدعى «إبراهيم تشامومي»، يقول الكاتب «مع اقتراب قاربهم الشراعي، المصنوع يدويًا، من الشاطئ، يطوي إبراهيم ورفاقه الصيادون الشراع، ويستعدون لبيع ما اصطادوه من أسماك لتجمع صغير من القرويين المنتظرين على الرمال البيضاء؛ اعتمد في كسب رزقه على الصيد في المحيط الهندي منذ كان ابن 14 عامًا؛ إذ كان والده هو الآخر صيادًا».

«إبراهيم» صياد أفريقي على ظهر أحد مراكب الصيد – الجارديان

أما الآن بينما هو في الثلاثينات من عمره، يقول «إبراهيم» إن كسب ما يكفي معيشته من الصيد التقليدي، أمرٌ شاقٌ، ولكن هناك مزايا بكل تأكيد، كالمناظر الطبيعية المطلة على البحيرة الساكنة، ومستنقعات أشجار المانجروف، والشواطئ والخلجان الصافية، والحياة النباتية المزدهرة، والحقول الصغيرة المزروعة بالذرة، والكاسافا، والكاجو، والمانجو، ولا شك أن مشهدًا كهذا لعب دورًا هامًا لسكان قرية ملينجوتيني التنزانية لقرون.

إلا أنه في غضون 10 سنوات، ستختفي منازل قرية ملينجوتيني المصنوعة من الطمي والقش، بالإضافة إلى أربعة قرى أخرى تمتد على الخط الساحلي، على بعد 30 ميلًا جنوب مدينة دار السلام – والتي هدمت تمامًا لإفساح المجال لبناء ميناء صيني ضخم بتكلفة 10 مليارات دولار، بالإضافة إلى منطقة اقتصادية خاصة مدعومة من صندوق سيادي عُماني.

استثمارات صينية ضخمة في العمق الأفريقي

يزعم الكاتب أن الصين تنظر إلى منطقة جنوب باجامويو على أنها «مدينة شينزين» جديدة تقع جنوب الصين، جدير بالذكر أن تلك المنطقة الجنوبية اشتهرت قديمًا بأنها منصة انطلاق رئيسية لتجارة العبيد، وأُخفق في إدراجها قبل 12 عامًا ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، وهي من أكبر المناطق الاقتصادية الخاصة في البلاد، علاوة على ذلك من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مدينة شينزين كانت مجرد بلدة صغيرة تعتمد على صيد الأسماك قبل اختيارها على يد «دينج شياوبينج» لتكون أول منطقة اقتصادية صينية خاصة عام 1979؛ أما الآن، فهي أحد مراكز التكنولوجيا المتطورة، وواحدة من أكبر المدن في العالم.

يشير الكاتب إلى أن المشروع «إذا سار كما هو مُخطط له»، ستتحول باجامويو إلى أكبر ميناء بحري في أفريقيا، وهو احتمالٌ غدا قريبًا أكثر من أي وقت مضى؛ فبعد سنوات من التأجيل، تقول الحكومة التنزانية إنها في المراحل النهائية من المباحثات مع الشركة الصينية القابضة للتجارة الدولية المملوكة للدولة.

ومن المنتظر أن تُعمق البحيرة حتى يتسنى لها استيعاب سفن الشحن العملاقة، التي ستصطف لعدة أميال في عرض البحر، أما فيما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخاصة، تُظهر الخرائط الأصلية مصانع في منطقة صناعية مغلقة، ووحدات سكنية تستوعب المقيمين المتوقعين، والذي يُقدر عددهم بـ75 ألف تقريبًا، فضلاً عن أن هناك حديثًا عن بناء مطار دولي، وقد قبل كثير من القرويين بالفعل التعويضات مقابل تركهم منازلهم.

تقول «لورين جونستون» -المتخصصة في الشؤون الصينية الأفريقية، إن المقارنة بمدينة شينزين ربما لا تكون من درب المبالغة، وتتساءل «هل كان من الممكن لزوار شينزين في عام 1981 أن يصدقوا ما بني بجوار هذا الميناء الراكد؟»، وأضافت «ربما تصبح باجامويو بوابةً صناعية؛ ليس فقط لتنزانيا المليئة بالشباب، بل لستِ دولٍ أفريقية أخرى ليس لها منافذ بحرية؛ بالطبع هناك تشابه كبير».

خط السكة الحديدية في نيروبي – الجارديان

يقول الكاتب إن التحول الجذري المقترح للخط الساحلي لباجامويو، هو امتداد غير رسمي في شرق أفريقيا، ضمن إطار مبادرة الرئيس الصيني «شي جين بينغ» باسم «الحزام والطريق» -وهو أحدث مشروع في سلسلة طويلة من المشاريع الصينية في أفريقيا. جدير بالذكر أيضًا أن وزيرر الخارجية الصيني «وانغ يي» ناشد القادة الأفارقة قبيل القمة الصينية الأفريقية المزمع عقدها الشهر القادم، إلى «اللحاق بقطار التنمية السريع».

وحسب ما قاله الكاتب في التقرير، مر الآن تسع سنوات على تفوق الصين على الولايات المتحدة باعتبارها أكبر شريك تجاري لأفريقيا، وعلى الرغم من أن كينيا وإثيوبيا كانتا الدولتين الأفريقيتين الوحيدتين من بين 30 دولة أفريقية اللتين وقعتا اتفاقات اقتصادية وتجارية في «منتدى الحزام والطريق» (BARF) في بكين شهر مايو (أيار) من العام الماضي، كانت الصين  نشطة في القارة السمراء بتوسع.

اُفتتح مشروع خط السكة الحديدية الكيني الذي يبلغ طوله 290 ميلًا، ويربط بين العاصمة نيروبي ومدينة الساحلية مومباسا للجمهور العام الماضي، والذي يُعد مشروعًا أساسيًا في مبادرة الحزام والطريق، وهناك خطط لتوسيع شبكة السكك الحديدية لتشمل جنوب السودان، وأوغندا، ورواندا، والذي يُعد بالفعل أكبر مشروع بنية أساسية في البلاد منذ استقلالها.

في غضون ذلك، حصلت إثيوبيا على خط حديدي كهربائي يبلغ طوله 470 ميلًا، يربط بين العاصمة أديس أبابا، وميناء جارتها جيبوتي، ذات الحكم الديكتاتوري، وقد اُفتتح المشروع الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار جنيه إسترليني بتمويل صيني، وكذلك أنشأته شركة صينية في شهر يناير (كانون الثاني)، إضافة إلى ذلك، مولت الصين، وأنشأت نظام القطارات الخفيفة الجديد في أديس أبابا أيضًا، والذي أدارته مجموعة شينزين للمترو. أما فيما يتعلق بجيبوتي، فقد حصلت الصين مقابل استثمارات ضخمة، وقروض ميسرة، وخط أنابيب، ومطارين، على أول قاعدة عسكرية صينية خارج أراضيها.

وبينما استحوذ شرق أفريقيا على الاهتمام الرئيسي لمبادرة الحزام والطريق في القارة الأفريقية، تمتد مشروعات البنية التحتية الصينية على طول الطريق إلى أنجولا ونيجيريا، بما في ذلك خطط إنشاء موان على طول الخط الساحلي من داكار، وصولًا إلى ليبرفيل، ولاغوس. أعربت بيكين أيضًا عن دعمها لمقترح الاتحاد الأفريقي بإنشاء شبكة سكك حديدية فائقة السرعة تربط دول القارة.

يطرح الكاتب تساؤلًا حول إلى أين سوف تصل الصين في أفريقيا؟ ومن أين سيبدأ الحزام والطريق؟ يقول البروفيسور «ستيف تسانج» -مدير المعهد الصيني للدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، إنه مصطلح ضبابي غامض -لكن التورط في شيء كهذا، قد يخطئ هدفه. يقول «تسانغ» «إذا أردت لمشروع أن يكون حزامًا وطريقًا، فيمكن أن يكون حزامًا وطريقًا بالفعل»، وأضاف «يمكنك تزويده بأي شيء، فهو يُعد مسارًا للحصول على الدعم من أجل مشروعك».

هل يولد مشروع ماو الضخم من جديد؟

قد يشهد ميناء باجامويو انبعاث ما يُطلق عليه «تسانج» «أول مشروع صيني عملاق في أفريقيا»، وهو خط سكك حديد تازارا، الذي يمتد من مناجم النحاس في زامبيا وصولًا إلى دار السلام. ويضيف الكاتب أن تاريخ خط تازارا الحديدي يرجع إلى ستينيات القرن الماضي، عندما حظي الرئيس «ماو تسي تونغ» بأصدقاء في القارة الأفريقية، من خلال دعمه للحركات المناهضة للاستعمار، مثل «جوليوس نيريري» في تنزانيا، وكان الخط البالغ طوله 1100 ميلًا أول مشروع بنية أساسية مبتكر في عمق أفريقيا، لذا أحدث دويًا كبيرًا عام 1976 لدى إنشائه.

مجموعة من الصيادين على ميناء باجامويو المقرر إنشاء مشروعات فيه تكلفتها 10 مليار دولار – الجارديان

الآن وبعد مرور أربعة عقود، يقول الكاتب إن المحطة التي كانت في يوم من الأيام محطة القطارات الرئيسية في دار السلام صارت فارغةً معظم الأيام، وقد تلفت ألواح السقف بما يسمح بنفاذ أشعة الشمس، وتسرب المياه لتتجمع في الأرض. بينما يمر قطاران مهترئان كل أسبوع محدثين ضوضاء ذهابًا وإيابًا؛ أما في الصالة الرئيسية القديمة، ينتظر قلة من الناس تحت شاشات تلفزيونية تالفة، للحصول على الخدمة السريعة، والتي حسب وصف الكاتب «تأتي متأخرةً تسع ساعات».

إلا أن الكاتب يذكر أن هناك احتمالًا بأن يعمل الخط الحديدي القديم مجددًا، حسب ما وعد به «لو يوكيونغ» -السفير الصيني السابق في البلاد. فضلاً عن أن هناك امتدادًا مُقترحًا إلى باجامويو، وخطة لربط خط تازارا المُعاد تأهيله بالبلدان الحبيسة التي لا تُطل على البحر، مثل مالاوي، ورواندا، وبوروندي، إذ تحدث الرئيس التنفيذي للسكك الحديدية بحماسة بشأن «قطارات تصل سرعتها إلى 125 ميلًا في الساعة».

لكن ثمة اختلاف جذري هنا، إذ مُول خط تازارا بشكل أساسي من المساعدات المالية الصينية، لذا يعد استثمارًا ضخمًا بالنظر إلى مدى فقر الصين في هذه الفترة. ويؤكد الكاتب أن سواء دخل هذا الخط في إطار مبادرة الحزام والطريق أم لا، فإن كافة المشاريع الجديدة تُمول الآن بقروض تجارية صينية.

وحسب ما ذكره الكاتب في التقرير فإن هناك بعض المخاوف التي أُثيرت حيال تلك القروض، إذ توصلت دراسة أجراها المركز العالمي للتنمية إلى أن جيبوتي بشكل خاص من بين دول الحزام والطريق الثمان، كانت الدولة الأكثر والأعلى تأثرًا بمحنة الديون الناجمة عن القروض؛ أظهرت أرقام صندوق النقد الدولي أن دينها العام الخارجي ارتفع من 50% إلى 85% من ناتجها القومي الإجمالي خلال عامين فحسب. وقد اتهم «ريكس تيلرسون» -وزير الخارجية الأمريكي السابق- الصين بممارسة الإقراض المفترس، وذلك قبل زيارته إلى أفريقيا في مارس (آذار)، فضلًا عن أن «هيلاري كلينتون» أثناء توليها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، حذرت من «استعمار جديد» تمارسه الصين. أما الآن، وبعد أربعة أشهر من شغل «مايك بومبيو» منصب وزير الخارجية الأمريكي -خليفة تيلرسون-، لم يزر بعد القارة الأفريقية.

وعلى الرغم من حجم القروض التي منحتها الصين لدول القارة السمراء، والتي تصل إلى 95.5 مليار دولار على مدار 15 عامًا (بين عامي 2000 و2015)، فإن الباحثين في المبادرة الصينية الأفريقية للأبحاث وجدوا أن معظم تلك القروض أُنفقت لعلاج الفجوة في البنية التحتية؛ إذ أُنفق قرابة 40% من قيمة القروض الصينية في مشروعات الطاقة، بينما أُنفق 30% منها على تجديد البنية التحتية لوسائل النقل. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القروض كانت بمعدلات فائدة منخفضة نسبيًا، وفترة سداد طويلة.

تقول «ديبورا براوتيجام» -مديرة المبادرة الصينية الأفريقية للأبحاث- إن «المخاطرة للمقترضين الأفارقة تكمن في الارتباط بربحية المشروع»، وتضيف «هل سيتمكنون من توليد نشاط اقتصادي كاف من خلال هذه المشروعات، بما يسمح لهم بسداد تلك القروض؟ أم يُنظر إلى هذه المشروعات أكثر على أنها فرص للدخول؟ ينظر الصينيون إلى الموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة على أنها أدوات تنموية ذات مكاسب متبادلة. وهو ما فعلوه في بلادهم في مرحلة مبكرة من نموهم».

تفاؤل وسط السكان الأصليين

لا شك أن كثيرًا من الأفارقة يرون أسبابًا قويةً للتفاؤل؛ فثلثا مواطني تنزانيا ينظرون إلى الصين نظرةً إيجابية، مقارنةً بنسبة أقل من النصف لدى الأوروبيين والأمريكيين، وفقًا لمركز بيو للأبحاث.

في الوقت الذي تتهيأ فيه باجامويو لهذا التحول الجذري، من مجرد بلدة ساكنة إلى ميناء عملاق، يبدو أن السكان المحليين يشعرون برضًى عام؛ بدايةً من سائقي سيارات الأجرة في البلدة القديمة بملابسهم القطنية الكانزو البيضاء المنشاة، إلى الشاب الأنيق مدير المطعم، الجميع على ثقة بأنهم سيستفيدون من المزيد من الشركات، والمكاتب، والوظائف، والأموال، وحسب وصف الكاتب فإن الخطة الرئيسية الأصلية تتضمن حديثًا عن وجود مدارس، ومراكز صحية، وملاعب، ووصلات ألياف بصرية للإنترنت واسع النطاق.

ويختتم الكاتب تقريره مؤكدًا على أن حتي الصيادين، الذين انقلبت حياتهم الهادئة رأسًا على عقب، بدوا متفائلين أيضًا، وعلى الرغم من مخاوف عدم كفاية التعويضات الخاصة بإخلاء مكان المنطقة الاقتصادية الخاصة، والتي دُفعت بالفعل، للانتقال والاستقرار في مكان آخر، يعتقد معظم السكان أن الثروة الجديدة سوف تعود إليهم شيئًا فشيئًا بشكل أو بآخر. يقول «إبراهيم تشامومي» أثناء جلوسه مع الكاتب تحت سقف من القش للاحتماء من الأمطار الاستوائية الغزيرة «سوف يعود علينا ذلك بفوائد كثيرة». وعلى الرغم من وفاة طفله في سن صغيرة، يقول «إبراهيم» آملًا في إنجاب المزيد هو وزوجته «حتى وإن لم أجد الرخاء، فسوف يجده أطفالي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!