«عشرون عامًا من الحكم الصيني غيَّرت اقتصاد ماكاو، لكن هذا التغيير كان له ثمن من حريتها الغالية»؛ حسبما يرصد ماثيو كيجان في تقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية. 

يستهل كيجان تقريره بالحديث عن مدينةٍ في جنوب الصين تعادل مدينة لاس فيجاس الأمريكية، هي: كوتاي الواقعة في منطقة ماكاو، حيث تمتد الأضواء المبهرة على طول واجهات نوادي القمار المترفة، وتتوهج شاهدةً على التغييرات واسعة النطاق التي  غيرت وجه المدينة خلال العشرين عامًا الماضية. 

من الصعب تصديق أن أراضي كوتاي الواقعة في ماكاو كانت مجرد مستنقعات حتى عام 2007، قبل أن تستصلح أراضيها ويُبنى فوقها ما أصبح الآن مقرًّا للعديد من نوادي القمار، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وحققت في العام الماضي وحده أكثر من خمسة أضعاف عائدات لاس فيجاس.

وشهد يوم 20 ديسمبر (كانون الأول) 2019 احتفالًا بالذكرى العشرين لعودة ماكاو إلى الصين، في عام 1999، وانتهاء 442 عامًا من الحكم البرتغالي. 

يقول كيجان: منذ ذلك الحين، تجاوزت هذه المدينة الصغيرة – التي تبلغ مساحتها 13 ميلًا مربعًا فقط، ويبلغ عدد سكانها حوالي 670 ألف نسمة – مدينة لاس فيجاس، لتصبح أكثر مدن القمار أرباحًا في العالم، وأحد أغنى الأماكن على الأرض وفقًا لمعدل دخل الفرد. 

Embed from Getty Images

طفرةٌ سياحية غيَّرت وجه ماكاو في 20 عامًا

قليلون كانوا سيراهنون على ماكاو، المدينة التي كانت في يوم من الأيام معزولة وغارقة في سباتها، لكنها شهدت تحولًا جذريًّا في السنوات العشرين الماضية.

حول ذلك تقول باميلا تشان، وهي مديرة تسويق محلية: «لم أعتقد أبدًا أن تنمو ماكاو إلى هذا الحد، لتصبح عاصمة القمار في العالم». وتضيف: «قبل عودة هذه الأراضي إلى الصين، كنت أتمنى أن يحدث بعض التقدم في ماكاو يومًا ما، لكني لم أعتقد أبدًا أنه سيكون بهذا الحجم».

بعد تحرير صناعة المراهنات في ماكاو بعد عامين من تسليمها إلى الصين في عام 2001، أصبح بإمكان العديد من أصحاب النوادي في لاس فيجاس دخول هذه السوق، كما يوضح الكاتب.

افتُتِح عدد كبير من نوادي القمار الجديدة، وارتفعت الأرباح، ونمت السياحة نموًّا هائلًا. واليوم، تستقبل ماكاو أكثر من 35 مليون سائح سنويًّا، منهم 70% من البر الصيني الرئيسي. ولا غرو، فماكاو هي المكان الوحيد في الصين التي تعد نوادي القمار فيها قانونية.

تقول تشان: إن الطفرة السياحية الهائلة جعلت مدينتها التي كان يومًا ما مسترخية وهادئة مدينة مكتظة بالزوار. مضيفة أنه «أحيانًا أفتقد أيام ما قبل تسليم المدينة إلى الصين؛ عندما كانت ماكاو أكثر هدوءًا. كانت حركة المرور بالتأكيد أقل ازدحامًا بكثير في ذلك الوقت. وبعض الأماكن التي اعتاد السكان المحليون زيارتها أصبحت الآن تحت سيطرة السياح تمامًا».

ثمن الاعتماد المفرط على الصين اقتصاديًّا

لكن الإحباط من التغييرات التي طرأت على ماكاو خلال السنوات العشرين الماضية يتجاوز مجرد الطفرة السياحية، حسبما يوضح كيجان، قائلًا: كجزء من صفقة التسليم، مثلما حدث مع جارتها هونج كونج، وعدت الصين بمنح ماكاو 50 عامًا من الحكم شبه الذاتي، في ظل سياسة «بلد واحدة ونظامان». 

بموجب هذا النظام الذي من المقرر أن ينتهي في عام 2049، تحتفظ المنطقة بنظامها الاقتصادي الرأسمالي، ويتمتع أهلها بحقوقهم وحرياتهم، مثل حرية التعبير، والتجمع، والدين. لكن البعض يشعر أن ماكاو ربما تكون قد راهنت بالفعل على معظم حرياتها، وهو الثمن الذي دفعته مقابل الاعتماد المفرط على الصين اقتصاديًّا، وفقًا لرأي كيجان.

Embed from Getty Images

يقول جورج مينيزيس، وهو محامٍ محليّ: «الناس يخشون التعبير عن آرائهم. إن حرية التعبير تقتصر الآن على المقاهي والأماكن الخاصة. ولا يوجد تقدُّم ديمقراطي على الإطلاق؛ إذ لا يختار شعب ماكاو حكامه، بل يتولى هذه المهمة بالنيابة عنه المسؤولون غير المنتخبين في بكين».

يضيف «مينيزيس» أن حرية التجمع محدودة للغاية في الأمور السياسية، وغالبًا ما تُحظَر الاحتجاجات. وفي حين توجد صحافة حرة في وسائل الإعلام الناطقة باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، فإن الصحافة الناطقة باللغة الصينية مؤيدة لبكين.

ويتابع أن «الأكاديميين لا يمتلكون حرية سوى في التحدث دعمًا للحكومة. ونقابة المحامين تتصرف كما لو كانت هيئة موالية للحكومة. وليس لرجال الأعمال أي مشاركة مدنية على الإطلاق، بل يخضعون بتذلل للسلطات. ويُمنع غير المقيمين من الدخول إلى ماكاو بسبب مواقفهم ووجهات نظرهم السياسية».

المال مقابل الحريات.. أهالي «عاصمة القمار» يفضلون الاستقرار

يتابع التقرير أنه على عكس هونج كونج المجاورة، حيث تتكرر الاحتجاجات، يبدو أن سكان ماكاو أقل ميلًا للاحتجاج على تدهور الحريات المدنية.

حول ذلك يقول مينيزيس: «عدد سكان ماكاو أقل من 10% من سكان هونج كونج، ولأن سياحة المقامرة هي المحرك الاقتصادي الرئيسي للمدينة، فهي تعتمد اقتصاديًّا على الصين بدرجة أكبر بكثير. إذا خنقت الصين الحدود، ستنهار ماكاو».

ومع تعرُّض مورد رزق سكان  ماكاو للخطر، فإنهم يفضلون، بشكل عام، التزام الهدوء، وقبول هذا النمو الاقتصادي منذ التسليم، على حساب تراجع الحريات. 

يقول جيسون تشاو ، وهو ناشط في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان مولود في المدينة: «الناس في ماكاو قد يحدوهم الحنين إلى بعض أجزاء ماكاو القديمة. لكن الغالبية العظمى من السكان استفادت من النمو الاقتصادي السريع، والكثيرون راضون للغاية عن الوضع الراهن».

مكافآت صينية لـ«التلميذ الصالح»

يكافئ المسؤولون الصينيون هذا الرضا وعدم الرغبة في توتر الأجواء، كما يقول كيجان. مستشهدًا بثناء الرئيس الصيني شي جين بينج على ماكاو، في وقت سابق من هذا العام؛ لتنفيذها بنجاح مبدأ «بلد واحدة ونظامان». 

يعلق مينيزيس على هذا الثناء الرسمي قائلًا: تتحدث الصين عن ماكاو بوصفها «التلميذ الصالح»، وهذا مؤشر على تآكل استقلاليتها. لكن على الرغم من المخاوف بشأن تآكل الحريات والحقوق الأساسية الموعودة لسكان المنطقة، ما يزال بعض أهالي ماكاو متفائلين بشأن المستقبل، وهو مستقبل يتجسد بلا شك في مزيد من التكامل مع البر الصيني الرئيسي.

تقول باميلا تشان: «على عكس هونغ كونغ، تتمتع ماكاو بعلاقة جيدة مع الصين. لذلك إذا استمرت ماكاو في إدارة أمورها على النحو الصحيح، أعتقد أن جمهورية الصين الشعبية ستهتم بماكاو، وأعتقد أن المدينة ستصبح أكثر ازدهارًا وتطورًا». 

Embed from Getty Images

الانتخابات في ماكاو.. لعبة نخبوية لا رأي للشعب فيها

يوم الجمعة الماضي، نصَّب الرئيس «شي» رسميًّا رئيسًا جديدًا لماكاو، يدعى «هو ايت سنج»، كان المرشح الوحيد في الانتخابات المدعوم من بكين.

في شهر أغسطس (آب)، صوتت لجنة مؤلفة من 400 عضو، تتألف في معظمها من النخبة المؤيدة لبكين، على اختيار «هو»، الذي حصل على 392 من أصل 400 صوت.

يقول ليونج مينج يو، وهو أستاذ مساعد في الحكومة والإدارة العامة بجامعة ماكاو إن «معظم سكان ماكاو يدركون أن انتخاب الرئيس التنفيذي ليست سوى لعبة نخبوية لا رأي لهم فيها. لذلك لا أعتقد أن لدى الناس أي آمال أو توقعات محددة فيما يتعلق بالرئيس الجديد».

يستدرك الكاتب قائلًا: ولكن برغم ذلك كله ما يزال هناك شعور في المدينة بأن الذكرى العشرين لتسليمها إلى الصين تستحق الاحتفال. 

وحول ذلك، يقول مينيزيس: «على الرغم من كل العيوب المتعلقة بالحقوق والحريات، تحتفل ماكاو بنهاية الحكم الأجنبي و20 عامًا من الاستقرار والنجاح الاقتصادي. وأعتقد أن معظم مواطني ماكاو يعتزُّون بذلك أكثر من أي شيء آخر».

حقوق إنسان

منذ 3 شهور
«فورين بوليسي»: هكذا تتربح الصين من «استعباد» الإيغور

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد