نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا أعدته آمي كين، مراسلتها في بكين، حول المعاناة التي لم يسلَم منها حتى الأطفال الصغار في إطار الحملة التي تشنها الصين ضد مسلمي «الإيجور».

وذكرت آمي أن السلطات الصينية في مقاطعة «شينجيانج» انتزعت ما يقرب من نصف مليون طفل من أحضان عائلاتهم؛ بهدف غرس الولاء في عقولهم للصين وللحزب الشيوعي. 

تستهل مراسلة «نيويورك تايمز» تقريرها برصد معاناة طفلة في الصف الأول، اعتادت أن تكون متفوقة ومحبوبة في أوساط زميلاتها في الفصل، لكنها على الرغم من ذلك كانت مثقلة بحُزنٍ لا يفارقها، ولم يكن السبب وراء ذلك يمثل لغزًا بالنسبة لمعلمها. 

كتب المدرس على مدونته: «الأمر المفجع أكثر هو أن الفتاة كثيرًا ما تنهار على الطاولة فجأة، وتغرق في البكاء. وعندما سألتُ عنها، علمتُ أن السبب في نوبات حزنها هو: افتقادها لأمها».

وأشار المعلم إلى أن السلطات الصينية أرسلت والدة هذه الطالبة إلى معسكر اعتقال للأقليات العرقية المسلمة. أما أبوها فوافته المنية. وبدلًا عن السماح لمن بقي من أقاربها بتربيتها، وضعتها السلطات في مدرسة داخلية تديرها الدولة، وهي واحدة من مئات المنشآت التي افتتحت في منطقة «شينجيانج» أقصى غرب الصين. 

هدف الحملة: إضعاف تمسك «الإيجور» بتعاليم الإسلام

خلال السنوات الثلاث الماضية، أرسلت السلطات الصينية ما يصل إلى مليون شخص، من مسلمي عرقية «الإيجور» والكازاخستانيين وغيرهم، إلى معسكرات الاعتقال والسجون في شينجيانج. وهي عملية عشوائية تهدف إلى إضعاف التزام المواطنين بتعاليم الإسلام، كما تقول المراسلة.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن هذه الاعتقالات الجماعية أثارت غضبًا عالميًا، إلا أن الحكومة الصينية لم تأبَه بذلك، بل مضت قدمًا في جهود موازية استهدفت حتى أطفال «الإيجور»، كما يوضح التقرير. 

وفقًا لوثيقة نشرها موقع حكومي صيني، فصلت السلطات ما يقرب من نصف مليون طفل عن أسرهم، حتى الآن، ووضعتهم في مدارس داخلية. 

ويستهدف الحزب الشيوعي الحاكم تشغيل مدرسة أو مدرستين من هذا النوع في كل بلدة من بلدات شينجيانج البالغ عددها 800 بحلول نهاية العام المقبل، حسبما أورده تقرير «نيويورك تايمز».

ويصوِّر الحزب هذه المدارس كما لو كانت وسيلة لمحاربة الفقر، بحجة أنها تسهل على الأطفال حضور الفصول الدراسية إذا كان آباؤهم يعيشون أو يعملون في مناطق نائية أو غير قادرين على رعايتهم. 

صحيحٌ أن العديد من الأسر الريفية حريصة على إرسال أبنائها إلى هذه المدارس، خاصة عندما يكونون أكبر سنًا. لكن في نفس الوقت، فإن هذه المدارس مصممة أيضًا لاستيعاب وتلقين الأطفال في سن مبكرة، بعيدًا عن تأثير أسرهم، وفقًا للمخطط المنشور في عام 2017.

وغالبًا ما يُجبر الطلاب على التسجيل في هذه المدارس؛ لأن السلطات احتجزت والديهم وأقاربهم الآخرين، أو كلفتهم بوظائف في أماكن بعيدة عن محل سكنهم، أو قضت بأنهم لا يصلحون للوصاية على أبنائهم.

فلسفة الحملة: جيل جديد من الإيجور العلمانيين الأكثر ولاءً للحزب والدولة

توضح مراسلة «نيويورك تايمز» أن هذه المدارس محظورة على الغرباء، وتخضع لحراسة مشددة، ومن الصعب إجراء مقابلات مع السكان في «شينجيانج» دون تعرضهم لخطر الاعتقال.

لكن تظهر صورة مقلقة لهذه المؤسسات من خلال المقابلات التي أجريت مع أولياء الأمور «الإيجور» الذين يعيشون في المنفى، ومراجعة الوثائق المنشورة على الإنترنت، ومن بينها سجلات التوريد والإشعارات الحكومية وتقارير وسائل الإعلام التابعة للدولة ومدونات المعلمين في المدارس.

وتصف وسائل الإعلام التابعة للدولة والوثائق الرسمية التعليم بأنه عنصر رئيسي في حملة الرئيس شي جين بينج للقضاء على العنف المتطرف في «شينجيانج»، وهو جهد دؤوب بعيد المدى يشمل أيضًا معسكرات الاعتقال الجماعية، وإجراءات المراقبة الشاملة.

والفكرة من وراء هذا النهج تكمن في استخدام المدارس الداخلية كحاضنات لجيل جديد من «الإيجور» العلمانيين الأكثر ولاءً للحزب الحاكم والدولة الصينية.

ونقلت المراسلة عن أدريان زنز، الباحث في «مؤسسة ضحايا الشيوعية التذكارية» في واشنطن، الذي درس السياسات الصينية الرامية إلى تفكيك أسر «الإيجور» قوله «إن الإستراتيجية طويلة الأجل تتمثل في إخضاع الأجيال الشابة، وأسرها، واستمالتها منذ فترة مبكرة من حياتهم».

ولتنفيذ هذه الحملة الرامية إلى استيعاب الأطفال، جندت السلطات في «شينجيانج» عشرات الآلاف من المعلمين من جميع أنحاء الصين، والذين غالبًا ما يكونون من عرقية الهان الصينية، وهي العرقية المهيمنة على البلاد. وفي الوقت ذاته، سجنت الحكومة معلمين بارزين من «الإيجور»، وهددت المدرسين بإرسالهم إلى المعسكرات إذا أظهروا أية مقاومة.

Embed from Getty Images

قيود صارمة لـ«وقف تأثير الأجواء الدينية التي تحيط بالأطفال في المنزل»

يكمل التقرير أن السلطات الصينية تفرض على الأطفال في المدارس الداخلية قواعد صارمة داخل بيئةٍ نظامية، حتى ينغمسوا تمامًا في ثقافة غير مألوفة بالنسبة لهم، لا يُسمَح لهم بموجبها بزيارة العائلة سوى مرة واحدة فقط كل أسبوع أو أسبوعين؛ وهي القيود التي تهدف إلى «وقف تأثير الأجواء الدينية التي تحيط بالأطفال في المنزل»، وفقًا لوثيقة السياسة المنشورة في عام 2017.

يلفت التقرير إلى أن هذه الحملة التي تطبقها الصين ضد «الإيجور» تشبه السياسات التي اتبعتها كندا، والولايات المتحدة، وأستراليا في السابق، حين انتزعت أطفال السكان الأصليين من أحضان عائلاتهم ووضعتهم في مدارس، يتعلمون ويقيمون فيها، لاستيعابهم بالقوة.

ونقلت مراسلة «نيويورك تايمز» عن دارين بايلر، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كولورادو الذي يدرس ثقافة «الإيجور» ومجتمعهم، قوله: إن «الفارق الكبير في الحالة الصينية هو حجم الحملة ومنهجيتها».

من النادر إجراء نقاش عام في الصين حول الصدمة التي يتعرض لها أطفال «الإيجور» نتيجة انتزاعهم من أحضان عائلاتهم. وعادة ما تخضع أي إشارة لهذا الشأن على وسائل التواصل الاجتماعي لمقص الرقيب. وبدلًا عن ذلك، تركز وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة على أهداف الحزب في المنطقة، حيث تشكل الأقليات ذات الأغلبية المسلمة أكثر من نصف السكان البالغ عددهم 25 مليون نسمة.

ويذكر التقرير أن تشن كوانجو، كبير مسؤولي الحزب في «شينجيانج»، قام بزيارة إلى روضة أطفال بالقرب من مدينة كاشجار الحدودية هذا الشهر، وحث المعلمين على ضمان أن يتعلم الأطفال «حب الحزب، وحب الوطن، وحب الشعب».

«أخشى ما أخشاه أن تُلَّقن الحكومة فلذة كبدي كراهية والديه»

تواصل المراسلة سرد مأساة عائلات «الإيجور» قائلة: غادر «عبد الرحمن توهتي» شينجيانج مهاجرًا إلى تركيا عام 2013 تاركًا وراءه زراعة القطن التي كان يعمل بها إلى بيع السيارات المستعملة في إسطنبول. ولكن عندما عادت زوجته وطفلاه الصغيران إلى الصين في زيارةٍ قبل بضع سنوات اختفيا ولم يُعثَر لهما على أثر.

سمع أن زوجته ألقيت في السجن، مثل العديد من مسلمي «الإيجور» الذين سافروا للخارج ثم عادوا إلى الصين. كما اعتقل والداه أيضًا. أما مصير أطفاله فكان لا يزال لغزًا حتى وقت قريب. 

في يناير (كانون الثاني)، اكتشف عبد الرحمن ظهور ابنه البالغ من العمر أربع سنوات في مقطع فيديو سجله على ما يبدو أحد المدرسين، ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية. بدا كما لو أن الصبي في مدرسة داخلية تديرها الدولة، وكان يتحدث الصينية، وهي لغة لم تكن عائلته تستخدمها من قبل.

تحرَّق السيد توهتي البالغ من العمر 30 عامًا شوقًا لرؤية طفله، وشعر بالارتياح لما علم أنه آمن، لكنه لم يستطع مقاومة الشعور باليأس. وقال حسبما نقلته الصحيفة: «إن أخشى ما أخشاه هو أن تعلمه الحكومة الصينية أن يكره والديه وثقافة الإيجور».

Embed from Getty Images

هكذا تسعى الصين لمحو ما تبقى من إرث «الإيجور» الثقافي

تتابع المراسلة أن بكين سعت لعقود من الزمن لقمع مقاومة «الإيجور» للحكم الصيني في «شينجيانج»، وذلك عن طريق استخدام المدارس المنتشرة في المنطقة لتلقين أطفال «الإيجور». وحتى وقت قريب كانت الحكومة تسمح بالتدريس في معظم الصفوف الدراسية بلغة «الإيجور»، ويعزى ذلك جزئيًا إلى نقص المعلمين الناطقين بالصينية.

لكن بعد ذلك وعقب موجة العنف المناهضة للحكومة والمعادية للصين، بما في ذلك أعمال الشغب العرقية التي اندلعت عام 2009 في أورومتشي، عاصمة الإقليم، والهجمات الدموية التي شنها متشددون من الإيجور في عام 2014، أمر «شي» الحزب باتخاذ موقف أكثر تشددًا في شينجيانج، وفقًا لما كشفته الوثائق الداخلية المسربة التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في وقت سابق من هذا العام.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أعلن الحزب أن عمل مكتب التعليم في المنطقة دخل مرحلة جديدة. وكان الهدف هو أن تصبح المدارس امتدادًا للحملة الأمنية في «شينجيانج»، مع توجه جديد بالتأكيد على اللغة الصينية والهوية الوطنية والولاء للحزب الحاكم.

في وثيقة السياسة لعام 2017، المنشورة على الموقع الإلكتروني لوزارة التعليم، حدد المسؤولون في شينجيانج أولوياتهم الجديدة، ووضعوا التوسع في إنشاء المدارس الداخلية على رأس هذه الأولويات.

وبدون تحديد «الإسلام» بالاسم، وصفت الوثيقة الدين بأن له تأثير ضار على الأطفال، وقالت إن وجود طلاب يعيشون داخل المدرسة «سيقلل من صدمة التنقل ذهابًا وإيابًا بين العلوم التي يتلقونها في الفصل الدراسي، والكتاب المقدس الذي يستمعون إليه في المنزل».

حقوق إنسان

منذ 3 شهور
«واشنطن بوست»: «هذا ما حدث لي».. مانجا يابانية تحكي مأساة امرأة من الإيجور

بحلول أوائل عام 2017 أوضحت الوثيقة أن ما يقرب من 40% من إجمالي الأطفال في سن المدارس المتوسطة والابتدائية في «شينجيانج» – ما يقرب من 497 ألف و800 طالب – كانوا مدرجين في تلك المدارس. 

في ذلك الوقت كانت الحكومة تكثف جهودها لفتح مدارس داخلية، وتدشين مساكن للطلبة داخل المدارس، وتشير تقارير حديثة إلى استمرار هذه الجهود حتى الآن، بحسب مراسلة «نيويورك تايمز». 

وضمن هذه الحملة حلت اللغة الصينية محل نظيرتها الإيجورية كلغة رئيسة للتعليم في شينجيانج. إذ يدرس الآن معظم طلاب المدارس الابتدائية والمتوسطة باللغة الصينية، مقارنة بـ38% فقط من الطلاب قبل ثلاث سنوات. وبنيت آلاف الحضانات الريفية الجديدة لتعليم أطفال الأقليات اللغة الصينية في سن مبكرة، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية.

وتبرر الحكومة هذه الإجراءات بأن تعليم اللغة الصينية خطوة مهمة لتحسين الآفاق الاقتصادية لأطفال الأقليات، وتقول: إن العديد من «الإيجور» يوافقون على ذلك. بيد أن نشطاء «الإيجور» الذين استطلع التقرير آراءهم يقولون: «إن تلك الحملة الشاملة ترقى إلى محاولة محو ما تبقى من ثقافتهم».

وفي الوقت نفسه شكا العديد من «الإيجور» الذين يعيشون في الخارج من أن الحكومة وضعت أطفالهم في المدارس الداخلية دون موافقتهم. 

وقال محمود نياز، البالغ من العمر 33 عامًا، وهو رجل أعمال من «الإيجور» انتقل إلى إسطنبول في عام 2016: «إن السلطات الصينية أرسلت ابنته البالغة من العمر خمس سنوات إلى إحدى هذه المدارس بعدما احتجزت أخاه وأخته، اللذين كانا أوصياء على الفتاة في غياب والدهم، في معسكر اعتقال».

وبينما كان يمكن لأقارب آخرين الاعتناء بالطفلة، إلا أن السلطات رفضت السماح لهم بذلك. والآن – كما يشير السيد نياز – تغيرت الفتاة بعد دخولها إلى تلك المدرسة. ويضيف موضحًا: «في السابق كانت ابنتي مرحة ومنطلقة، لكن بعد أن ذهبت إلى هذه المدرسة بدت حزينة للغاية في الصور».

تحويل المدارس إلى ثكنات شديدة الحراسة

في قريةٍ مُغَبَّرة بالقرب من مدينة هوتان الواقعة على طريق الحرير القديم في جنوب «شينجيانج»، والمحاطة بحقول أشجار الجوز القاحلة والمنازل الخرسانية البسيطة، تقف المدرسة الابتدائية شاهدًا على المعاناة.

كان مبنى المدرسة محاطًا بجدار مرتفع من الطوب، تحمي قمته طبقتان من الأسلاك الشائكة، وأركانه مزودة بالكاميرات في كل زاوية، وعند مدخله يقف حارس يرتدي خوذة سوداء وسترة واقية، وإلى جانبه جهاز للكشف عن المعادن. 

تستدرك مراسلة «نيويورك تايمز»: لم يكن هذا هو الحال دائمًا، قبل أن يحول المسؤولون المدرسة الواقعة في قرية كاسيبي العام الماضي إلى مدرسة داخلية بدوام كامل.

هذه الجهود المحمومة وصفها كانج جيدي، وهو مدرس لغة صينية في المدرسة، عبر مدونته العامة على منصة التواصل الاجتماعي الصينية WeChat، قائلًا: في غضون أيام قليلة شرعوا في نقل الطلاب طوال اليوم. وأعيد ترتيب الفصول الدراسية. وجُهِّزت أسِرّة بطابقين. وبعد ذلك وصل 270 طفلًا جديدًا؛ لتصبح المدرسة مكدسة بـ430 طفلًا، كلهم في الصف السادس، أو أصغر.

Embed from Getty Images

«طلاب الإحسان».. رعاية الأطفال على الطريقة الصينية

يصفهم المسؤولون بأنهم «طلاب الإحسان»، في إشارة إلى سخاء الحزب الذي تكرَّم باتخاذ ترتيبات خاصة لتعليمهم، حسبما توضح مراسلة «نيويورك تايمز».

وتقول الحكومة: إن الأطفال في المدارس الداخلية في «شينجيانج» يتعلمون قواعد النظافة وآداب السلوك، إلى جانب المهارات الصينية والعلمية التي تساعدهم على النجاح في الصين الحديثة.

وقال مسؤول متقاعد أثناء زيارته مدرسة ابتدائية داخلية في مقاطعة لوب بالقرب من هوتان: «ذاب قلبي عطفًا فور رؤيتي الابتسامات المشرقة الصادرة من القلب مرتسمة على وجوه هؤلاء الأطفال الذين لم يعد أحد يعتني بهم». وأضاف أن الحزب منحهم «بيئة تتيح لهم راحة البال، كي يدرسوا بسعادة، ويشبوا بصحة جيدة وقوة»، وفقًا لتقرير إعلامي حكومي.

لكن المدرس كانج كتب في مدونته أن انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم كان له أثر كبير عليهم. إذ لم يلتئم شمل بعضهم بأقاربهم أبدًا منذ ذلك الحين، أو ظلوا محبوسين في الحرم الجامعي خلال العطلات، حتى بعد مغادرة معظم المعلمين. وكثيرًا ما يتوسل إليه تلاميذه لاستخدام هاتفه للاتصال بوالديهم.

ويضيف المدرس: «في بعض الأحيان، عندما يسمعون صوت أهلهم على الطرف الآخر من المكالمة، يبدأ الأطفال في البكاء، ويختبئون في الزاوية لأنهم لا يريدون أن أراهم. وهذا ليس حال الأطفال فقط، بل الوالدين أيضًا على الطرف الآخر يفتقدون أطفالهم بالطبع، لدرجة أن قلوبهم تنفطر شوقًا، وأجسادهم ترتجف ألمًا».

هكذا تذبل «زهور الوطن» في المدارسة الداخلية الصينية

ألقت معسكرات الاعتقال، التي تصفها الحكومة بأنها مراكز للتدريب على العمل، بظلالها حتى على الطلاب الذين لم ينخرطوا في الدراسة النظامية. فقبل تحويل المدرسة، نشر السيد كانج صورة لرسالة كتبتها فتاة تبلغ من العمر ثماني سنوات إلى والدها، الذي أرسل إلى معسكر اعتقال.

كتبت الصغيرة بخربشةٍ غير منتظمة: «يا أبي، أين أنت؟ يا أبي، لماذا لا تعود؟ يا أبي، أنا آسفة. يجب أن تدرس بجدٍ أنت أيضًا».

ومع ذلك، كان السيد كانج داعمًا بشكل عام للمدارس، إذ وصف تعليم طلاب «الإيجور» في مدونته بأنها فرصة «لسقي زهور الوطن».

وبالفعل يحظى «طلاب الإحسان» باهتمامٍ وموارد أكثر من الطلاب العاديين. على سبيل المثال، تُوَجه المدارس الداخلية لتقديم المشورة النفسية للأطفال النظاميين، وفي كاسيبي حصل الأطفال على مجموعة من اللوازم، من بينها كتب مدرسية، وملابس، ووشاح باللون الأحمر يميز «الرواد الصغار».

وكتب المدرس كانج أن تعلم اللغة الصينية كان يحظى بأولوية، إلى جانب انغماس الطلاب في الثقافة الصينية التقليدية، بما في ذلك الشعر الكلاسيكي، ولُقِّنوا أغاني تشيد بالحزب.

تتابع مراسلة «نيويوك تايمز»: في زيارة حديثة للمدرسة، كان من الممكن رؤية أطفال يرتدون زيًا أحمر وأزرق، وهم يلعبون في فناء بجوار مبان تحمل لافتات مكتوب عليها «كافيتريا» و «سكن الطلاب»، لكن مسؤولي المدرسة رفضوا الإجابة عن أسئلتها.

وأصبح تشديد الأمن هو القاعدة في مدارس «شينجيانج». وفي هوتان وحدها، خصص أكثر من مليون دولار على مدار السنوات الثلاث الماضية لشراء معدات من أجل مراقبة وتأمين المدارس، بما في ذلك الخوذات والدروع والهراوات المسننة، وفقًا لسجلات التوريد. وعند مدخل إحدى المدارس الابتدائية نصبت السلطات أجهزة للتعرف على الوجوه.

كتب المدرس كانج مؤخرًا على مدونته أنه انتقل إلى وظيفة جديدة للتدريس في شمال «شينجيانج». وحين نجحت المراسلة في التواصل معه هناك عبر الهاتف، رفض إجراء المقابلة، لكن قبل إنهاء الاتصال، قال إن طلابه في كاسبي أحرزوا تقدما سريعًا في تعلم اللغة الصينية. وأضاف: «كل يوم أشعر بالرضا يغمرني».

Embed from Getty Images

«مهندسو الروح البشرية».. حملة صينية بنكهة ستالينيّة

لتنفيذ هذه الحملة كان الحزب الشيوعي الحاكم بحاجة إلى ما هو أكثر من مدارس جديدة، إذ كان لا بد عن توفير جيش من المعلمين، وإصلاح شامل للمنهج، وفرض الانضباط السياسي، ومعاقبة المعلمين الذين يشتبه في أن لهم ميولًا معارضة، وإعادة صياغة الكتب المدرسية للتخلص من المواد التي تعتبرها الدولة هَدَّامة.

وكتب مكتب التعليم في أورومتشي مؤخرًا في رسالة مفتوحة: «المعلمون هم مهندسو الروح الإنسانية»، مستخدمين العبارة ذاتها التي استخدمها ستالين لأول مرة لوصف الكتاب، وغيرهم من العاملين في المجال الثقافي.

وتكمل المراسلة تقريرها قائلة: أطلق الحزب جهودًا مكثفة لتوظيف المعلمين من جميع أنحاء الصين للتدريس في «شينجيانج». وقال مسؤولون في مؤتمر صحفي هذا العام إن السلطات أحضرت حوالي 90 ألف شخص، وقع الاختيار عليهم جزئيًا لأنهم من أهل الثقة سياسيًا. وزاد تدفق المدرسين حتى بلغ حوالي خُمس المعلمين في «شينجيانج» العام الماضي، وفقا للبيانات الحكومية.

ووجهت السلطات تحذيرًا حاسمًا للمجندين الجدد، وهم في الغالب من عرقية الهان، والمعلمين الذين انضموا إليهم، ومعظمهم من «الإيجور»، حتى لا يتجاوزوا الأوامر الموجهة إليهم. ومن يعارض سياسة اللغة الصينية، أو يقاوم المناهج الجديدة، فتلحقهم وصمة «النفاق» ويخضعوا للعقاب.

يستشهد التقرير على ذلك بوصف نائب الأمين العام لبلدة توربان، الذي كتبه في وقت سابق من هذا العام، لهؤلاء المعلمين (المعارضين) على أنهم «حثالة الشعب الصيني» واتهامه لهم بأنهم «خضعوا لسحر أيديولوجية دينية متطرفة».

وتحث السلطات الصينية المعلمين على التعبير عن ولائهم، وتشجع الجمهور على مراقبة أداء هؤلاء المدرسين. حتى أن لافتة مثبتة أمام روضة أطفال في هوتان تدعو الآباء إلى الإبلاغ عن المعلمين الذين يتفوهون «بتصريحات غير مسؤولة» أو يمارسون شعائر دينية دون الحصول على تصريح.

«أخشى أن يزرعوا في عقول أطفالي أنني العدو.. وحينها سيكرهونني»

قضى المسؤولون في شينجيانج عامين في فحص ومراجعة مئات الكتب المدرسية والمواد التعليمية الأخرى، وفقًا لوثيقة السياسة الصادرة عام 2017. 

Embed from Getty Images

لكن على الجانب الآخر فإن بعض الذين ساعدوا الحزب في كتابة الكتب المدرسية القديمة وتحريرها كان جزاؤهم أن ألقت بهم السلطات في غياهب السجون. مثلما حدث مع يالكون روزي، وهو باحث بارز وناقد أدبي ساعد في تجميع مجموعة من الكتب المدرسية حول أدب «الإيجور»، كانت تستخدم لأكثر من عقد من الزمان.

اتهمت السلطات الصينية «روزي» بالتورط في محاولة تخريبية، وحكمت عليه بالسجن لمدة 15 عامًا في العام الماضي، كما يروي ابنه كمال ترك يالكون، لمراسلة «نيويورك تايمز». كما ألقت السلطات القبض على العديد من أعضاء اللجنة الآخرين الذين أسهموا في جمع الكتب المدرسية.

وقال كمال الذي يعيش الآن في مدينة فيلادلفيا الأمريكية: «بدلًا عن الترحيب بالتنوع الثقافي للإيجور، وصفته الصين بأنه ورم خبيث».

وتواصل مراسلة الصحيفة الأمريكية رصد الأدلة على أن السلطات الصينية أرسلت بعض أطفال «الإيجور» إلى المدارس الداخلية البعيدة عن منازلهم. مثلما حصل مع عائلة «كالبنور تورسون»، البالغة من العمر 36 سنة، والتي أوكلت إلى أقاربها رعاية خمسة من أطفالها عندما غادرت «شينجيانج» لتضع حملها في اسطنبول، بيد أنها لم تتمكن من الاتصال بهم لعدة سنوات. 

في العام الماضي رأت ابنتها عائشة البالغة من العمر ست سنوات، في مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، نشره مستخدم بدا أنه أحد معلمي مدرسة في هاتان، تقع على بعد أكثر من 300 ميل من منزله في  كاشجار.

تختتم المراسلة تقريرها بنقل كلمات السيدة «كالبنور»: «أطفالي صغار للغاية، وهم بحاجة إلى أمهم وأبيهم»، وتضيف معربةً عن قلقها حيال طريقة تربيتهم في كنف السلطات الصينية: «أخشى أن يزرعوا في عقولهم أنني العدو، وحينها لن يقبلوني، بل سيكرهونني».

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
مترجم: وثائق مسربة تكشف تفاصيل «غسيل الأدمغة» في معسكرات احتجاز الإيغور

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد