كتب كريستوفر كلاري، وهو أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة ألباني، وعمل بين عامي 2006 و2009 في متابعة الشؤون الهندية بمكتب وزير الدفاع، تقريرًا تناول فيه المناوشات الأخيرة بين الهند والصين حول خط السيطرة الفعلي بين البلدين، والتي راح ضحيتها جنود هنود وربما صينيون، وما إذا كان البلدان سيتمكنان من التراجع عن حافة الهاوية ونزع فتيل التوتر بينما يواجهان متاعب اقتصادية في الداخل جراء جائحة فيروس كورونا المستجد.

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: ماذا يحدث على الحدود بين الصين والهند؟

يستهل الكاتب تقريره بالقول: يوم الاثنين، وللمرة الأولى خلال 45 عامًا، اشتبك الجنود الهنود والصينيون في مناوشات محلية مميتة على طول الحدود المتنازع عليها بين البلدين، والتي يبلغ طولها أكثر من ألفي ميل. وهو تصعيد خطير للتوتر بين القوتين الآسيويتين النوويتين، اللتين تخوضان مواجهة كانت في بعض الأحيان عنيفة منذ أوائل مايو (أيار)، رغم أنها لم تؤد حتى هذا الأسبوع إلى أي وفيات.

وأثار الموقف بالفعل قلقًا دوليًا كبيرًا، إذ عرض الرئيس دونالد ترامب في 27 مايو تقديم المساعدة الدبلوماسية الأمريكية للهند والصين للتوصل إلى حل في تلك المرحلة المبكرة فيما وصفه «بنزاعهما الحدودي الذي يحتدم الآن».

ما الذي حدث حتى الآن؟

كما شرح تايلور فرافيل في واشنطن بوست في 2 يونيو (حزيران)، تعد هذه الأزمة الحالية مختلفة عن المناوشات الصينية-الهندية التي وقعت خلال السنوات الأخيرة؛ لأن «الصين تمارس ضغوطًا في آن واحد في مناطق عدة من القطاع الغربي» من الحدود المتنازع عليها.

وتجنَّب الجنود الهنود والصينيون بصفة عامة الاشتباكات على طول خط السيطرة الفعلي LAC، وهي الحدود الفعلية منذ الحرب الصينية – الهندية لعام 1962. وفي 23 موقعًا على الأقل، يعد موضع خط السيطرة الفعلي موضع نزاع. ويبدو أن الصين سيطرت على جزء صغير من هذه المناطق المتنازع عليها، ربما بسبب الخوف من أن مشاريع الطرق والجسور الهندية في المنطقة قد تجعل من الصعب على الصين أن تحتفظ بمطالبتها بها ما لم تبادر إلى التحرك.

هذا النوع من فرض «الأمر الواقع» شائع في السيطرة على الأراضي بين الدول، ولكنه ينطوي على مخاطرة. إذ خلص دان ألتمان في دراسته عام 2017 أنه في حوالي 1 من 3 من محاولات السيطرة المبدئية على الأراضي تُقدِم الدولة المعتدى عليها على عمليات استيلاء انتقامية على الأراضي، بينما تؤدي في نسبة مماثلة إلى اندلاع حروب.

Embed from Getty Images

تظاهرة في إحدى ضواحي نيودلهي ضد الرئيس الصيني شي جين بينج 

وربما يُمَهَّد الطريق للحرب عن طريق الضغوط الشعبية – أي ما يصفه علماء السياسة بأنه «تكاليف الجمهور» audience costs – والذي يجعل من الصعب على القادة تخفيف التوتر. ومنذ بدأت الأزمة الحالية في أوائل مايو، كانت الحكومة الهندية غامضة على نحو استثنائي في البيانات الرسمية حول مكان تواجد الجنود الصينيين، وعدد من شاركوا منهم، أو حتى عدد الاشتباكات التي وقعت، في جهد واضح للحفاظ على مساحة للمفاوضات.

وأحد المواقع الذي كان موضع تدقيق شديد في التغطية الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي هو: وادي نهر جالوان. وتعتبر الهند أن خط السيطرة الفعلي بالقرب من الوادي غير متنازع عليه، ولذا فإن عبور الجنود الصينيين إليه يعتبر توسيعًا، من وجهة نظر الهند، لمدى مطالب الهند، على الرغم من أن هناك دليلًا على أن بعض الخرائط الصينية السابقة على الأزمة على الأقل تزعم أن كل أراضي الوادي صينية.

كان يبدو أن الطرفين يتراجعان

ودفع الكثير من المحللين الموالين للحكومة في الهند على مدى أسابيع، بأنه لم يحدث توغل جوهري أو مستمر في وادي نهر جالوان. واعترف المحللون أنفسهم بتوغل على طول بحيرة بانجونج على مسافة كبيرة إلى الجنوب، حيث يوجد خلاف بشأن موقع خط السيطرة الفعلي. غير أن أحد هؤلاء المحللين شدد على أن الصين لم «تستول على أي أراض هندية»، وإذا ما فعلت الصين ذلك، فمن المفترض أن تفعل الهند شيئًا بهذا الخصوص.

في 13 يونيو أشار الجيش الهندي إلى أنه فيما تستمر المواجهة في بحيرة بانجونج، فإن «الطرفين» كانا «يفضان الاشتباك بطريقة مرحلية» في مناطق أخرى، وبصفة خاصة في منطقة نهر جالوان. ثم اعترف الجيش الهندي يوم الثلاثاء بأنه «أثناء عملية تخفيف التصعيد الجارية في وادي جالوان، حدثت مواجهة عنيفة ليلة أمس أسفرت عن خسائر في الأرواح».

مقتل 20 هنديًّا بينهم كولونيل

وقتل 20 جنديًّا هنديًّا من بينهم كولونيل، وثارت شائعات على مواقع التواصل الاجتماعي تفيد باحتمالية أن يكون العدد أكبر. وبينما كانت هناك أيضًا تقارير عن خسائر صينية في الأرواح، إلا أن عدد أو شدة الإصابات غير معروف.

Embed from Getty Images

ناقلات عسكرية تابعة للجيش الهندي تنشر على الحدود الهندية الصينية 

وأصدرت قيادة مسرح العمليات الغربي بجيش التحرير الشعبي الصيني بيانًا زعمت فيه أن «السيادة على وادي نهر جالوان كانت على الدوام لنا»، واتهمت الهند «بشن هجمات استفزازية»؛ أدت إلى اشتباكات يوم الاثنين.

يقول الكاتب: حقيقة أن هذه الوفيات وقعت في وادي نهر جالوان أو بالقرب منه أثناء عملية فض الاشتباك المزعومة، من المرجح أن تؤدي إلى المزيد من الاتهامات حول ما إذا كانت الحكومة الهندية يمكن الثقة بها في إبلاغ شعبها بمدى وحجم التوغل الصيني.

ما الذي يحدث الآن؟

تعتمد تكتيكات الحكومة الهندية إلى حد كبير على الدروس المستفادة من الأزمات الصينية – الهندية السابقة. ولاحظ شيفشنكار مينون مستشار الأمن القومي السابق أن هناك صيغة للنتائج السلمية: «الحفاظ على هدوء وثبات الخطاب العام، وإظهار القوة، وإعطاء الخصم فرصة للخروج… وليس كتابة التغريدات أو الأنين أمام الجمهور أو التلويح بالأسلحة النووية أو التهديد بالحرب». غير أن هذه التكتيكات ربما لا يكون ممكنًا التمسك بها، بحسب تقرير صحيفة واشنطن بوست.

ضغوط الرأي العام قد تؤدي إلى تراجع الحل السلمي

سيكون ذلك تطورًا مقلقًا؛ لأن الضغوط الشعبية فاقمت الصراعات الصينية-الهندية في الماضي. ففي عام 1950، بينما تفاقمت المناوشات بين القوات الهندية والصينية على طول الحدود، انتقد الجمهور الحكومة المحاصرة لرئيس الوزراء جواهر لال نهرو، لأنها حجبت الحقائق عن شدة الصراع.

وبدأ نهرو في نشر كل المراسلات الدبلوماسية الهندية مع الصين لتهدئة الانتقادات البرلمانية المتزايدة. وبدلًا من إعطاء نهرو مصداقية يمكنه أن ينطلق منها للتفاوض، كما تلاحظ تانفي مادان الباحثة بمعهد بروكنجز «أصبح الرأي العام الغاضب نقطة نقض محتملة في صناعة القرار الهندية بشأن الصين».

Embed from Getty Images

التراجع أمام الجمهور – بالنسبة لأي طرف، ولا سيما في الهند الديمقراطية – يعد أكثر صعوبة من تقديم تنازلات هادئة في جلسات خاصة. ويستدل الكاتب على ذلك بالضغوط الشعبية التي دفعت نهرو إلى متابعة «سياسة أمامية» تنطوي على مخاطر، بمحاولة المناورة وإخراج الجنود الصينيين من المناطق المتنازع عليها، مما أدى في النهاية إلى نشوب الحرب الصينية الهندية في عام 1962.

ومع التدقيق الكامل لوسائل الإعلام الهندية وتركيزها على النزاع، وتأكيد الصين الآن سيادتها علنًا على وادي نهر جالوان، ليس من الواضح كيف سيتمكن الطرفان من التراجع. غير أن موت جنود هنود وربما صينيين أثار المخاطر بما يتجاوز الملاكمات بالأيدي وجرح الكبرياء.

وسواء كانت الدول تسعى إلى إشعال صراعات لصرف الانتباه في أوقات الاضطرابات الداخلية، أو بدلًا من ذلك تتجنب صراعات مكلفة أثناء مواجهتها لمشاكل في الداخل، فهذا أمر يظل موضع جدل بين علماء السياسة. ومع محاولة كل من الهند والصين التلاعب بالضغوط الناجمة عن فيروس كورونا، والركود الاقتصادي في الداخل، سوف يجري اختبار هذه الفرضية في جبال الهيمالايا المرتفعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد