لم يأت الصينيون بجديد في مشروعهم المسمى بمبادرة «الحزام والطريق»، والذي يعرف أيضًا باسم «طريق الحرير الجديد»، وفق ما يرى إميل أفدلياني، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعتي «تبليسي» و«إيليا» الحكوميتين في جمهورية جورجيا، وذلك في مقاله الذي نشره على موقع مركز «بيجن – السادات» للدراسات.

وقال الكاتب: «إن تلك المبادرة محاولة حديثة لما قام به المغول وتيمورلنك من بعدهم بالسعي إلى الربط بين الصين بمواردها البشرية والطبيعية وعالم البحر المتوسط، غير أنه يتوقع النجاح للمحاولة الصينية لما يتوافر لها من قوة اقتصادية وتكنولوجية».

يرى أفدلياني أن الاهتمام الكبير الذي يوليه العالم لمبادرة الحزام والطريق في الصين يتجاهل السوابق التاريخية التي تستند إليها؛ فبالرجوع إلى الفهم البدوي للجغرافيا في العصور الوسطى، يتابع الصينيون ما حاول المغول – ومن بعدهم تيمورلنك – القيام به من توحيد الأراضي الأوروبية الآسيوية من خلال إنشاء طرق تجارية وتشجيع الأنشطة التجارية من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى المحيط الهادئ.

تتشكل النزعة الأوراسية الصينية الوليدة ببطء، وهي مفهوم لا ينطوي على الانخراط القوي من جانب الصين مع الدول الأوراسية (دول أوروبا وآسيا) كما ينظر إليها البعض في الغرب، إنما هي مبادرة اقتصادية تهدف للوصول إلى الموارد الطبيعية والمالية لدول أوراسيا الرئيسة من خلال تزويدها بمبالغ كبيرة لمشاريع البنية التحتية.

من الواضح أن الفكرة الصينية تستهدف السيطرة على طرق التجارة الرئيسية من وإلى أوروبا (وهو سوق به ما يقرب من 500 مليون شخص). وعلى الرغم من أنها غير مرئية على الخرائط الجغرافية أو السياسية، إلا أن الممرات التجارية والسيطرة عليها كانت قوة دافعة رئيسية في تطوير أوراسيا. وغالبًا ما كان الدافع وراء الغزوات العسكرية هو الحاجة إلى تأمين الموارد المالية التي تمر عبر طرق التجارة الرئيسة في آسيا الوسطى ومن البحر الأحمر والخليج العربي إلى البحر المتوسط.

معوقات الجغرافيا والشعور بالاكتفاء الذاتي

ويرى الكاتب أن القوى الغربية طالما سعت للوصول إلى السوق الصينية الضخمة على مدار قرون، غير أن الجغرافيا حالت دون ذلك إلى حد كبير حيث ظلت المناطق النائية الصينية مغلقة بسبب وجود جبال الهيمالايا وصحراء جوبي وسهوب أوراسيا.

Embed from Getty Images

في العصور القديمة والعصور الوسطى، كان الطريق البري الوحيد الذي يربط الممالك الصينية بالعالم الخارجي يمر عبر إقليم شينجيانج الحديث (تركستان الشرقية سابقًا).

كان العامل الآخر الذي يحد من ذلك هو أن الصينيين لم يكونوا أبدًا شغوفين بشكل خاص بالتجارة مع الأجانب (كان لدى البلاد معظم ما تحتاج إليه، وكانت في المقام الأول دولة ذات اكتفاء ذاتي).

ولم تعكس السياسات الصينية أي نوع من الرؤية الأوراسية. واعتبر حكام البلاد الدول المجاورة مجرد روافد، لكنهم لم يعرفوا شيئًا عن الأراضي الأوراسية النائية. ولم تدفعهم أي ضرورة اقتصادية إلى المغامرة باكتشاف هذه المجاهل، وفق ما يقول الكاتب.

مترجم: دور الصين المتنامي في المنطقة العربية.. هل تستبدل أمريكا قريبًا؟

المغول هم أول من أدرك أهمية طرق التجارة

لكن الأوراسية الصينية الناشئة اليوم يمكن أن تعود بجذورها إلى العصور الوسطى؛ فهي توازي ما حاولت القوى الآسيوية الأخرى القيام به منذ قرون. ومن سخرية القدر، أن أخطر أعداء الصين – وهم البدو ومن بينهم المغول – كانوا هم من يمتلكون رؤية واضحة للتجارة العابرة للقارات بين الصين ودول البحر المتوسط.

ويشير الكاتب الجورجي إلى أن المغول، الذين كانوا يعيشون في أراضي السهوب في أوراسيا، اكتشفوا الإمكانات الكبيرة للتجارة الأوراسية الهائلة وأرادوا أن يكونوا بمثابة جسر بين البحر الأبيض المتوسط ​​وعالم الصين.

وكان توسع المغول (غزوات آسيا الوسطى وإيران وسوريا والسهوب الروسية)، الذي وصف في الغالب بأنه فوضوي، يهدف إلى دعم مسعاهم للسيطرة على طرق التجارة الكبرى المنبثقة من الشرق الأوسط وأوروبا متجهة إلى جنوب آسيا والصين.

وبالنسبة للمغول، كانت آسيا الوسطى مركزًا اقتصاديًا تخرج منه طرق التجارة في العديد من الاتجاهات. كانت السهوب الروسية في العصر الحديث مهمة أيضًا، لأنه كان من الممكن الوصول إلى البحر الأسود بسرعة إلى حد ما باستخدام الخيول والتجارة مع أوروبا الشرقية.

الغزو العسكري بهدف تحفيز التجارة

كان الغزو أحد الطرق لتحقيق ذلك، وتمثلت الطريقة الأخرى في تحفيز التجارة عبر هذه المساحات الشاسعة من الأرض. وكان بناء الطرق وحماية القوافل وتوفير حقوق مالية خاصة للتجار الأجانب وما إلى ذلك، من بين المبادئ الأساسية التي توجه المغول.

ظل مفهوم «الأوراسية» الآسيوية موجودًا بعد المغول أيضًا. وقام تيمورلنك، الذي اتخذ من سمرقند عاصمة له (في أوزبكستان)، بغزو جزء كبير من الشرق الأوسط والقوقاز وشمال الهند. وقبل وفاته كان يعتزم غزو الصين، وبالتالي الربط بين قوتين اقتصاديتين كبيرتين هما الصين بمواردها البشرية والطبيعية وعالم البحر المتوسط، كما يقول الكاتب.

وكانت الغزوات التي قام بها البدو الرُّحل منذ قرون مضت تمليها الحاجة الاقتصادية وسهلتها التضاريس الجغرافية الأوراسية. وتشمل مبادرة الحزام والطريق الصينية الحديثة، أو الأوراسية الصينية – مثل سابقتها الأوراسية البدوية – ممرات جغرافية في آسيا الوسطى، والسهوب الروسية، وممرات جغرافية هندية باكستانية. كما تستلزم بناء الطرق، وحمايتها، والتحفيز الكلي للتجارة العادلة.

إن الرؤية الحديثة للأوراسية الصينية، استنادًا إلى جانب الترابط الاقتصادي فيها، تتناسب مع التفكير الجيوسياسي الآسيوي في الماضي.

أسباب نجاح مبادرة «الحزام والطريق»

ومن وجهة نظر أفدلياني كان المتنافسون السابقون على ربط أوراسيا بكاملها يفتقرون إلى الموارد اللازمة. افتقر المغول – ودولة تيمورلنك في وقت لاحق – إلى اقتصادات قوية خاصة بهم. كانوا ببساطة وسطاء تجاريون بين الصين وعالم المتوسط. كما أنهم كانوا يفتقرون إلى الموارد البشرية والخبرة التكنولوجية.

Embed from Getty Images

ونتيجة لذلك، اعتمد المغول والقوى البدوية الأخرى، على الرغم من أنهم كانوا يسيطرون على نصف أوراسيا، إلى حد كبير على الصينيين والإيرانيين وغيرهم من ذوي الخبرة لإدارة إمبراطورياتهم. وهذا هو السبب في أن تلك المفاهيم الأوراسية الجامعة، على الرغم من كونها من المعالم المهمة في تاريخ البشرية، إلا أنها لم تدم طويلًا.

ويمكن تشبيه «الأوراسية» الصينية الحديثة بالنماذج الآسيوية السابقة، لكنها أقوى بطبيعتها وأكثر تأثيرًا على شعوب آسيا الوسطى والشرق الأوسط والقوقاز وجنوب آسيا.

ويرى الكاتب أن الصينيين يمتلكون ما كان يفتقر إليه البدو، عدد كبير من السكان والتقدم التكنولوجي ومراكز إنتاجية اقتصادية وأدوات قوية للقوة الناعمة. لذلك من المرجح أن تكون مبادرة الحزام والطريق أكثر نجاحًا واكتمالًا.

علاوة على ذلك، وعلى عكس أسلافهم الآسيويين، الذين غزوا الأراضي الكبيرة بسرعة، يتميز صينيو اليوم بالصبر الكبير فيما يتعلق بأهدافهم الجيوبولتيكية. وأي تسرع يمكن أن يؤدي إلى نشوء تحالف من القوى التي قد تحول دون نجاح مبادراتهم. ونظرًا لأن الصينيين يعملون عن كثب مع دول عدة لحماية طرق التجارة الأوراسية، فمن غير المرجح أن يكون هناك تدهور سريع في الأمن في أي جزء من مبادرة الحزام والطريق.

ويختم الكاتب مقاله بقوله إن مبادرة الحزام والطريق، التي تتفوق بوضوح على جميع المبادرات الآسيوية العالمية السابقة، تعكس فهمًا بدويًا للجغرافيا الأوراسية مقترنا برؤية صينية للقارة تتجاوز نماذج التحالف العسكري أو الشروط الأمنية المغلقة بين مجموعة من الدول. كما تبرز المبادرة فكرة بكين عن الترابط الاقتصادي المتوافق مع مركزية الصين في أوراسيا.

كيف تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة خطة «طريق الحرير الجديد» الصينية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد