ارتفع اليوان الصيني إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عامين؛ مما يشير إلى بسط الصينيين هيمنتهم على قطاع التصنيع، لكن هذا الاتجاه يمنح الرئيس المنتخب جو بايدن أيضًا مساحة لالتقاط الأنفاس.

ترصد ألكسندرا ستيفنسون، مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز» في هونج كونج، في هذا التقرير رحلة تعافي الاقتصاد الصيني من تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، وصعود العملة الصينية – المعروفة باسم اليوان أو الرينمنبي – بقوة خلال الأشهر الأخيرة مقابل الدولار الأمريكي وسلة العملات الرئيسة الأخرى.

حتى يوم الاثنين بلغت قيمة الدولار الأمريكي 6.47 رنمينبي، مقارنة بـ7.16 رنمينبي في أواخر شهر مايو (أيار) ليقترب بذلك من أقوى مستوى وصل إليه منذ عامين ونصف. صحيحٌ أن كثيرًا من العملات ربما تحقق قفزات أكبر من حيث القيمة، لكن نظرًا للقيود التي لطالما فرضتها بكين على عملتها يخلُص التقرير إلى أن قفزة اليوان الصيني تبدو وكأنها خطوة اضطرارية.

توضح مراسلة «نيويورك تايمز»، التي تغطي أخبار الشركات الصينية العملاقة، والمشهد المتغير للشركات متعددة الجنسيات، والنفوذ الاقتصادي والمالي المتزايد للصين في آسيا، أن زيادة قوة اليوان الصيني تؤثر على الشركات التي تُصَنِّع منتجاتها في الصين، وهي شريحة كبيرة جدًا من الشركات. وحين يصبح اليوان الصيني أقوى، يمكن أن يجعل السلع المصنوعة في الصين أغلى ثمنًا للمستهلكين حول العالم، وإن لم يظهر مثل هذا التأثير حتى الآن.

لكن هناك تأثيرًا آخر فوريًّا قد تشعر به واشنطن، بموازاة انتقال الرئيس المنتخب جوزيف بايدن إلى البيت الأبيض الأسبوع المقبل. فخلال فترة حكم الإدارات السابقة، أدى ضعف العملة الصينية إلى إثارة غضب واشنطن. وقد لا يؤدي صعود اليوان الصيني إلى تخفيف حدة هذا التوتر بين البلدين، ولكنه قد يزيل مشكلة محتملة عن طاولة بايدن.

منطقة الشرق

منذ شهر
مترجم: ما الذي ستجنيه الصين والهند من دعم المصالحة الخليجية؟

لماذا يصبح اليوان الصيني أقوى؟

السبب بسيط، وهو أن الصين تمثل نقطة مضيئة نادرة في الاقتصاد العالمي الذي عاثت فيه الجائحة فسادًا، على حد وصف مراسلة «نيويورك تايمز». ويرجع الفضل في ذلك إلى أن الصين استطاعت ترويض فيروس كورونا داخل حدودها، على الأقل في الوقت الحالي.

تعمل المصانع الصينية بكامل طاقتها، ويشتري المتسوقون في مختلف أنحاء العالم – وكثير منهم عالق في منزله أو غير قادر على شراء تذكرة طائرة أو سفينة سياحية – جميع أجهزة الحاسوب والتلفزيون والحلقات الضوئية لالتقاط صور سيلفي مشرقة وأدوات البستنة وغيرها من المستلزمات المصنوعة في الصين التي يقبل عليها من لزموا بيوتهم خلال فترة الحظر.

Embed from Getty Images

أدى ذلك إلى ارتفاع حصة الصين من الصادرات العالمية إلى مستوى قياسي بلغ 14.3٪ خلال شهر سبتمبر (أيلول، وفقًا لبيانات جمعتها شركة «جيفريز آند كومباني».

كما يحرص المستثمرون على إخفاء أموالهم في الصين، أو على الأقل ضخها في استثمارات مرتبطة باليوان الصيني. وحين يصبح الاقتصاد قويًا؛ تتاح الفرصة أمام البنك المركزي الصيني لترك أسعار الفائدة أعلى مما هي عليه في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يُبقي محافظو البنوك المركزية على معدلات منخفضة تاريخيًا لدعم النمو.

تظهر قوة اليوان الصيني خاصة أمام الدولار في الوقت الحالي؛ بسبب ضعف العملة الأمريكية. ويراهن المستثمرون على أن الاقتصاد العالمي سوف يتعافى خلال هذا العام؛ ما دفع كثيرين إلى تحويل أموالهم من الملاذات الآمنة المقومة بالدولار، مثل سندات الخزانة الأمريكية، وضخها في استثمارات تنطوي على مخاطر أكبر. كل هذه العوامل أدت إلى تدفق الأموال إلى الصين، التي تميل بدورها إلى تعزيز عملتها الرسمية، كما يوضح التقرير.

ماذا تفعل بكين في هذا الصدد؟

تجيب مراسلة «نيويورك تايمز» في هونج كونج: لا تفعل الصين الكثير، على الأقل في الوقت الحالي. وتضيف موضحة: لطالما تحكّمت الحكومة الصينية في قيمة عملتها بقبضة حازمة، وقد فعلت ذلك جزئيًا عن طريق الحدّ من مقدار العملة الذي يمكن أن يتجاوز حدود الدولة.

باستخدام هذه الأدوات، أبقى قادة الصين اليوان الصيني ضعيفًا مقابل الدولار لسنوات، حتى عندما كان ينبغي أن تزيد العملة الصينية قوة، فحين يكون اليوان الصيني ضعيفًا؛ فإنه يساعد مصانع الصين على بيع بضائعها بأسعار منخفضة عند تصديرها إلى الخارج.

في الوقت الحالي لا يبدو أن المصانع الصينية بحاجة إلى هذا النوع من المساعدة؛ ذلك أن صادرات الصين استمرت في الارتفاع حتى مع زيادة قوة اليوان الصيني، كما ترصد «نيويورك تايمز»، مستدلة على ذلك بقول شون روش، كبير الاقتصاديين المتخصصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في وكالة «إس آند بي جلوبال» للتصنيفات الائتمانية:

إن كثيرين يُسَعِّرون بالفعل أعمالهم التجارية بالدولار بدلًا عن اليوان الصيني؛ لأن الولايات المتحدة تمثل حصة كبيرة من قاعدة عملائهم. وهذا يعني أن هوامش ربح المصانع الصينية وإن تقلَّصت، فإن المتسوقين الأمريكيين لن يلاحظوا كثيرًا فارق السعر، وسيواصلون الشراء.

Embed from Getty Images

تعود العملة القوية بفوائد أخرى على الصين؛ ذلك أنها تزيد من قدرة المستهلكين الصينيين على شراء السلع المستوردة، مما يساعد بكين على استقطاب شريحة جديدة من المتسوقين. ويبدو أن ذلك يصب في مصلحة الاقتصاديين وصناع السياسة الذين ظلوا يضغطون منذ فترة طويلة على الصين من أجل تخفيف قبضتها القوية على نظامها المالي.

كما أن زيادة قوة اليوان الصيني يمكن أن تساعد الصين على جعل عملتها أكثر جاذبية للشركات والمستثمرين الذين يرغبون في إبرام صفقات تجارية بالدولار. ولطالما سعت الصين إلى تسويق اليوان الصيني ليصبح عملة أكثر عالمية؛ كوسيلة لزيادة نفوذها الدولي، على الرغم من أن رغبتها في التحكم الصارم في استخدام عملتها غالبًا ما طغت على تلك الطموحات.

وتؤكد بيكي ليو، رئيسة إستراتيجية الاقتصاد الكلي للصين في بنك ستاندرد تشارترد، أن «هذه تمثل فرصة سانحة أمام الصين للمضي قدمًا في تدويل اليوان الصيني»، وتوضح مراسلة «نيويورك تايمز» أن العملة إذا زادت قوتها بسرعة كبيرة جدًا فيمكن للقادة الصينيين التدخل بسهولة ووقف هذا التصاعد.

كيف يستفيد بايدن من هذا الاتجاه؟

لطالما وجه نقاد بكين في الكونجرس وداخل الحكومة الأمريكية أصابع الاتهام إلى الحكومة الصينية بالتلاعب غير العادل بالعملة باستخدام وسائل تضر بالمُصَنِّعين الأمريكيين. وفي ذروة الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، سمحت بكين بتراجع قيمة اليوان الصيني إلى ما دون مستوى 7 مقابل الدولار، وهو معدَّل حساس ذو مغزى؛ ما دفع إدارة ترامب إلى تصنيف الصين بأنها دولة متلاعبة بالعملة.

منطقة الشرق

منذ شهر
«جيروزاليم بوست»: هل ستشهد اقتصادات الشرق الأوسط نموًا في عام 2021؟

وبينما تستعد الإدارة الجديدة الآن للانتقال إلى البيت الأبيض، يبحث الخبراء عن مؤشرات تدل على أن بكين يمكن أن تخفف قبضتها على العملة. فعلى أقل تقدير حين يصبح اليوان الصيني أكثر قوة؛ فإنه يزيل هذه المشكلة من على جدول أعمال السيد بايدن، ولو في الوقت الحالي.

ومع ذلك لا يشعر الجميع بالتفاؤل بأن زيادة قوة اليوان الصيني ستكون كافية لإصلاح العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، وإنما سيتطلب إعادة المياه لمجاريها بين الدولتين اتخاذ إجراءات أكثر من مجرد رفع قيمة العملة، على الرغم من أن هذا الإجراء ينزع بالفعل فتيل إحدى نقاط الاختلاف المحتدمة بين البلدين، كما يقول إسوار براساد، الرئيس السابق لقسم الصين في صندوق النقد الدولي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد