نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعده مراسلها للشؤون الخارجية، آدم تايلور، استعرض فيه طبيعة العلاقات المتوترة بين الصين والهند، بسبب المنطقة الحدودية بين البلدين.

وقال تايلور في مستهل تقريره: إن صدام الصين الحدودي ربما يبدو بعيدًا، ولكن له تأثيرًا عالميًّا. التقارير تقول إن آلاف القوات انتقلت إلى المنطقة المتنازع عليها، على ارتفاع 14 ألف قدمًا في جبال الهيمالايا، بعد أن اندلعت مناوشات في 5 مايو (أيار) بالقرب من بحيرة بانجونج تسو في ولاية لداخ، ثم في 9 مايو في شمال سيكيم، ما أسفر عن إصابة أكثر من 100 جندي.

وفي خضم جائحة فيروس كورونا العالمية، يتعذر تقييم ما يحدث بالضبط في هذا النزاع بين أكثر بلدين اكتظاظًا بالسكان على الأرض، ذلك أن معظم المنطقة الحدودية مُغلقة أمام الصحافة، وبالتالي يضطر المراسلون إلى الاعتماد على البيانات والتسريبات.

دولي

منذ سنة واحدة
مسلمو سريلانكا.. ضحية الصراع الصيني الهندي!

العديد من الروايات، بحسب التقرير، تشير إلى أن الدوريات الصينية النشطة في المنطقة المعروفة بـ «خط السيطرة الفعلي» تتحمل مسؤولية هذا الأمر، أو -فيما قد لا يكون بالضرورة تناقضًا- أن عملية البناء الهندي في المنطقة فُسِّرَت على أنها تشكل تحديًا عدوانيًا لمشروع البنية التحتية الصيني «الحزام والطريق».

في نهاية المطاف، لا تعد مشكلات الهند والصين الحدودية جديدة؛ ولكن الظروف المحيطة بها هي التي تغيرت. كل من بكين ودلهي تقودهما حكومتان مدفوعتان بطموح قومي. والجائحة دفعت العديد من الدول إلى تبني مواقف مؤيدة أو معارضة للصين، تلك المعسكرات التي كانت تتشكل بالفعل في ظل حرب تجارية عالمية دامت سنوات.

الولايات المتحدة، التي تنشغل بنزاعها الخاص مع الصين، أعربت عن دعمها المقتضب لموقف الهند، وعرضت التوسط بين الجانبين. استغل هو شيجين، رئيس تحرير صحيفة «جلوبال تايمز» المملوكة للحزب الشيوعي الصيني، تلك الرسائل المتضاربة، ليسخر من الرئيس ترامب ويجادل بأن الولايات المتحدة «يبدو أنها المستفيد من التوتر الحدودي الصيني-الهندي».

الهند والصين.. عملاقان دوليان

واستدرك تايلور قائلًا: علاقة الهند والصين تستند إلى مكانتهما باعتبارهما دولتين عملاقتين، وجارتين حذرتين، إذ يتشاركان حدودا تبلغ طولها 2167 ميلًا. ويبلغ إجمالي عدد سكانهما معًا 2.7 مليار نسمة، وهو ما يوازي أكثر من ثلثي سكان العالم. وأحرز كلاهما نموًا اقتصاديًا سريعًا في العقود الأخيرة، وزادا من طموحاتهما الإقليمية. وكلاهما يمتلك أسلحة نووية.

الصين

الرئيس الصيني شي جين بينج

الهند كانت من أوائل البلدان الديمقراطية التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية في عام 1950، لكنَّ النزاعات الحدودية بين البلدين تفاقمت مع سيطرة بكين على التبت. وفي عام 1962، خاض البلدان حربًا دامت شهرًا على حدود الهيمالايا، ألحقت الصين خلالها خسائر فادحة بالهند قبل أن تنسحب إلى خط السيطرة الفعلي.

وأضاف تايلور أنه كانت هناك مناوشات على الحدود لسنوات. وفي عام 1988، بعد حادثة وقعت في وادي سومدورونج تشو في أروناتشال براديش، زار رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي بكين ليلتقي بنظيره (الصيني) دينج شياو بينج. الدولتان، اللتان تشهدان موجة تنمية اقتصادية بموازاة بدء انهيار الاتحاد السوفيتي، طرحا خلافاتهما جانبًا من منطلق برجماتي.

والآن، يجري اختبار تلك البرجماتية. فالصين، التي شهدت نموًا اقتصاديًا هائلا يتقزَّم إلى جواره النمو الاقتصادي الهندي، تتمتع بناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 14 تريليون دولار، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للهند الذي يقل عن 2.7 تريليون دولار. و«بينما ارتفعت الهند باعتبارها اقتصادًا وقوة عالمية في العقود الثلاثة الماضية، تراجعت قوتها النسبية مقارنة بالصين في الواقع تراجعًا شديدًا»، حسبما كتب سوميت جانجولي ومانجيت بارديسي في مجلة فورين بوليسي.

ويشير تقرير واشنطن بوست إلى أن علاقة الصين الوثيقة مع باكستان، الشريك غير المتكافئ في مشروع الحزام والطريق، والخلافات العالقة حول التبت، زادت توتر العلاقات مع الهند. وتفجر التوتر بين الدولتين عام 2017 في منطقة دوكلام بالهيمالايا، بعد أن تحركت القوات الهندية لمنع الجيش الصيني من بناء طريق داخل أراضي تدَّعي بوتان، حليفة الهند، ملكيتها.

وعلى مدار شهرين، غمرت القوتان المنطقة بالأفراد العسكريين. وكانت التهديدات، لا سيما من جانب الصين، غاضبة. وكتبت صحيفة جلوبال تايمز: «ستتكبد الهند خسائر أكبر من خسائر عام 1962 إذا حرضت على صدام حدودي».

ماذا بعد نزاع دوكلام؟

وضع نزاع دوكلام أوزاره في النهاية. كلا الطرفين سحبا قواتهما في أواخر أغسطس (آب) من ذلك العام، وأدليا بتصريحات غامضة حول الوصول إلى حل. وما تقرر بالضبط خلف الكواليس لم يكن واضحًا، وإن كانت التقارير التي قالت إن الصين أوقفت بناء الطريق السريع بعثت بإشارة مفادها أن بكين تراجعت.

الرئيس الهندي نارندرا مودي

وألمح تايلور إلى أن بعض المحللين الهنود أشاروا إلى أن الوضع الراهن سينتهي على النحو ذاته، مستشهدين بعدد من الرسائل التصالحية التي أرسلها مسؤولون صينيون. واستدل التحليل بما صرح به سفير الصين لدى الهند، يوم الأربعاء، قائلًا: «لا ينبغي أبدًا أن ندع الخلافات تلقي بظلالها على علاقاتنا. يجب أن نسوي خلافاتنا عبر التواصل». 

ولكن إنهاء هذه الجولة من المواجهة دون التوصل إلى نتيجة حاسمة لن يكون كافيًا لاجتثاث جذور المشكلة، إذ ادعت الحكومة الهندية أن الجيش الصيني عبر إلى داخل الأراضي الهندية 1025 مرة بين عامي 2016 و2018 (ولم تُصدر الحكومة الصينية أرقامًا مقابلة حتى الآن).

ووفقًا للتقرير، فإن الهند والصين تعانيان من حركات قومية عدوانية، وتتبنى كل منهما نسخة خاصة من السياسة الخارجية المعروفة بـ«الذئب المحارب». وفي عهد الرئيس شي جين بينج، انتقلت الصين من دفعات خفية إلى أخرى قوية لتبسط سيطرة بكين على مدينة هونج كونج، بينما تمارس أيضًا ضغطًا في بحر الصين الجنوبي وضد تايوان.

مودي.. فترة ولاية ثانية وتغيير الأعراف السياسية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دخل فترة ولايته الثانية في السلطة عازمًا على تغيير العديد من أعراف السياسة الهندية. وكان إقليم كشمير الذي طال النزاع عليه قد خضع للإغلاق لشهور، وفي العام الماضي، زُجَّ بالهند وباكستان في أخطر تصعيد عسكري بينهما منذ عقود. وذكرت رويترز أن خطط مودي في هذا الأسبوع لبناء 66 طريقًا رئيسيًا على الحدود الصينية، بما فيها طريقًا إلى قاعدة جوية جديدة، ربما تكون أغضبت بكين.

واختتم الكاتب تقريره بالقول: في الماضي، ربما ظل هذا نزاعًا ثنائيًا. ولكن الآن، يبدو أن أي شيء تشترك فيه الصين تشترك فيه الولايات المتحدة أيضًا. وذكرت صحيفة هندوستان تايمز يوم الأربعاء أن عرض ترامب للتدخل كان «جزءًا من قوة هائلة متزايدة معادية للصين». وفي ظل هذه القوة الهائلة، ربما ينجلي الغموض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد