عندما تضع جائحة فيروس كورونا المستجد أوزارها؛ ستجد الصين نفسها مجبرة على أن تخفض سقف طموحاتها العالمية. 

يشرح عالم الاجتماع الأمريكي، الأستاذ المشارك في جامعة سيدني، سالفاتور بابونز، في هذا المقال المنشور على صفحات مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، كيف يمكن أن يتبخر حلم الصين في أن تكون قوة عالمية عظمى. 

حين ننظر من بعيد إلى الهجمات التي تشنها الصين على عدة جبهات، يتولد لدينا انطباع بأن قوة صاعدة تشق طريقها إلى الأمام؛ إذ إنها في وقت واحد انخرطت في اشتباكات حدودية مع الهند، وعسكرت بحر الصين الجنوبي، وشنت حملة قمعية في هونج كونج، وضيقت على تايوان، ودخلت في مواجهة مع اليابان بشأن الجزر المتنازع عليها، بالإضافة إلى القضاء على الاضطرابات الداخلية وقمعها، وكل هذا بينما تُكافح تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد. 

في الوقت نفسه، تستثمر الصين مليارات الدولارات في محاولة للهيمنة على التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات (أنصاف النواقل) المتقدمة. وهي إلى جانب ذلك لديها مبادرة الحزام والطريق، التي رصدت لها مليار دولار لتأسيس بنية تحتية لوسائل النقل والمواصلات في عالم يتكون الصين هي مركزه. 

فكيف لدولة تصف نفسها بأنها نامية، مثل الصين، أن تمول تنافسًا ضد الولايات المتحدة على مقعد القوة العظمى؟

يجيب كاتب المقال: إن إدارة قوة عالمية عظمى أمرٌ باهظ التكلفة. فمن المعروف أن الولايات المتحدة تنفق على الدفاع أكثر من الدول العشر التي تليها في القائمة مجتمعة، ومع ذلك يستمر النظر إلى جيش الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره يفتقر إلى التمويل والتجهيز مقارنة بدوره باعتباره جيش قوة عالمية عظمى.

وإذا كان لنا أن نُصدق أصحاب الخبرة، فإن الولايات المتحدة ستفقد قدرتها التنافسية بدون الاستثمار في البحوث الجامعية والتقنيات المتقدمة والمساعدات الخارجية والدبلوماسية والأمم المتحدة والطاقة النظيفة والتأهب لمواجهة الأوبئة بطبيعة الحال. وهذا على سبيل المثال لا الحصر بعض من أولويات تمويل الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى … أما القائمة الكاملة فهي أطول كثيرًا. 

فإذا كانت الولايات المتحدة– التي تمتلك اقتصادًا أكبر بنحو 50% من اقتصاد الصين، وناتجها المحلي الإجمالي للفرد أكبر من ناتج الصين بستة أضعاف– ليس بمقدورها البقاء بوصفها قوة عالمية عظمى، فكيف تستطيع الصين تحقيق ذلك؟

يقول الكاتب: إذا ما تجاوزنا حقيقة أن حلفاء الصين الدبلوماسيين الأساسيين هم كوريا الشمالية وكمبوديا وإثيوبيا، وأنها مُحاطة بدول مسلحة نووية وربما تكون معادية، مثل روسيا والهند، ولا تحظى شركاتها المتخصصة في التكنولوجيا، المدعومة من الدولة، بكثير من الثقة خارج الصين، ناهيك عن أنها المسئولة إلى حد كبير عن السماح بتفشي فيروس كورونا المستجد عالميًا. 

فكيف يمكن لبلد مثل الصين، التي تُطلق على نفسها دولة نامية، مزاحمة الولايات المتحدة على سباق القوى العظمى؟

يُجيب الكاتب، الباحث المساعد في مركز الدراسات المستقلة (مؤسسة بحثية) في سيدني، قائلًا: «الإجابة ببساطة ليس بمقدور الصين أن تفعل ذلك، إذ انخفض النمو الاقتصادي في الصين، حتى قبل جائحة كورونا، إلى 6.1% في عام 2019 مقارنة بما حققه من معدلات ثنائية الرقم في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، هذا إن سلمنا بتصديق الأرقام الرسمية، لكن هذه الأرقام مشكوك جدًا في مصداقيتها».

سياسة

منذ 4 شهور
مترجم: هل حققت الصين أفضلية اقتصادية على أمريكا في الخليج؟

وأرجع التقرير الشك في مصداقية الأرقام الرسمية للصين إلى أن الشخص الذي أعد مستهدف الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدولة الصين هو نينج جيزي، الذي يتقلد منصب نائب رئيس لجنة التنمية الوطنية والإصلاح الصينية، وهو أيضًا مدير المكتب الوطني للإحصاءات والمسؤول عن قياس الناتج المحلي الإجمالي.

في الوقت نفسه تُشير النمذجة المستقلة التي نشرها معهد بروكنجز إلى أن الصين لطالما بالغت على مدار التاريخ في تقدير نمو ناتجها المحلي الإجمالي بمتوسط ​​1.7% سنويًا. والذي يؤكد هذه الصورة هو تقارير الصين الرسمية عن عائدات الضرائب؛ إذ شهدت نموًا بنسبة 3.8% فقط في عام 2019 مقارنة بـ 6.2% في عام 2018 و7.4% عام 2017.

كما استمر الإنفاق الصيني على نهج التبذير القديم بنسبة 8.1% عام 2019، برغم زيادة القيود على الموارد المالية في الصين، ونتيجة لذلك تنشأ فجوة متنامية في ميزانيات الحكومة الصينية، إذ بلغ عجز الموازنة المعلن عنه رسميًا 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، بينما قدّر صندوق النقد الدولي القيمة الحقيقية للعجز الحكومي الصيني بأكثر من 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان هذا قبل بداية تفشي فيروس كورونا المستجد، حين كان يفترض أن النمو الاقتصادي على ما يرام.

تقليل الالتزامات الصينية.. خطوة إجبارية تسبق فيروس كورونا

صحيحٌ أن الأرقام الحقيقية في الصين يصعب الحصول عليها، لكن يبدو أن الحكومة الصينية كانت ستُقلل من التزاماتها حتى قبل أن يُصيبها فيروس كورونا المستجد.

وتابع المقال: «بشق الأنفس، يمكنك أن تدرك تقليل الصين التزاماتها بسبب الإعلانات البراقة عن المشروعات، إلا أن التزامات الصين تجاه تمويل مبادرة الحزام والطريق تقلصت فعليًا منذ عام 2017، وحتى هذه الأرقام المتقلصة ما هي إلا وعود مقابل حقيقة أن إنفاق الصين لمبادرة الحزام والطريق يُعد حتى أكثر ضآلة».

كما اختفت البنوك الصينية فعليًا من تمويل المبادرة تاركة الحكومة، التي تعاني من ضائقة مالية، تتحمل العبء وحدها، وفي الوقت نفسه وضعت الصين مشاريع في جميع أنحاء آسيا على الرف وقلّصّت مشاريع أخرى أو أجّلتها. أما المنتقدون الغربيون لمبادرة الحزام والطريق فيميلون إلى تفسير هذه المشاكل باعتبارها متعلقة بالخوف من المديونية، التي تترتب على هذه المشاريع في البلدان المتلقية للمعونة، ونادرًا ما يذكرون الديون التي تُسببها المشاريع في الصين نفسها. 

لذا عندما أشارت وسائل الإعلام الغربية في ديسمبر (كانون الأول) إلى ممارسة الصين ضغوطًا على باكستان المترددة في استئناف العمل في الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني المتعثر، فاتتهم معلومة أن الصين غير متأهبة لتمويل الإنشاءات بنفسها، بحسب الكاتب.

والأمر نفسه في ميانمار، إذ ترغب الصين في تشييد ميناء جديد هناك، لكنها مترددة في تمويله. كما وقّعت الصين في عام 2015 على اتفاقية النقل والمواصلات مع نيبال لكنها لم تُكمل بناء ميل واحد من الطرق أو السكك الحديدية بعد. وينطبق الحال نفسه على أفريقيا وأوروبا الشرقية؛ إذ تواصل الصين الإعلان عن مشروعات ضخمة، لكنها لا ترغب في تزويدها بما يكفي من التمويل لتخرج إلى النور.

كيف ستؤثر الضغوط المالية في الإنفاق العسكري الصيني؟

وأوضح مجال تتبدى فيه مشاكل الصين التمويلية بحسب الكاتب هو ميزانياتها العسكرية؛ إذ تُشير التحليلات التي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن القيمة الحقيقية للإنفاق الصيني على الدفاع ربما ينخفض فعليًا في عام 2020. ولا بد أن تضع قيود الإنفاق ضغوطًا شديدة على ميزانيات عمليات شراء الأسلحة، في ظل الوتيرة المتزايدة للصين في العمليات العسكرية على عدة جبهات، كما يرجح المقال.

وبينما يستحيل على أي شخص من خارج مؤسسة الدفاع الصينية أن يحيط علمًا بما يجرى بالفعل، فإن الأدلة الظرفية التي رصدها الكاتب تُشير إلى تباطؤ برامج شراء الأسلحة باهظة الثمن في الصين. على سبيل المثال، يُعتقد أن الصين صنعت حوالي 50 من مقاتلات الشبح جي-20 مزدوجة المحركات من فئة الجيل الخامس، إلا أن هذا الطراز يُواجه على ما يبدو حاليًا مشاكل خطيرة في التمويل، مما يُقلل من إنتاجه في المستقبل القريب. 

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة مخزونًا قوامة 195 مقاتلة من طراز إف- 22، و 134 من طراز اف -35 من الجيل الخامس، مع مواصلة الإنتاج الأمريكي السنوي لأكثر من 100 طائرة من طراز إف -35 حتى بعد التأجيلات التي تسبب فيها تفشي فيروس كورونا المستجد. 

على غرار ذلك، خططت الصين مرة لنشر ست مجموعات من حاملات الطائرات الهجومية من الطراز الأمريكي بحلول عام 2035، وبخلاف حاملة لياونينغ للتدريب السوفيتية، تمتلك الصين حاليًا حاملة واحدة فقط تعمل بالقفز التزلجي مع وجود حاملة أخرى قيد الإنشاء. 

وبينما تأجلت خطط الصين لبناء أربع حاملات تعمل بالطاقة النووية إلى أجلٍ غير مسمى، بسبب التحديات التقنية والتكاليف الباهظة، تقول الصين إنها ستطور طائرات مقاتلة من فئة الجيل الخامس لنشرها على حاملات الطائرات، في حين تخضع مقاتلات الشبح إف 35 سي الأمريكية لتدريبات من أجل نشرها هذا العام. 

ضغوط مالية.. هل تجبر الصين على خفض سقف طموحاتها المستقبلية؟

ينتقل الكاتب للحديث عن نزال الصين مع الهند بالعصى والحجارة على هضبة لاداخ، ويقول إنه صراع غير مكلّف، بينما الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ يمكن أن يكون بالفعل مكلفًا للغاية. وهذا من المرجح أن يبرهن على أن الصين ذات النمو البطيء بعد كورونا المستجد عاجزة على تحمل تكاليف الترف وحياة الثراء، والحقيقة أن الصين تستعرض ثروتها واستعدادها للإنفاق، بينما رصيدها البنكي لا يتوافق مع مبالغتها.

ويستطرد المقال: إن مشاهدة عقود من النمو ثنائي الرقم في الناتج المحلي الإجمالي الصيني والإنفاق الحكومي، جعل الأجانب والغرباء يميلون إلى تصديق أن الموارد المالية التي تمتلكها الصين غير محدودة. وحتى المطّلعون على بواطن الأمور، فإنهم يميلون أيضًا إلى تصديق ذلك لأنهم عايشوا بأنفسهم نهوض الاقتصاد الصيني. 

لكن الكاتب يختم مقاله في مجلة «فورين بوليسي» بالتأكيد على أنه «لا توجد دولة تمتلك ميزانية لا تنفد، ويبدو أن الفشل لحق بالصين مع تفشي فيروس كورونا المستجد. 

بإمكان قادة الصين أن يحفظوا ماء وجوههم على الأقل بالتخلي عن مستهدفات الناتج المحلي الإجمالي، وإلقاء اللوم على الفيروس في التقشف الذي لا مفر منه. لكن بعد انقشاع الأزمة، ربما تضطر الصين إلى تخفيض سقف طموحاتها المستقبلية، بينما ستظل الولايات المتحدة قوة عالمية عظمى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد