إن إعطاء الحزب الشيوعي الصيني الأولوية للسيطرة السياسية على الكفاءة الاقتصادية يقف حجرَ عثرةٍ في طريق تقدم الصين على درب التمويل العالمي.

كتبت ساندرا هيب، أستاذ الاقتصاد والمجتمع الصيني في جامعة «بريمن» للعلوم التطبيقية بألمانيا، ومؤلفة كتاب «الصين في التمويل العالمي: القمع المالي المحلي والقوة المالية العالمية»، مقالًا في مجلة «ذا دبلومات» حول طموح الصين إلى أن تصبح قوة عظمى مالية. وترى الكاتبة أن السيطرة السياسية للحزب الشيوعي على الأوضاع المالية والاقتصادية من شأنها أن تُصَعِّب على بكين منافسة الولايات المتحدة على موقع القوة العظمى المالية. 

تستهل الباحثة مقالها بالقول إنه عندما أطلق صناع السياسة في الصين تدويل الرنمينبي على خلفية الأزمة المالية العالمية، قوبلت مبادرتهم بضجة كبرى، على الرغم من أن النظام المالي الصيني المعزول والمتخلف كان يعني أن البلاد تفتقر إلى أساس مهم لتطوير عملة دولية حقيقية. غير أنه بعد ما يزيد قليلًا على عقد من الزمان، تتسارع وتيرة تدويل النظام المالي الصيني، ويبدو أن بكين تتحول إلى قوة لا يُستهان بها في ساحة التمويل العالمي.

تدفق مَحافظ رؤوس الأموال

كان التطور الأكثر لفتًا للنظر هو الزيادة في تدفقات محافظ رؤوس الأموال العابرة للحدود إلى الصين. بحلول نهاية عام 2020، كانت الحصص الأجنبية من استثمارات المَحافظ الصينية بلغت تريليوني دولار، أي خمسة أضعاف ما كانت عليه في عام 2009 عندما بدأت الصين في الترويج لاستخدام الرنمينبي في التجارة الدولية. ما مهد الطريق أمام هذا التطور هو فتح حساب رأس المال الصيني الذي أدى إلى تحسين الوصول إلى الأسواق المالية الصينية.

Embed from Getty Images 

في عام 2014، أطلقت الصين برنامج «Stock Connect» الذي يربط أسواق رأس المال في البر الرئيسي ببورصة هونج كونج للأوراق المالية، لزيادة الاستثمار في الأسهم عبر الحدود، تلاه في عام 2017 برنامج «Bond Connect» الذي يهدف إلى توجيه رأس المال الأجنبي إلى سندات الدين الصينية. سمح تحسين الوصول إلى الأسواق المالية الصينية بإدراج الأسهم والسندات الصينية في المؤشرات العالمية – مثل مؤشر «أم أس سي آي» للأسواق الناشئة ومؤشر بلومبيرج باركليز العالمي المجمع – مما أدى إلى زيادة تدفقات استثمار المحافظ السلبية إلى الصين.

سياسة القمع المالي

توضح الكاتبة أن تخفيف القيود المفروضة على رأس المال في الصين تعكس تحوُّلًا في الأولويات الاقتصادية والمالية. فلطالما اعتمدت بكين على نظام القمع المالي لتقديم قروض رخيصة للاستثمار في البنية التحتية والصناعة. ولدعم هذه القروض، كان لا بد من إبقاء أسعار الفائدة على الودائع عند مستويات منخفضة على نحو مصطنع، وكانت هناك حاجة إلى ضوابط لرأس المال؛ لمنع المدخرين من البحث عن عوائد أعلى في الأسواق المالية الأجنبية. 

وبينما نجح هذا النظام في دعم نموذج النمو الصيني الذي تقوده الاستثمارات والصادرات، فإنه لم يعد مناسبًا لاقتصاد يحتاج إلى زيادة الكفاءة وتعزيز دور الاستهلاك. وبالتالي، يمكن فهم الوتيرة المتسارعة للانفتاح المالي في الصين على أنها محاولة لتحسين تخصيص رأس المال بهدف السماح بالنمو في وضع صعب هيكليًّا، يتسم بخفض كفاءة الاستثمار، وتراجع نمو الإنتاجية، وتقلص عدد السكان في سن العمل.

توفر نظرة على رصيد الحساب الجاري الصيني طريقة أخرى لفهم الدوافع الاقتصادية لفتح النظام المالي الصيني. بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وصل فائض الحساب الجاري إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغ ذروته ليصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2007. غير أنه قبل تفشي جائحة كوفيد-19، تقلص الفائض إلى 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. (نظرًا إلى تأثيرات أزمة كوفيد-19، فقد ارتفعت مرة أخرى في عام 2020، لكن هذا لم يُشِر إلى تغيير في الاتجاه الهبوطي العام).

تكنولوجيا

منذ 3 أسابيع
بعد نجاحها في الهبوط على المريخ.. هل تسعى الصين إلى السيطرة على الفضاء؟

يتوافق رصيد الحساب الجاري مع الفرق بين المدخرات والاستثمار، وفي حالة الصين، يمكن أن يُعزى تقلص الفائض إلى انخفاض معدل الادخار – وهو اتجاه لا بد أن يتزايد بسبب شيخوخة السكان في البلاد. إذا استمر الانخفاض في معدل الادخار في الصين دون أن يقابله انخفاض في معدل الاستثمار، فسيؤدي ذلك إلى عجز في الحساب الجاري. ونظرًا إلى أن عجز الحساب الجاري يُمَوَّل من خلال تدفق الأموال الأجنبية، تحتاج الصين إلى الاستعداد لهذا التحوُّل من خلال توفير وصول أفضل إلى أسواقها المالية وجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب.

السيطرة على أسعار الفائدة

يستدرك المقال: على الرغم من أن الأساسيات الاقتصادية المتغيرة للصين توفر مبررًا قويًّا لزيادة التكامل المالي، فإن ميل الحزب الشيوعي الصيني للاستقرار والسيطرة يقف حجرَ عثرةٍ في طريق صعود الصين في التمويل العالمي. في السنوات الأخيرة، كان هناك كثير من الأدلة التي تشير إلى أنه في مواجهة الأزمات الحادة على نحوٍ خاصٍّ، يواصل صانعو السياسة المالية في الصين إظهار ولعهم بالتدخلات غير المتوافقة مع نظام مالي متحرر.

ويعد إصلاح سعر الفائدة في الصين مثالًا على ذلك: مع إزالة السقف على أسعار فائدة الودائع، أكملت الصين رسميًّا تحرير أسعار الفائدة في عام 2015. غير أن البنوك ظلت خاضعة لتوجيهات السياسة فيما يتعلق بأسعار الفائدة وتخصيص الائتمان. وخلال أزمة كوفيد-19، اكتسب هذا التوجيه أهمية عندما فوضت السلطات البنوك بزيادة الإقراض الرخيص لتخفيف الضربة الاقتصادية للجائحة.

يمكن رواية قصة مماثلة حول إصلاح سعر الصرف في الصين: في عام 2015، أعلن البنك المركزي الصيني أنه سيسمح للأسواق بالاضطلاع بدور أكبر في تشكيل سعر صرف الرنمينبي، لكنه واصل تدخلاته لمنع تحركات كبيرة في سعر الصرف في الصين في أيٍّ من الاتجاهين. ويبدو أن تدخلات السياسة المتعلقة بسعر الصرف قد زادت هي الأخرى خلال أزمة فيروس كورونا. على الرغم من الفائض الكبير في الحساب الجاري وتدفقات رأس المال القوية، فإن قيمة الرنمينبي لم ترتفع إلا بوتيرة متواضعة في عام 2020. وفي الوقت نفسه، زادت الأصول بالعملات الأجنبية في النظام المصرفي بشكلٍ كبير، مما يشير إلى أن البنوك التجارية في الصين كانت مكلفة بالتخفيف من ارتفاع قيمة الرنمينبي.

Embed from Getty Images

وترى الباحثة في شؤون الاقتصاد الصيني أنه طالما كان صناع السياسة في الصين غير مستعدين لإيقاف التوجيه السياسي لأسعار الفائدة وسعر الصرف، فسوف يتعين عليهم الحفاظ على قيود صارمة فيما يتعلق بتدفقات رأس المال إلى الصين – والأهم من ذلك – التدفقات الخارجية. هذه القيود ستمنع البلاد من لعب دور رئيسي في التمويل العالمي.

إذا كان الحزب الشيوعي الصيني سيضع حدًّا للتدخلات السياسية في النظام المالي، فسيكون لذلك تداعيات تتجاوز إدارة الأزمات. في اقتصاد أصبح أكثر تسييسًا منذ أن تولى شي جين بينغ منصب رئيس الحزب الشيوعي الصيني، لا تزال السيطرة السياسية على النظام المالي أمرًا لا غنى عنه لدعم الشركات المملوكة للدولة والنهوض بأهداف السياسة الصناعية. ولذا؛ فإن الإزالة الكاملة لضوابط رأس المال تتطلب إصلاحًا جذريًّا لأهم المبادئ الاقتصادية للحزب الشيوعي الصيني.

التكامل المالي والنظام السياسي الشمولي

علاوةً على ذلك، فإن درجة من التكامل المالي التي من شأنها أن تسمح للأسواق المالية الصينية بالتنافس مع نظيراتها في الولايات المتحدة سوف تتطلب أيضًا حماية قوية لحقوق الملكية، من شأنها أن تتعارض مع ازدراء الرئيس شي لحكم القانون، ولا يمكن التوفيق بينها وبين النظام السياسي الشمولي المتزايد. أخيرًا وليس آخرًا، قد تؤدي التوترات المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة إلى إخراج أهداف أكثر تواضعًا للتكامل المالي عن مسارها.

أصبح الضرر الذي يمكن أن تُلحقه الولايات المتحدة بتدويل الأسواق المالية الصينية واضحًا عندما قام مزودو المؤشرات العالمية، استجابةً لأمرٍ تنفيذي من إدارة ترامب، يحظر على المستثمرين الأمريكيين امتلاك حصص في الشركات التي يزعم أن لها صلات بالجيش الصيني، بإزالة أسهم عدد من الشركات الصينية من مؤشراتها.

وتختتم الباحثة مقالها بأنه لا شيء من هذا يبشر بالخير بالنسبة لاحتمال تحول الرنمينبي إلى عملة عالمية حقيقية. وعلى الرغم مما قد يحاول مديرو الصناديق المتحمسون إقناعنا بتصديقه، فإن طرح الرنمينبي الرقمي لن يغير هذه النظرة، بالنظر إلى أن النسخة الرقمية ستخضع لقيود مماثلة لتلك المفروضة على النسخة القديمة. وإذا شرع الحزب الشيوعي الصيني في مسار التحرير الاقتصادي والسياسي، فسيكون أمامه فرصة جيدة لتحويل الصين إلى قوة مالية عالمية. ولكن طالما أخضع الحزب الكفاءة الاقتصادية للسيطرة السياسية، فلن تكون الصين قادرةً على تحدي هيمنة الولايات المتحدة على النظام المالي العالمي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد