الدبلوماسية الوقحة والخطاب المتبجح يقلصان من نفوذ بكين.

كتبت جيسيكا تشين فايس، الأستاذة المساعدة في جامعة كورنيل ومؤلفة كتاب «الوطنيون الأقوياء: الاحتجاجات القومية في علاقات الصين الخارجية»، مقالًا في مجلة «فورين أفيرز» حول اشتداد النزعة القومية في الصين، وتداعياتها على المدى الطويل، في ظل تفاقم التوتر بين واشنطن وبكين خاصة بعد جائحة كوفيد-19.

تستهل الكاتبة مقالها بالقول: على مدار شهور، ومنذ بدأ تفشي جائحة كوفيد-19 في ووهان، تسارع تحوُّل قادة الصين إلى القومية. وفاخروا أمام الجمهور المحلي والأجنبي بتفوق النظام الصيني في مكافحة المرض. ونشروا نظريات المؤامرة عن الأصول الأمريكية لفيروس كورونا المستجد. واحتضنوا دبلوماسية «الذئب المحارب» (نسبة إلى فيلم صيني يحمل الاسم نفسه)، وهاجموا بوقاحة النقاد الأجانب، واستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الأخرى لتسليط الضوء على أوجه القصور الأجنبية.

ورغم أن الهدف الرئيسي لهذا التوجه هو حشد الدعم المحلي للحزب الشيوعي الصيني، فإنه أجَّج التوتر مع واشنطن؛ إذ يحاول كل طرف أن يبزَّ الآخر في إلقاء اللوم على منافسه، وتجنب المحاسبة عن تعامله مع أزمة كوفيد-19.  كما أدى خطاب العين بالعين إلى التعجيل بالوصول إلى القاع في العلاقات الأمريكية- الصينية، وأعاق التعاون في مكافحة الجائحة.

دولي

منذ شهر
مترجم: قانون الأمن الوطني الصيني الجديد.. ماذا يعني بالنسبة لاحتجاجات هونج كونج؟

القومية الصينية.. عقبة في طريق بكين 

بالنسبة للولايات المتحدة، ترى الكاتبة أن هذا الاتجاه القومي المتشدد سيشكل تحديات أكبر في المستقبل، ويعوق التأثير والردع الأمريكيين بما يقيِّد خيارات السياسة الأمريكية.

ولكن على المدى الطويل، سوف تثبت النزعة القومية الصينية أنها عقبة أمام طموحات بكين نفسها؛ لأنها تقوِّض جهودها الرامية لجذب الدعم الدولي وإظهار القيادة العالمية.

وقد تؤدي دبلوماسية «الذئب المحارب» إلى تهدئة القوميين الصينيين في الداخل، ولكنها ستحد من جاذبية الصين في الخارج. ذلك أن كراهية الأجانب، والقمع باسم الاستقرار القومي – سواء تجاه المهاجرين الأفارقة في جوانزو أو أقليات وسط آسيا في شينجيانج أو الصينيين العرقيين في هونج كونج – يُكَذِّب الجهود الصينية للظهور بصورة الإحسان والشهامة.

وحتى لو اعترفت بكين بهذه المشكلات، سيكون مكلفًا – رغم أنه ليس مستحيلًا – بالنسبة للقيادة الصينية أن تكبح جماح القومية التي أطلقت لها العنان، حسبما تقول الكاتبة.

علم الصين

تكلفة كبح جماح القومية

يرصد المقال تخفيف بكين إلى حد ما من أكثر خطاباتها القومية عدوانية تحت ضغط الاعتراضات المحلية والدولية في الأسابيع الأخيرة. مثلًا، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، أن الصين تحاول تصدير نموذج الاستجابة لفيروس كورونا. ووجَّه الصقور العسكريون البارزون تحذيرًا للقوميين الصينيين من استخدام القوة لإعادة الوحدة مع تايوان. وأغلقت الرقابة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي تروِّج لمزاعم «ملفقة ومضللة» عن الهند وكازاخستان وفيتنام.

ولكن على الرغم من هذا التخفيف المتواضع للخطاب القومي، حتى التقارير الداخلية في الصين تشير إلى أن المشاعر العالمية المعادية لبكين وصلت إلى ذروتها، مثلما لم يحدث منذ حملة 1989 ضد المحتجين في ميدان تيانانمين.

غير أن الكاتبة ترجح أن تظل القومية الأكثر تأكيدًا للذات سمة من سمات خطاب بكين ودبلوماسيتها، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات مهمة بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة. فكلما منح الحزب الشيوعي الصيني الأولوية للقومية والاستقرار العام – كمصدرين للشرعية المحلية – قبل النمو الاقتصادي، قلَّ تأثير الولايات المتحدة والقوى الخارجية الأخرى، لاسيما على القضايا ذات الأهمية المحورية لقادة الصين، مثل وحدة الأراضي.

يضرب المقال مثلًا بهونج كونج، حيث تتخوف بكين من تفشي عدوى الديمقراطية والتهديد الذي تمثله النزعة الانفصالية للسيادة الوطنية. وتلفت الكاتبة إلى أن التهديدات بالعقوبات الاقتصادية كانت غير فعالة في منع بكين من تمرير تشريعات الأمن القومي الجديدة التي تنهي الحكم الذاتي لهونج كونج بشكل فعال.

تولد القومية ضغوطًا على الحكومة للتحدث بصرامة واسترضاء الجماهير المحلية، مما يزيد من تكاليف ضبط النفس.

كلما ازداد ارتباط القضية بالحساسيات القومية بين الجمهور والنخب الصينية، كانت التهديدات والإجراءات الأجنبية أكثر إثارة للاستفزاز بدلًا من ردعه.

ومن المؤكد أن لدى الحزب الشيوعي الصيني مساحة كبيرة لتشكيل الرأي العام من خلال نظامه الدعائي والتعليمي؛ مما يسمح لبكين بتخفيض تكاليف الحلول الوسط وضبط النفس.

لكن القومية الشعبية غالبًا ما تشعل شرارة المواجهة الدولية مع الانتشار العالمي لمستخدمي الإنترنت الصينيين في جهودهم للدفاع عن الصين، كما أظهر الجدل الذي أثارته الرابطة الوطنية لكرة السلة العام الماضي، عندما غرَّد المدير العام لفريق هيوستون روكتس بدعمه لاحتجاجات هونج كونج.

وبمجرد تعبئة المشاعر القومية، فإنها تخلق ضغوطًا على الحكومة للتحدث بصرامة واسترضاء الجماهير المحلية، مما يزيد من تكاليف ضبط النفس.

الصين

تضيف الكاتبة: إنَّ فهْم هذه الدينامية داخل الصين يمكن أن يساعد الحكومات الأجنبية على تحليل الرسائل المختلطة القادمة من بكين. ففي بعض الحالات، تجاوز الخطاب العدائي للحكومة الصينية سلوكها الفعلي.

وتستشهد الكاتبة على ذلك بتصاعد التوتر مع اليابان في عام 2013، عندما استخدمت بكين كلمات نارية، وطالبت الطائرات الأجنبية بتعريف نفسها والالتزام بالتعليمات الصينية عند التحليق فوق بحر الصين الشرقي، غير أنها تجنبت أي استعراض حقيقي للقوة.

وبعد اصطدام جوي بطائرة تجسس أمريكية في عام 2001م، نزعت الصين فتيل الأزمة من خلال إعلان الحداد على الطيار «الشهيد»، بينما منعت المظاهرات المناهضة للولايات المتحدة، على عكس الاحتجاجات التي شجعتها بعد أن أصابت غارة جوية لحلف شمال الأطلسي السفارة الصينية في بلجراد في عام 1999.

غير أن القومية ما تزال ترفع تكاليف ضبط النفس. لتوضيح ذلك تستعرض الكاتبة نتيجة مسح أجرته بالاشتراك مع زميلها ألان دافو لمستخدمي الإنترنت الصينيين، بعد أن استأنف الجيش الأمريكي دوريات حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، من أجل معرفة تأثير هذه المناورات، التي جرى استئنافها، في الاتجاهات العامة داخل الصين، وهي تجربة شبه طبيعية.

في الأيام التي تلت الدوريات، وجد المسح زيادة في الاستنكار الشعبي تجاه الحكومة الصينية، التي لم تستخدم القوة لاعتراض أو مضايقة الدوريات الأمريكية.

وتشير هذه النتائج – بحسب تفسير الكاتبة – إلى أنه على الرغم من أن الحكومة الصينية اختارت ممارسة ضبط النفس في ذلك الوقت، فقد كان لذلك تكلفة محلية.

ولكي تنجح جهود الردع الأمريكية وفقًا لذلك، يجب أن تكون الحكومة الصينية مستعدة لاستيعاب تكلفة الرأي العام المناهض لعدم اتخاذها أي إجراءات في مواجهة «الاستفزازات» الأمريكية.

يردف المقال: ولقد تمكنت من تقليل التكلفة قصيرة المدى للتقاعس عن طريق التبجح، بما في ذلك إصدار بيانات الشجب، والتصريحات بأن الجهود الصينية نجحت في طرد الدوريات الأمريكية.

ولكن على الرغم من أن هذا التكتيك قد يمنح بكين مرونة على المدى القصير، فإنه قد يخاطر أيضًا بأن يغلَّ أيدي الحزب الشيوعي الصيني على المدى الطويل؛ ذلك أن استثارة المظالم التاريخية مرارًا وتكرارًا قد يعزز رغبة الجمهور في الحصول على تبرير في المستقبل.

حدود القومية

تكمل الكاتبة مقالها قائلة: يتعين على صناع السياسة الأمريكيين، الذين يهدفون إلى تشكيل مسار سلوك الصين ونفوذها، أن يأخذوا في الاعتبار التأثيرات قصيرة المدى وطويلة المدى للقومية على السياسات والسياسة الصينية.

وتشير الكاتبة إلى أن السياسات الرامية لفرض ضبط النفس على المدى القريب، قد تجعل وقوع سلوك عدواني على المدى المتوسط أو الطويل أكثر احتمالًا عن طريق تصلب الرأي العام الكلي داخل الصين. ومع ارتفاع تكاليف الاستنكار المحلي في بكين، فإن فشل المحاولات الأمريكية للردع – مثل زيادة العمليات الأمريكية في بحر الصين الجنوبي أو جهود الكونجرس للتفويض بعقوبات هونج كونج – قد يدفع واشنطن إلى استنتاج أن لدى الصين أهدافًا توسعية.

أحد مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني

أحد مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني، الحزب الحاكم في البلاد

لكن حسابات القيادة الصينية ربما تكون مدفوعة أكثر بانعدام الأمن الداخلي. وعلى هذا النحو، يجب على الحكومات الأجنبية أن تحذر من الأشكال الضارة من الضغوط الدولية. فعند وضع استراتيجيات لردع بكين أو معاقبتها، قد ينتهي الأمر بصناع السياسة إلى زيادة المطالب الصينية المحلية بالانتقام الشديد، بما في ذلك اتخاذ إجراءات مضادة ضد مجموعة من المصالح الأجنبية التي تستفيد من الوصول إلى الصين، سواء كانت مصالح علمية أو صحفية أو تتعلق بالشركات.

في النهاية، يسعى الحزب الشيوعي الصيني إلى الأمن والهيمنة الإقليمية ونظام عالمي يفسح المجال للقيم والمصالح الصينية ويمثل انعكاسًا لها.

ولكن كما قالت الكاتبة سابقًا، فإن الحزب لم يشرع في جهد مستميت لإعادة تشكيل بلدان أخرى على صورة الصين. وكلما زاد ركون الحزب الشيوعي الصيني إلى القومية، يجب أن يقلَّ قلق الولايات المتحدة بشأن الصين كمنافس على القيادة العالمية.

أدت جهود الصين في جميع أنحاء العالم لإعلان التفوق في مكافحة فيروس كورونا بالفعل إلى إثارة الشكوك والقلق، وكذلك المَطالِب بالتعويضات، والدعاوى القضائية، والدعوات لإعادة التفكير في العلاقات مع الصين.

تختم الكاتبة مقالها بالقول: يجب على صناع السياسة الذين يسعون إلى تبني استراتيجية أكثر فعالية للمنافسة مع الصين والتعاون معها أن يعترفوا بحدود الجاذبية الدولية للصين، بالإضافة إلى مخاطر الحماسة القومية لدى الولايات المتحدة.

وسواء كانت في الصين أو في الولايات المتحدة، من المرجح أن تثير القومية النفور أكثر مما تجذب، سواء ارتدت ثوب دبلوماسية الذئب المحارب، أو خطاب «أمريكا أولًا».

العالم والاقتصاد

منذ أسبوعين
«حرب الذهب» بين الصين وأمريكا.. طريق الصين نحو الخلاص من الدولار

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد