نشرت مجلة «ذا ديبلومات» تقريرًا للكاتب جاي بورتون، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في كلية فيزاليوس بالعاصمة البلجيكية بروكسيل، ومؤلف كتاب «صراعات الصين والشرق الأوسط؛ القوى الصاعدة والصراع العربي الإسرائيلي» تحدث فيه عن شكل العلاقات بين دول الخليج والقوى الآسيوية الكبرى، خاصة الصين والهند، في ظل الصراع الخليجي، وما الذي سيتغيَّر اليوم بعد إتمام المصالحة الخليجية.

يقول الكاتب في مستهل تقريره: رحَّبت كلٌ من الهند والصين بما أسفرت عنه قمة مجلس التعاون الخليجي الأسبوع الماضي، حيث تعهدت السعودية، والإمارات، والبحرين، بإنهاء الحصار الدبلوماسي والاقتصادي المفروض على قطر، في حين وافقت قطر من جانبها على إسقاط الدعاوى القضائية المعلَّقة ضدهم.

منطقة الشرق

منذ شهر
«جيروزاليم بوست»: هل تؤثر المصالحة الخليجية في إسرائيل؟

علاقات في طريقها للعودة وسياسات تُثبت نجاحها

وتابع الكاتب: قد يؤدي إعادة فتح الحدود في الخليج إلى عودة التجارة البينية بين دول الخليج والاستثمار والتواصل. وبالمثل قد تستفيد الشركات الهندية والصينية من هذا التطور، وهو الأمر الذي دعا القادة السياسيين إلى تهنئة أنفسهم؛ لأنهم لم ينحازوا علنًا لأي من أطراف النزاع عندما اندلع لأول مرة في يونيو (حزيران) 2017. وربما ترى الحكومة الصينية أيضًا في حل هذا النزاع دليلًا على صواب نهجها في إدارة النزاعات، لا سيما نهجها الذي تطلق عليه «السلام من خلال التنمية». فبالنسبة للصينيين، يتطلَّب ذلك النهج وساطة سياسية مرتبطة بالتنمية الاقتصادية ويجري التواصل من خلال مشاريع البنية التحتية المتعلِّقة بمبادرة الحزام والطريق.

ومع ذلك، يُنصح القادة الهنود والصينيون بتهدئة وتيرة التهاني والتبريكات التي يزفونها لأنفسهم؛ إذ لم يقتصر الأمر على غياب المشاركة الصينية إلى حد كبير عن المفاوضات التي أدَّت إلى التسوية في العلا فقط، بل تبنى الجانبان على مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية مواقف توافقت عمليًّا مع السعودية والإمارات.

نمو في العلاقات التجارية والإستراتيجية قبيل الأزمة 

ويرى الكاتب أنه إن كان هناك من إنجاز يُذكر في هذا الصدد، فإنه يكمن في قدرة الهند والصين على ركوب الأمواج التي ولَّدتها الأزمة. ففي البداية بدا وكأن النزاع جاء في وقت سيئ جدًّا بالنسبة للحكومتين الهندية والصينية. فمن جهة كانت المنطقة، ولم تزل مصدرًا رئيسًا للنفط والغاز بالنسبة للبلدين. ومن جهة أخرى كانت طبيعة التبادل الاقتصادي والتفاعل بينها وبين دول الخليج تنمو باطراد.

السعودية - الصين

وخلال العام السابق لهذه الجفوة، وضعت الحكومة الصينية إستراتيجية أكثر نشاطًا في المنطقة. ففي عام 2016، نشرت ورقة السياسة العربية، واستأنفت المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتي اعتقدت بكين أنها على وشك تحقيقها قبل شهر واحد فقط من اندلاع النزاع.

وكالصين تمامًا، كانت الهند تسعى إلى دور إقليمي أكثر نشاطًا. فبعد أن أصبح ناريندرا مودي رئيسًا للوزراء عام 2014، بدأ في إعادة ضبط السياسة الخارجية للهند والسعي إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع الخليج. ولم يمثِّل الخلاف تحديًّا لهذا الجهد فحسب، بل أثار أيضًا مخاوف الحكومة حول الجاليات الهندية الكبرى البالغ عددها 6.5 مليون الموجودة في السعودية والإمارات وقطر.

المصالحة الخليجية.. محاولة للوقوف على مسافة واحدة

ولفت التقرير إلى أن الحكومتين الهندية والصينية أعربتا عن قلقهما من الخلاف، لكنهما بالغتا في هذه المخاوف على نحوٍ مخالف للواقع. إذ لم تضغط دول الخليج على الهند أو الصين للوقوف في صف أحد طرفي النزاع، ولم تعرض هذه القوى الآسيوية القيام بذلك؛ الأمر الذي أظهر أهمية هذه البلدان بالنسبة لبعضها البعض.

وكان هذا التفكير العملي جليًّا حتى مع تغير الظروف داخل المنطقة. فعندما أُغلقت الطرق التجارية، وقُطعت العلاقات مع قطر، بحثت قطر من جانبها عن شركاء آخرين، بمن فيهم تركيا وإيران، واستثمرت أيضًا في الإنتاج المحلي. وفي الوقت نفسه واصلت الشركات الهندية والصينية العمل مع كلا الجانبين المتنازعين، واستمرَّت التحويلات المالية من العمالة الهندية في التدفق إلى الوطن.

ولكن حتى مع تكيُّف القادة السياسيين وروَّاد الأعمال الهنود والصينيين مع التغيرات التي تحدث داخل الخليج، كان هناك تحول ضمني آخر يجري بين المنطقة والقوى الآسيوية؛ وهو تحوُّلٌ فضَّلت فيه الصين والهند السعودية والإمارات على قطر. وكانت هناك أسباب منطقية من الناحية العملية وراء قيامها بذلك.

السعودية والإمارات ترجحان في كفة الميزان الآسيوي

يرى الكاتب أنه من الناحية السياسية والاقتصادية كانت السعودية والإمارات – وما زالتا – أكثر أهمية من قطر في المنطقة. ومن الناحية الاقتصادية تُعد الدولتان الخليجيتان من أكبر شركاء الهند والصين التجاريين. وفي الوقت نفسه أدَّت التغيرات المفروضة على قطر إلى عدم قدرتها على تحمل خسارة شركاء مثل: الهند والصين. وأيضًا كان أداء قطر الاقتصادي أقل نسبيًّا من منافسيها.

فبينما تضاعف إجمالي التجارة بين الصين وقطر في الأعوام بين 2016 – 2019، كانت استثمارات الصين في قطر أكثر تواضعًا في 2017 – 2019؛ إذ بلغ مجموع هذه الاستثمارات في قطر 900 مليون دولار. بينما وصلت استثماراتها في السعودية إلى 12.55 مليار دولار و20.35 مليار دولار في الإمارات.

وفي الوقت نفسه انخفض إجمالي تجارة الهند مع قطر بنسبة 39% خلال المدة من 2014 إلى 2019، وبنسبة انخفاض بلغت أكثر من 27% في إجمالي التجارة مع السعودية، بينما زادت مع الإمارات بنسبة 12% خلال المدة نفسها.

إن التفاوت بين السعوديين والإماراتيين من جهة، وبين قطر من جهة أخرى، كان واضحًا أيضًا في طبيعة التعاون السياسي لدول الخليج مع الهند والصين. إذ بحلول عام 2018 أقامت الصين شراكات إستراتيجية شاملة مع السعودية والإمارات، وهي أعلى شكل من أشكال الالتزام الذي يمكن أن تقدمه دولة لدولة أخرى.

وفي المقابل كانت علاقة الصين بقطر مجرد شراكة إستراتيجية توصل إليها البَلَدان عام 2014، ولم يُظهر أيُّ من البلدين اهتمامًا برفع مستوى الاتفاقيات عندما زار الشيخ تميم آل ثاني بكين عام 2019.

والهند أيضًا لديها ترتيبات توسعية مع السعودية والإمارات؛ إذ أنشأت مجلس شراكة إستراتيجية مع الرياض، وسَعَت أيضًا إلى تنمية علاقات أمنية أوثق بين البلدين. وتُرجِم ذلك في السنوات الأخيرة عبر مساعي الهند بإشراك الرياض وأبوظبي في المنافسة بين الهند وباكستان.

وشمل ذلك الحصول على موافقة البلدين الخليجيين على التعديلات الدستورية التي أُجريت عام 2019، فيما يتعلق بوضع منطقة جامو وكشمير المتنازع عليها، وأيضًا في الزيارة التي قام بها قائد الجيش الهندي الشهر الماضي لكلا البلدين.

حذر وترقّب من الانفراجة الخليجية

ويختم الكاتب تقريره بالقول: إنه بالنظر إلى المستقبل، سيبقى عدم التوازن بين دول الخليج في أعين صناع القرار الصينيين والهنود قائمًا. ففي حين أن الصراع كشف هذا الاختلال في ميزان العلاقات الخليجية الآسيوية، فإن حلَّه يمكن أن يحجبه مرةً أخرى. وبذلك فمن المفترض أن يمكِّن هذا الأمر من التواصل المتنامي بين دول الخليج والقوى الآسيوية من الاستمرار في مساره الحالي.

ما الذي ستجنيه الصين والهند من دعم المصالحة الخليجية؟

ولكن حتى عندما يحدث ذلك فستبقى القوى الآسيوية حذِرة وتراقب دول الخليج بدقة، لا سيما الاختلافات بين السعوديين والإماراتيين في سرعة المصالحة مع قطر، خاصة مع كون الأخيرة تُبدي حماسًا أقل لهذه المصالحة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد