مع تداعي لبنان، الذي يعتبر مركزًا ذا طابع غربي، تتحوَّل الأنظار شرقًا بحثًا عن طوق نجاة.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا لأنشال فوهرا، الصحافية التي تغطي من بيروت شؤون الشرق الأوسط وجنوب أسيا، حول المتاعب الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، وما إذا كان يمكن للبلاد أن تتجه شرقا إلى الصين بحثًا عن طوق نجاة، وما يمكن أن يسفر عن ذلك بالنسبة للبنانيين الذين لا يتطلعون فحسب إلى حل لمشاكلهم الآنية، بل يريدون إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يحول دون تكرار معاناتهم في المستقبل.

تستهل الكاتبة مقالها من المطعم الصيني الصغير في بيروت، وهو أشهر مكان يقدم الطعام الصيني الأصيل، ونقطة تجمع للأشخاص ذوي الأصول الصينية الذين يقصدونه بانتظام، ويعدُّ كذلك رمزًا لدور الصين الهامشي في الحياة اللبنانية بصفة عامة.

عربي

منذ شهر
«الجارديان»: اللبنانيون يبيعون أثاثهم من أجل الطعام.. إلى أين وصلت الأزمة؟

تقول أنشال فوهرا: إذا ما أتيح لأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أن يحقق ما يريد؛ فقد يتغير هذا الوضع قريبا. إذ أعلن نصر الله في خطاب متلفز مؤخرًا أن لبنان يتعين عليه أن «ييمم وجهه شرقًا» صوب الصين بحثًا عن الخلاص من الأزمة التي يمر بها حاليًا. وكان مضمون ذلك واضحًا: على لبنان ألا يتطلع إلى صندوق النقد الدولي. وبذلك ترك نصر الله مستمعيه من اللبنانيين في حالة من الارتباك.

ومدى الأزمة واضح؛ إذ هبط اقتصاد البلاد إلى مستويات كارثية خلال الأسابيع الأخيرة، ولكن اللبنانيين، بمن فيهم بعض أكثر المحافظين رجعية، لطالما أدركوا أن بلدهم يعتبر مركزًا للقيم والنفوذ الغربي في الشرق الأوسط، كما يذكر المقال.

غير أن نصر الله ليس الوحيد بين صناع السياسة اللبنانيين الذين يعتقدون أن بلاده قد لا يكون لديها خيار في وقت قريب سوى الدوران في فلك الصين على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وإذا حدث ذلك، يمكن أن يمثل فصلًا جديدًا يلفه الغموض في تاريخ البلاد، كما يقول المحللون السياسيون الذين استطلعت المجلة آراءهم.

لبنان.. على خطى زيمبابوي وفنزويلا

تجتاح الفوضى الاقتصاد اللبناني، مما يهدد البلاد بالانزلاق إلى كارثة اقتصادية خطيرة، على غرار ما حدث في زيمبابوي أو فنزويلا. فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019 خسرت الليرة اللبنانية 80% من قيمتها، وهبطت من سعر الصرف المحدد بنحو 1500 ليرة مقابل الدولار إلى 8 آلاف ليرة الأسبوع الماضي في السوق السوداء.

وأصبحت الرواتب بالعملة المحلية لا قيمة لها، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى ثلاثة أضعاف. وأضر ارتفاع أسعار الغذاء (بما فيها سعر الخبز) بالطبقات الوسطى والدنيا أضرارا جسيمة، وأصبح انقطاع الكهرباء أمرًا متكررًا، حسبما يشير المقال.

وبدأ بعض اللبنانيين اللجوء إلى المقايضة، بينما يلجأ الشباب والعاطلون عن العمل إلى إجراءات يائسة من أجل كسب لقمة العيش. وتذكر الكاتبة أن خريجًا يبلغ من العمر 24 عامًا راح مؤخرًا ينتقل من متجر إلى آخر في سوق يتردد عليه الأجانب وسط بيروت من أجل بيع عصير البرتقال، وهو يسأل الجميع في حزن «مرحبًا، ساعدني، من فضلك».

 Embed from Getty Images

النخبة الحاكمة.. أكبر حجر عثرة في طريق الإصلاح

غير أن النخبة الحاكمة في لبنان تتلكأ في اتخاذ قرار بشأن الإصلاحات السياسية والاقتصادية الكفيلة بالحد من الفساد وإعادة هيكلة البنوك المدينة، وهي إجراءات ضرورية للحصول على حزمة إنقاذ تبلغ 10 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

وقال دبلوماسيان أوروبيان لمجلة «فورين بوليسي»: «إن الانقسام بين الفصائل السياسية اللبنانية هو السبب في تعثر قرض صندوق النقد الدولي حتى الآن». وفي الأسبوع الماضي استقال ألين بوفاني، وهو أحد كبار مفاوضي لبنان في صندوق النقد الدولي، من موقعه البارز في وزارة المالية.

ونقل عنه قوله: إنه وصل «إلى طريق مسدود» مع النخبة السياسية والمالية. وأضاف أن أصحاب المصالح الخاصة يقفون حجر عثرة في طريق التغيير؛ لأن أية عملية إنقاذ تستهدف خفضًا يصل إلى 3 مليارات دولار من الحسابات المصرفية التي يحتفظ بها أغنى الأشخاص في البلاد.

والكثير من اللبنانيين يتحدون الخفض الذي طبق بحكم الأمر الواقع منذ فرضت البنوك ضوابط على رأس المال في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 ورفضت أن تسمح لهم بسحب أموالهم. وبعد عدة أيام من استقالة بيفاني، عُلِّقَت المحادثات مع صندوق النقد الدولي كلية.

أمريكا.. بوابة لبنان إلى صندوق النقد الدولي

من الدول القليلة التي يمكن أن تتوسط على نحوٍ مثمر بين صندوق النقد الدولي ولبنان هي: الولايات المتحدة، وهي حليف تقليدي للبنان وأكبر مساهم في الصندوق.

Embed from Getty Images

الرئيس اللبناني ميشال عون مع قائد القيادة المركزية بالجيش الأمريكي الجنرال كينيث ماكنزي 

ولكن في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الأزمة اللبنانية، كثفت الجهات الفاعلة السياسية في كل من لبنان والولايات المتحدة من الحرب الكلامية المتبادلة. إذ ألقى حزب الله باللوم على الولايات المتحدة في وقف تدفق الدولارات عن عمد إلى لبنان، بينما اتهم الأمريكيون حزب الله بتكديس الدولارات والتهريب على نطاق واسع.

وفي الأسبوع الماضي، وبخ قاضٍ لبناني السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا بعد أن انتقدت حزب الله. وقال: إنها «تحرض الشعب اللبناني ضد بعضه البعض». وفي تحرك غير مسبوق، حظر على وسائل الإعلام إجراء مقابلات معها لمدة عام. وأضاف أن أية مخالفة لذلك ستكون عقوبتها غرامة 200 ألف دولار. (وفي مظهر من مظاهر التحدي، استضافت عدة قنوات تلفزيونية السفيرة على الهواء في المساء نفسه).

وحرمت الولايات المتحدة، بفرضها عقوبات قانون قيصر على النظام السوري، الاقتصاد اللبناني أيضًا من الاستفادة من أية عمليات إعادة إعمار في الدولة المجاورة له.

الصين تغازل لبنان

في الوقت نفسه، تنتظر الصين، التي ليس لها وجود سياسي تاريخي كبير في المنطقة، حتى تجد فرصة سانحة، متأهبة لتحل محل الولايات المتحدة باعتبارها الجهة الفاعلة الخارجية المهيمنة في البلاد. وتحاول الشركات الصينية إطلاق مشاريع ضخمة في لبنان منذ ما يقرب من عقد، وهي تتحرق شوقًا للاستثمار في البنية التحتية اللبنانية على وجه الخصوص. كما أن 40% من واردات لبنان تأتي بالفعل من الصين.

وخلال السنوات القليلة الأخيرة، عززت بكين علاقاتها الثقافية ببناء مركز موسيقى جديد في بيروت. وأرسلت الصين مساعدات عسكرية أثناء حرب لبنان في عام 2006 ضد إسرائيل، كما نشرت قوات حفظ سلام بعد ذلك.

وأثناء جائحة كورونا، مارست بكين الدبلوماسية الناعمة، ووفرت المساعدة الطبية، بما فيها أدوات الاختبار. وفي ذروة تفشي فيروس كورونا في لبنان، عقد كبار أطباء لبنان مؤتمرات عبر الهاتف مع نظرائهم الصينيين للحصول على معلومات ومعرفة أفضل السبل للتعامل مع الأزمة الصحية.

تضيف الكاتبة: قليلون هم من يعتقدون أن المبادرات الصينية للانفتاح على لبنان ستغير الحسابات الأساسية لصناع السياسية اللبنانية؛ بالنظر إلى اعتماد النظام المصرفي اللبناني على الدولار الأمريكي، والتحويلات من المغتربين اللبنانيين في الغرب.

ولكن لبنان يبدو يائسًا الآن بما يكفي لاستكشاف أي مساعدة يمكن أن تقدمها بكين. ففي أعقاب اقتراح حزب الله بالتحول إلى الاستثمارات الصينية – بدلًا عن حزمة الإنقاذ التي يقدمها صندوق النقد الدولي – باعتبارها العلاج لأزمة لبنان الاقتصادية، التقى رئيس وزراء لبنان بالسفير الصيني سعيًا للحصول على مساعدة من الصين وتوسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين.

الحذر من فخاخ الديون الصينية

تتابع الكاتبة: يعود اهتمام الصين بالشرق الأوسط إلى مبادرة الحزام والطريق التي ترمي إلى توسيع نفوذ الصين في أنحاء العالم من خلال الصلات الاقتصادية. وتريد الصين إحياء الطرق ووصلات السكك الحديدية التي بليت من زمن بين بيروت وطرابلس على ساحل البحر المتوسط ومدينتي دمشق وحمص السوريتين، وما بعدهما كجزء من شبكة بنية تحتية أوسع تسيطر عليها عبر أوراسيا. وسيكون تقليص النفوذ الأمريكي في لبنان بمثابة مكافأة لها.

Embed from Getty Images

بعض اللبنانيين تغريهم آمال الدخول في شراكة مع الصين التي تتمتع بالحيوية والمرونة. ولكن الكثير من المراقبين السياسيين، بمن فيهم البعض في الحكومة، يتبنون موقفًا أكثر حذرًا، انطلاقًا من إدراكهم للاستغلال المحتمل.

وتحدث عضو في البرلمان إلى مجلة «فورين بوليسي» شريطة عدم الكشف عن هويته، قائلًا: إنه يشك فيما إذا كان لبنان «المتأمرك» يمكن أن يحتضن الصين، إذا كان ذلك يستلزم تفكيك العلاقات مع الولايات المتحدة. وأضاف: «علينا أن نقيِّم استعداد اللبنانيين أولًا. وما إذا كانت الشروط الصينية ستكون مقبولة».

وعلى الرغم من أن وزير العمل اللبناني السابق، كميل أبو سليمان، يرحب بالاستثمارات الصينية من حيث بالمبدأ، إلا أن بكين باتت معروفة بسوء السمعة في نصب ما يسمى بفخاخ الديون؛ أي تقديم قروض سريعة لبناء البنية التحتية في الدول المتخلفة، ولكن بأسعار فائدة عالية على نحو غير معتاد.

وعندما تفشل الدولة في دفع ديونها، تقوم الصين ببساطة بالسيطرة على أصولها. وأضاف سليمان: «لا أعتقد أن لبنان يمكن أن ينهض على قدميه بدون برنامج من صندوق النقد الدولي».

الصين تشتري الدعم السياسي بالديون

يتبنى المحلل السياسي اللبناني سامي نادر وجهة نظر مماثلة قائلًا: «الاستثمارات الصينية سوف تظهر عائداتها خلال خمس إلى ست سنوات. وبحلول هذا الوقت سيكون لبنان قد مات. نحن بحاجة إلى سيولة الآن، نحتاج إلى قرض من صندوق النقد الدولي وكيف تتوقع الصين منا أن نسدد؟».

وقال الخبير البارز في الشؤون السياسة الخارجية الصينية شين دينجلي إن بكين لا تحتاج أن تسدد كل دولة ساعدتها القرض، ويمكن أن تتحمل أن تكون قوة ناعمة لتوسيع نفوذها عالميًا.

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
على خُطا دول أفريقيا المفلسة.. هل يسقط لبنان في «فخ الديون» الصينية؟

وأضاف شين «عندما كنا فقراء ساعدتنا الولايات المتحدة. نحن نتذكر ذلك. والآن نحن في موقع يمكننا من مساعدة الآخرين»؛ مما يعني أن الصين تستعد لتتولي دور الولايات المتحدة. وتابع قائلًا: «يمكننا أن نهب عدة ملايين من الدولارات للدول، التي تعد على سبيل المثال، بأن تدعمنا دوليًا فيما يتعلق بقضية تايوان».

وبالنسبة لأولئك الذين يحتجون في شوارع لبنان، فإن الأولوية لا تتعلق بالنجاة الآن، ولكن إصلاح المؤسسات ضد الفساد لضمان ألا تنزلق البلاد سريعًا إلى المأزق ذاته مرة أخرى. وبالنسبة لهم، فإن المساعدة من الصين – المعروفة منذ فترة طويلة بالتغاضي عن سوء تصرف السياسيين الأجانب الذين تقرضهم الأموال – تبدو هي الخيار المتاح الأقل جاذبية. غير أن اللبنانيين أيضًا على وعي شديد بأن عقارب الساعة تلاحقهم، وأن وقتهم ينفد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد