على مدى 40 عامًا كانت أمريكا والصين لديهما ارتبط اقتصادي غير واعٍ.

كتب توماس فريدمان مقال رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» خلص فيه إلى أن الصين والولايات المتحدة تتجهان للانفصال، ويرى أن فترة حكم الرئيس شي جين بينج شهدت تداعي تلك العلاقة بسبب تجاوزات الصين في عدة مناطق من العالم وتنمرها بعدد من الدول، أما الحل من وجهة نظر الكاتب فيكمن في قدرة أمريكا على بناء تحالفات أخرى في مواجهة الصين.

يستهل فريدمان مقاله بالحديث عن «قصتي المفضلة في كتاب جون بولتون عن بيت المرح الخاص بترامب – آسف أقصد البيت الأبيض – هو أن الرئيس ترامب ناشد الزعيم الصيني أن تشتري بلاده المزيد من المنتجات الزراعية الأمريكية من أجل دعم تصويت المزارعين لترامب وإعادة انتخابه».

دولي

منذ أسبوع
الكتاب الذي حاول ترامب منعه.. قراءة شاملة في كتاب بولتون المثير للجدل

«يا دونالد: كف عن التسول»

يخاطب فريدمان الرئيس الأمريكي قائلًا: يا دونالد: كف عن التسول. لقد قرر كل من شي جين بينج وفلاديمير بوتين أن يصوتا لك. لا تقلق! إنهما يعرفان أنه طالما بقيت أنت رئيسًا، فستكون أمريكا في حالة من الاضطرابات. بالنسبة لشي، يعني هذا أننا أقل من منافس اقتصادي هائل، وبالنسبة لفلاديمير، يعني هذا وجود نموذج ديمقراطي أقل جاذبية لشعبه. وهما أيضًا يعرفان أنه طالما بقيت أنت رئيسًا؛ فلن تستطيع الولايات المتحدة أبدًا أن تبعث الحماس في ائتلاف عالمي من الحلفاء ضدهما، وهو أكثر ما تخشاه الصين بشأن التجارة وحقوق الإنسان و(كوفيد-19)، وأكثر ما تخشاه روسيا بشأن أوكرانيا وسوريا.

ويتابع فريدمان: لا تأخذ هذه المعلومات مني. بل استمع إلى ما قاله زو شياومينج، وهو مفاوض تجاري سابق ونائب السفير في جنيف، لبيتر مارتن من وكالة بلومبرج: «إذا ما انتُخِب بايدن، أعتقد أن هذا سيكون أكثر خطورة على الصين؛ لأنه سيعمل مع الحلفاء لاستهداف بكين، بينما يدمر ترامب تحالفات الولايات المتحدة».

وأفاد مارتن بأن المسؤولين الصينيين ينظرون إلى جبهة موحدة بشأن التجارة أو حقوق الإنسان تقيمها الولايات المتحدة وحلفائها على أنها «أكبر أصول واشنطن لكبح جماح النفوذ الصيني المتسع»، وسلوك ترامب يضمن أن هذه الجبهة لن تتحقق أبدًا.

القصة الحقيقية وراء العلاقة الصينية – الأمريكية

ولكن بينما قد تفكر الصين أنها ليس لديها ما تخشاه والكثير مما تكسبه من فوز ترامب على جو بايدن، إلا أن القصة الحقيقية للصين والولايات المتحدة يجب أن تكون سببًا للقلق في بكين.

والقصة الحقيقية هي أن مكانة الصين بالنسبة لأمريكا هي أدنى من أي وقت مضى منذ حادث ميدان تيانانمن في عام 1989. القصة الحقيقية هي أنه إذا كانت الصين تشتري المزيد من البقوليات وطائرات البوينج من أمريكا، فإن هذا لن يحل مشاكل بكين. السؤال الحقيقي الذي يجب على الصينيين أن يوجهوه لأنفسهم ليس هو من سيكون رئيس أمريكا المقبل، ولكن بالأحرى: «من الذي خسر أمريكا في الصين؟».

يردف الكاتب: لأن القصة الحقيقية هي أن الولايات المتحدة والصين تتجهان إلى الطلاق. وربما تكتفي أوراق الطلاق بالقول إن السبب كان «اختلافات تستعصي على التوفيق بينها». ولكن الأم والأب واعيان. إنهما يطلقان، بعد 40 عامًا من كونهما زوجًا واحدًا ونظامين، لأن الصين تجاوزت في أهدافها بصورة سيئة بينما كانت أمريكا متدنية الأداء على نحو سيئ.

سواءً كنت تحب ذلك أو تكرهه، يعترف فريدمان بأن الشراكة الأمريكية الصينية – التي صيغت بين عامي 1979 و2019 – قدمت الكثير من الرخاء للكثير من الناس والكثير من السلام النسبي للعالم، ونحن سنفتقدها عندما تختفي.

ارتباط اقتصادي غير واعٍ

يصفها المقال بأنها «كانت فترة من الارتباط الاقتصادي غير الواعي». وعلى نحو منتظم خلال تلك الفترة، وبصورة أسرع منذ انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، كان بوسع أي رائد أعمال أمريكي أن يستيقظ من النوم ويقول «أريد الشراء من هذه الشركة الأمريكية» ويمكن لأية جامعة أمريكية أن تقول: «أريد أن أفتح فرعًا للجامعة في الصين»، ويمكن لأية شركة تكنولوجيا أمريكية أن تقول: «أريد أن أفتح معمل أبحاث في الصين أو أوظف عالمًا صينيًا».

وكان يمكن لأي طالب صيني أن يقول: «أريد الدراسة في أمريكا»، وأية شركة صينية تمتلك المؤهلات يمكنها أن تقول: «أريد أن أدرج في بورصة نيويورك» أو «استثمر في شركة أمريكية أو أشتريها».

هذه العقود الأربعة من الارتباط غير الواعي أضرت ببعض العمال، وأفادت آخرين كثيرين، لا سيما المستهلكين. كذلك حدت من التنافس الطبيعي بين أقوى دولة في العالم وأهم قوة صاعدة ومكنتهما من التعاون بشأن المشاكل العالمية، مثل التغير المناخي وما بعد أزمة 2008 الاقتصادية.

العلاقة ستكون مليئة بالشك

لكن هذه الأربعين عامًا من الارتباط غير الواعي وصلت لنهايتها. سنستمر في التجارة وننخرط دبلوماسيًا وسيذهب السياح ويجيئون وسوف تتطلع الشركات الأمريكية للعمل في سوق الصين الكبير لأنهم يجب أن يفعلوا ذلك لكي يستمروا على قيد الحياة. ولكن الارتباط غير الواعي انتهى. ومن هنا فصاعدًا، سيكون العلاقة أكثر تحوطًا، والفرص ستكون أكثر تقييدًا، وستكتسي العلاقة أكثر بالشك الواعي، والضغوط من أجل الاكتفاء الذاتي، والخوف من أن صدعًا يمكن أن يتمزق في أي وقت. ومقارنة بالأربعين عامًا المنصرمة، سيبدو الأمر مثل الطلاق.

ولاحظ جيم ماكريجور، رئيس فريق أبكو وورلد وايد للصين الكبرى وهو فريق استشارات تجارية، أن «الطرفين يقولان (لقد سئمنا منكم)». وكما قال ترامب في تغريدة الأسبوع الماضي: لدى الولايات المتحدة خيار «الانفصال الكامل عن الصين».

غير أن الطرفين لا يمكن توجيه اللوم لهما بالتساوي. ذلك أن فترة شي في العلاقات الأمريكية – الصينية والتي بدأت عام 2012 قادت العلاقة على نحو منتظم نحو الانحدار. وبلغت الصين حد الشطط في عدد موسع من القضايا.

مخالفات الصين التجارية

يقول توماس فريدمان: لنبدأ بالتجارة. على مدى سنوات، ظنت الشركات الأمريكية أن لديها حصة كافية من السوق داخل الصين حتى أنهم كانوا يتسامحون مع سرقة الملكية الفكرية والانتهاكات التجارية الأخرى التي تنخرط فيها الصين. ولكن خلال العقد الأخير، بدأت الصين في التجاوز، وبدأت الغرفة التجارية الأمريكية في الصين تشكو بصوت أعلى وأعلى. وتدريجيًا بدأ كثيرون في مجتمع الأعمال الأمريكي، والذي كان يقوم بدور ممتص الصدمات الرئيس في العلاقة، في تأييد نهج دونالد ترامب المتشدد (بالرغم من أنهم لا يحبون دفع رسوم).

الصين والتنمر بالدول

يكمل فريدمان حديثه عن الطلاق الوشيك: منذ تولي شي السلطة، جعل نفسه فعليًا رئيسًا مدى الحياة، وأحكم سيطرة الحزب الشيوعي على كل الأمور، وقلص وصول الصحافيين الأمريكيين الذين يعملون في الصين تقليصًا حادًا، وأصبحت الصين أكثر عدوانية في إسقاط قوتها عبر بحر الصين الجنوبي، وأصبحت أكثر تركيزًا على دعم شركات التكنولوجيا الناشئة لديها لكي تهيمن على الصناعات الرئيسة بحلول 2025.

وتفرض الصين قانونًا جديدًا للأمن الوطني للحد من الحريات الراسخة في هونج كونج، كما زادت من تنمرها بتايوان، واتخذت منهجًا عدوانيًا للغاية نحو الهند، وكثفت من اعتقالها لللإيجور المسلمين في إقليم شينجيانج، وسجنت كنديين بريئين لكي تقايضهما بسيدة أعمال صينية محتجزة، ثم هاجمت الدول التي تجرأت وطالبت بإجراء تحقيق مستقل حول ملابسات ظهور فيروس كورونا المستجد في ووهان.

وبعد أن دعا رئيس الوزراء الاسترالي لإجراء مثل ذلك التحقيق في أبريل (نيسان)، هدد السفير الصيني في أستراليا بصلافة بالانتقام الاقتصادي، وبعد أسابيع قليلة أوقفت الصين واردات اللحوم والشعير من الشركات الأسترالية، متعللة بمخالفات صحية وتجارية زائفة.

هذا هو نوع التنمر الفج الذي ساعد في تجريد الصين فعليًا من كل حليف لديها في واشنطن؛ وهم حلفاء لسياسة تقول في الأساس: «لدينا نظم مختلفة، ولكن دعونا نبنِ جسورًا مع الصين أينما أمكن، والانخراط معها حيثما كان ذلك مفيدًا للطرفين، ووضع خطوط حمراء عند الضرورة».

مواصفات النهج السياسي المتوازن

يقول فريدمان: إن نهج السياسة المتوازنة يتعين دائمًا أن يحتوي التوترات الخطيرة والقبح والاختلافات حول القضايا، ولكنه في النهاية يقدم فائدة متبادلة كافية لكي يستديم لمدة 40 عامًا. هذا التوازن الآن غير موجود بقدر ما يعني الأمر الكثير من الأمريكيين. وأنا واحد منهم.

وكما كتب أورفيل شيل، وهو واحد من أكثر المدافعين عن هذا النهج المتوازن عقلانية، في مقاله المنشور منذ بضعة أسابيع في موقع «ذا واير تشاينا دوت كوم»: «اليوم فيما تواجه الولايات المتحدة أكثر الدول خصومة ممثلة في جمهورية الصين الشعبية خلال سنوات، يبدو إطار سياسة الانخراط الهش دائمًا كما لو كان قضية محروقة… إذ أظهر استطلاع أجرى مؤخرًا لمركز «بيو» أن 26٪ فقط من الأمريكيين ينظرون إلى الصين نظرة إيجابية، وهو أقل عدد منذ بدء استطلاعاته في عام 2005».

ولكن إذا كانت الصين قد تجاوزت على نحو متزايد، فإن أمريكا كانت متدنية الأداء على نحو متزايد، كما يعترف فريدمان. ولا يقتصر الأمر على أن الصين – كما ورد في التقارير – لديها أقل من 5 آلاف حالة وفاة، بينما أمريكا لديها أكثر من 120 ألف، وأن الفيروس بدأ هناك. 

وليس الأمر أن الرحلة تستغرق نحو 22 ساعة على قطار لشركة «أمتراك» لكي يتوجه المرء من نيويورك إلى شيكاغو، بينما تستغرق الرحلة 4.5 ساعة في القطار الفائق السرعة من بكين إلى شنغهاي، وهما على مسافة أبعد قليلًا. وليس الأمر أن الجائحة قد عجلت بتحول الصين إلى مجتمع رقمي بلا نقد.

تفريط أمريكا في مصادر قوتها الحقيقية

الأمر الأكثر أهمية في رأي الكاتب هو «أننا قللنا الاستثمار في المصادر الحقيقية لقوتنا، وهي البنية التحتية والتعليم والأبحاث العلمية الممولة من الحكومة والهجرة والقواعد الصحيحة لحفز الاستثمار المنتج ومنع التورط في المغامرات المفرطة. وتوقفنا عن استخدام أكبر ميزة لنا إزاء الصين، وهي أننا لدينا حلفاء يشاركوننا قيمنا، أما الصين فليس لديها سوى زبائن يخشون غضبها.

دولي

منذ 3 أسابيع
«ناشيونال إنترست»: عكس ما يبدو.. كيف تساعد إدارة ترامب الصين؟

ويتابع المقال: إذا التأم شملنا بحلفائنا، يمكننا بصورة جماعية أن نؤثر على الصين لقبول قواعد جديدة في التجارة و(كوفيد-19) وعدد من القضايا الأخرى. ولكن ترامب رفض أن يفعل ذلك، ليجعل كل شيء إما اتفاقًا ثنائيًا أو قتالًا مع شي. ولذا فإن الصين تقدم الآن ما يعرف بصفقات الحبيب للشركات الأمريكية والشركات الأجنبية الأخرى لكي تأتي إلى الصين أو تظل فيها، وسوقها الآن ضخم للغاية، بحيث يصعب على الشركات مقاومته.

ويلخص ماكجريجر من أبكو وورلد تلك العلاقة اليوم بالقول: «لا أدري إذا كان الصينيون يأخذون أمريكا على محمل الجد بعد الآن. إنهم سعداء بأن يتركونا نستمر في الإضرار بأنفسنا. علينا أن نستيقظ وننضج»، وأن نتعاون مع حلفائنا. الصين تحترم شيئًا واحدًا فقط: النفوذ. واليوم ليس لدينا الكثير منه، أما الصين فلديها الكثير جدًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد