كتب خافيير هيرنانديز في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا بعنوان «عند ضفاف البحيرة المقدسة.. الصينيون يعلنون عن حبهم للرئيس الصيني والحزب الشيوعي»، كشف فيه عن دخول ملايين الصينيين إلى مرحلة غير مسبوقة من «تقديس» الحاكم والحزب الشيوعي الذي يحكم البلاد منذ عام 1949.

يبدأ الكاتب مقاله برسم صورة شاعرية لأحد المتاحف الصينية، وبالتحديد من قاعة النصب الثوري التذكاري في متحف نانهو في مدينة جياشينغ، حيث يأتي بعض الصينيين لزيارة المكان من أجل التزود بشحنة عاطفية، بينما يأتي البعض الآخر للتمتع بترديد الأغاني الوطنية، ويحتشد الجميع في المكان رافعين قبضة أيديهم مرددين قسم الولاء للحزب الشيوعي الصيني، في مشهد يهدف إلى إظهار قوة دولة الصين في القرن الحادي والعشرين.

بحيرة نانهو.. مكان مقدس لدى الصينيين

يقول الكاتب إن ليو يوان رونج، العضو العتيد في الحزب الشيوعي الصيني، أعرب لأحد أصدقائه عن قلقه من حرب الصين التجارية مع الولايات المتحدة، ومن تصاعد الناشطين المؤيدين للديمقراطية في مقاطعة هونج كونج، فما كان من صديقه إلا أن نصحه بأن «يذهب إلى بحيرة نانهو»، مهد الشيوعية الصينية في شرق الصين، والتي أصبحت في السنوات الأخيرة ملاذًا روحيًا لأعضاء الحزب الذين يزيد عددهم عن 90 مليونًا.

استمع ليو، تاجر الإلكترونيات البالغ من العمر 57 عامًا من جنوب الصين، لنصيحة صديقه وتوجه في أحد الأيام لتلك البقعة، الواقعة بالقرب من غابة من أشجار الصنوبر، حيث وقف ممشوق القامة منتصبًا، رافعًا قبضته في الهواء في هيئة المنتصر، وردد القسم قائلًا: «أتعهد بتكريس حياتي للدفاع عن الشيوعية. أتعهد بالتضحية بكل شيء من أجل الحزب».

ويلقي الكاتب الضوء على بحيرة نانهو، التي استضافت المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الصيني منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ما جعلها ذات مكانة خاصة في تاريخ الشيوعية.

وفي حقبة الرجل القوي، الرئيس الحالي شي جين بينج، الرئيس السابع لجمهورية الصين الشعبية، اكتسبت البحيرة مكانة جديدة باعتبارها مكانًا للقاء السياح الوطنيين – من الطلاب والعاملين في المستشفيات ورجال الأعمال في مجال التكنولوجيا – للإعلان عن حبهم للحزب وللرئيس شي جين بينج.

ويأتي الآلاف من الناس إلى بحيرة نانهو ومتحفها، المشهور بقاعة نانهو التذكارية، كل يوم، وهذا الأمر، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة الأنباء الصينية، يُعد بمثابة دليل على تعاظم القومية في الصين تحت حكم الرئيس شي جين بينج، الذي أسهمت زيارته إلى البحيرة منذ عامين في حدوث موجة من السياحة، حيث زارها العام الماضي أكثر من مليون زائر.

ينقل المقال عن يانج جين بينج، وهي أم وربة منزل، قولها: «نعتقد أن هذا المكان مقدس».

وبينما تواجه الصين توترات تجارية مستمرة مع الولايات المتحدة وحالة اقتصاد متباطئ، يأتي كثير من الصينيين إلى البحيرة بحثًا عن شحنة عاطفية، فتراهم يغنون الأغاني الوطنية، ويرددون شعارات الرئيس شي جين بينج حول «الحلم الصيني»، ويتذكرون سير الأبطال الثوريين.

وفي هذا السياق، قال ليو: «نريد أن نظهر امتناننا للحزب، وأن نتذكر أن الصين يمكن أن تكون قوية فقط في ظل حزب قوي».

ويشير الكاتب إلى أن تجربة الزيارة تتوج بزيارة الجدار البالغ طوله 161 قدمًا المُزدان بعلم يحمل رمز المطرقة والمنجل الخاص بالحزب الشيوعي، حيث يطبق الزائرون قبضاتهم ويؤدون قسم الولاء للحزب، وهو تقليد شيوعي عاود الظهور باعتباره طقسًا شعبيًّا في عهد الرئيس الحالي شي جين بينج، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس الحزب.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
مترجم: دور الصين المتنامي في المنطقة العربية.. هل تستبدل أمريكا قريبًا؟

متحف البحيرة.. الصين بين عصرين

يذكر الكاتب أنه في عام 1921، عقد ماو تسي تونج ومجموعة صغيرة من الثوار أول اجتماع للحزب على متن قارب في وسط البحيرة، بعد أن طاردتهم الشرطة من شنغهاي، على بعد حوالي 60 ميلًا شمال شرق البلاد. ويُعرف هذا القارب في جميع أنحاء الصين بـ«القارب الأحمر».

وفي المتحف الذي شُيد في البحيرة، عندما كان شي جين بينج هو المسؤول الرسمي للحزب في مقاطعة تشجيانج، عُرض تاريخ الحزب الشيوعي من جديد في شكل رواية مُنتقاه بعناية.

Embed from Getty Images

وأُقيم داخل المتحف معارض عن «قرن الإذلال الوطني» للصين على أيدي القوى الأجنبية، وانتشار الماركسية في الصين وتأسيس الزعيم ماو تسي تونج لجمهورية الصين الشعبية في عام 1949.

وخُصص الطابق العلوي في المتحف لتقديم عرض برَّاق عن الرئيس شي جين بينج، أكثر قادة الصين نفوذًا وتأثيرًا منذ عهد الرئيس ماو تسي تونج. ولذلك، تذاع خطب الرئيس شي جين بينج على نحو متكرر، وتُعلق شعاراته على جدران الطابق، بما في ذلك كلمة تصفه بـ«قائد التجديد العظيم للأمة الصينية».

كما يوجد بالمتحف متجر للهدايا لبيع دبابيس الحزب الشيوعي والعملات التذكارية وشهادات عضوية الحزب.

ويوضح الكاتب أن شي جين بينج، الذي تولى السلطة في عام 2012، قاد عملية تجديد الاهتمام بتاريخ الحزب وإحياء تقاليده، بما في ذلك أداء القسم، وهو جزء من جهوده لتوسيع سيطرة الحزب على الحياة اليومية في الصين. ويرى النقاد أن الرئيس الصيني يعيد بلاده إلى عصور حكم الفرد ويغذي عبادة شخص الحاكم.

وخلال جولة في المواقع الثورية جرت في عام 2017 ، زار بينج والأعضاء الستة الآخرون في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، أعلى هيئة لصنع القرار في الصين، نصبًا تذكاريًا في شنغهاي، حيث قاد الرئيس عملية أداء قسم الولاء للحزب أمام علم عملاق. ووقف أعضاء المكتب السياسي في منتهى الثبات والجدية، رافعين قبضتهم رمزًا للاتحاد التام.

ثم توجه القادة إلى بحيرة نانهو، حيث زاروا نسخة طبق الأصل من القارب الذي عقد على متنه ماو والمؤسسون الآخرون للحزب اجتماعهم. وبعد الزيارة، تحدث «بينج» ووصف البحيرة بأنها واحدة من الأماكن التي «أبحر فيها حلم الحزب الشيوعي الصيني». وأضاف بينج: «لقد ولد حزبنا هنا، وبدأت رحلتنا هنا، ويعود حكمنا للبلاد طوال هذه السنين إلى هنا».

أداء القسم يمنح الناس قوة

يعتقد الكاتب أن مراسم أداء قسم الولاء أصبحت الآن نشاطًا شعبيًا لأعضاء الحزب في جميع أنحاء البلاد. فهذا التقليد أو الطقس يجري أداؤه أمام مقابر الأبطال الثوريين، وفوق الجبال التي عبرها ذات مرة الجيش الأحمر، وفي المدارس التي تُدرب مسؤولي الحزب.

يردد معظم الناس القسم المعتمد، على الرغم من وجود صيغ خاصة من هذا القسم يتلوها الذين يخدمون في الجيش أو الأعضاء في رابطة الشباب الشيوعي.
Embed from Getty Images

ويقول زوار بحيرة نانهو إن إشارة القبضة المرفوعة، المرتبطة منذ فترة طويلة بالقضايا اليسارية، تعبر عن شعور بالصمود والجَلَد، وهو الأمر الذي يناسب تمامًا صعود الصين باعتبارها قوة عظمى.

ويعتبر الزوار هذا التقليد بمثابة مصدر للأمل في وقت تواجه فيه الصين سلسلة من التحديات.

يقول لي دونغهاو، موظف السكك الحديدية البالغ من العمر 22 عامًا، والذي شارك في جولة تعليمية وطنية نظمتها جهة عمله، وهي شركة مملوكة للدولة: «إن أداء القسم يمنح الناس قوة». وتطبيقًا لهذا المفهوم، قام لي دونغهاو هو ومجموعة صغيرة من زملائه، الذين كانوا يرتدون القمصان البيضاء المُزدانة بدبابيس الحزب الحمراء، برفع علم أحمر أمام الجدار التذكاري وأدوا قسم الولاء.

وفي وقت لاحق، كتب لي دونغهاو لرؤسائه تقريرًا يتكون من 1400 حرفًا عن رحلته، قائلًا إن الرحلة علمته المعنى الحقيقي لـ«روح القارب الأحمر»، وهو المصطلح الذي استخدمه الرئيس شي جين بينج وزعماء الحزب الآخرون لتشجيع الجماهير على محاكاة نهج مؤسسي الحزب.

ويشير الكاتب إلى أن الكثيرين من زوار البحيرة يعتنقون نوعًا من القومية المتشددة بلا هوادة التي روج لها الرئيس شي جين بينج. ولذلك يرون أن المتظاهرين المناهضين للحكومة في مقاطعة هونج كونج عبارة عن مجموعة من مثيري الشغب، ويؤيدون بشدة الحشد العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبي، ويعتقدون أن الولايات المتحدة تحاول احتواء صعود الصين. وحينما يلتقون على ضفاف البحيرة، تسري فيهم روح الرغبة في الدردشة السياسية، ووضع تصور عن كيفس تربح الصين الحرب التجارية.

يقول جين تيانشاو (62 عامًا) وهو مدرس متقاعد جلس خارج المتحف: «سنتفوق على الولايات المتحدة، وهذا الأمر لا مجال للجدال فيه». ولهذا، يرى عديد من الزوار أن الرئيس شي جين بينج هو خيارهم الرئيسي لتحقيق هذا الهدف.

ويختم الكاتب مقاله بالحديث عن ليو يون لاي، ذلك الطالب الجامعي البالغ من العمر 20 عامًا، والذي قاد مؤخرًا صديقين له في جولة بالمتحف وجدار أداء القسم، حيث توقفوا لتجريب ما يسمى بنظارات الواقع الافتراضي التي تكشف للرائيّ ما بداخل القوارب التي استخدمت خلال اجتماع الحزب عام 1921. كانت هذه هي الزيارة الثانية لليو إلى البحيرة في غضون بضعة أسابيع، لأنه، كما قال، أراد أن يقتفي خُطا الرئيس شي.

يقول ليو: «منذ أن تولى العم شي – الكنية الشعبية للرئيس شي جين بينج- مقاليد السلطة، شهدت الصين تغييرات تزلزل الأرض». مضيفًا: «لقد جذبتني روح الشيوعيين. إنها أشبه بالإيمان. وفي الوقت الذي يؤمن الآخرون بالبوذية أو الطاوية، نؤمن نحن بالشيوعية».

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
مركز أبحاث إسرائيلي: الصينيون يكررون ما فعله المغول.. لكن بطريقة أفضل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد