في السنوات التي سبقت الاتفاق النووي الإيراني، وجدت كل من إيران والصين مصالحهما تتقاطع في بعض الأحيان وتتباين أحيانًا أخرى. فمنذ أواخر التسعينيات، خفضت الصين العلاقات الدفاعية مع إيران تحت ضغط من الولايات المتحدة. في نفس الوقت، وبتبنيها خطاب السلام والتعاون، لم تكن بكين تريد أن يدخل الغرب في حرب مع إيران. وعلاوة على ذلك، كانت مثابرة طهران في مواجهة الجهود الغربية لعزلها قوة موازية ضد الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما كان يلائم المصالح الإستراتيجية للصين.

 

ومع ذلك، فإن النزاع مع إيران حول برنامجها النووي هدد الصين بشكل غير مباشر أيضًا، لأن الحرب تهدد بتعطيل إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط التي تعتمد عليها الصين بشكل متزايد. وبالطبع، يمكن للصين أن تعتمد دائمًا على السعودية لتعويض نقص إمدادات النفط بسبب العقوبات المفروضة على النفط الإيراني. ولكن الصين لا يمكنها التغلب على مخاطر الحصار على مضيق هرمز الحيوي، وهو أمر غالبًا ما هدد به القادة السياسيون والعسكريون في إيران باعتباره ورقة ضغط في الملف النووي. يجري نقل نحو 30 في المئة من كل النفط المنقول بحرًا عبر المضيق. وخلافًا للأسطول الخامس الأميركي، المسؤول عن العمليات في الخليج الفارسي، فإن البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني ليس لديها القدرات الكافية لإجراء عمليات بعيدة المدى من تلقاء نفسها للحفاظ على هذه الممرات البحرية الحيوية مفتوحة.

 

لهذا السبب، وسعت الصين علاقاتها الدفاعية في الخليج، لا سيما التعاون البحري مع إيران. واستمرت في ذلك حتى بعد الاتفاق، الذي وضع حدًا للتهديد الذي يتعرض له مضيق هرمز. لكن سيتعين على بكين تحقيق التوازن بين علاقاتها مع طهران مع علاقاتها الاقتصادية والبحرية الحالية مع شريك آخر في الخليج ومنافس لإيران: السعودية.

 

دفعت الصين نحو توسيع التعاون البحري مع إيران في الآونة الأخيرة في أكتوبر، عندما زار الأدميرال الصيني صن جيان قوه، الذي يُعتقد أنه سيكون قائد البحرية القادم، إيران، للسعي خلف توثيق العلاقات العسكرية الثنائية. أدت رحلته إلى توقيع مذكرة تفاهم حددت إطارًا للتعاون في مجال الدفاع أعمق بين البلدين على التدريب، والمسائل التقنية والمعلومات السرية، والحرب الإلكترونية وحتى “عمليات مكافحة الإرهاب”.

 

تسعى بكين أيضًا إلى استغلال البيئة الدولية الجديدة منذ الاتفاق النووي لإدماج إيران بعد رفع العقوبات في خطط التجارة والبنية التحتية الطموحة في جميع أنحاء أوراسيا. خلال زيارته لطهران، مع التأكيد على العلاقات الودية بين جيشي البلدين، قال صن إنه من المهم “إعادة بناء” طريق الحرير وتعزيز التنمية المشتركة، لكنه لم يشر إلى أي صفقات محددة تخص البنية التحتية.

بنت زيارة صن، في الواقع، على التقدم المحرز في سبتمبر 2014، عندما أجرت إيران والصين مناورات بحرية مشتركة للبحث والإنقاذ وتدريبات في الخليج الفارسي. أجريت هذه المناورات، التي شاركت فيها سفينتين حربيتين صينيتين، المدمرة تشانغ تشون، وفرقاطة الصواريخ من الأسطول الـ17، في الجهة المقابلة للقاعدة الدائمة الاسطول الخامس الأمريكي في البحرين، في وقت تصاعدت فيه حدة التوتر بشأن الأنشطة النووية والعقوبات الغربية على إيران.

 

طهران، من جانبها، دفعت أيضًا نحو زيادة التعاون مع بكين، نظرا للعزلة الطويلة التي فُرضت عليها من الغرب. خلال زيارة صن في أكتوبر، أعلن رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء حسن فيروز أبادي، أن “عدو عدوي هو صديقي”، في إشارة إلى التوترات بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي. وفي أكتوبر عام 2014، زار قائد البحرية الإيرانية، الأميرال حبيب الله سياري، الصين مع وفد بحري رفيع المستوى، وتوقف في قاعدة بحرية في شنغهاي وأسطول بحر الشمال الصيني، الواقع في مدينة تشينغداو، موطن أول غواصة صينية تحمل صواريخ باليستية نووية. ومن المعروف أن إيران تمتلك ثلاث غواصات روسية من طراز كيلو التي تم صنعها في إيران، والمعروفة باسم ناهانغ، وما يقرب من اثنتي عشرة غواصة صغيرة، مما يثير تساؤلات حول الهدف من محاولة تدشين علاقات أوثق مع البحرية الصينية والنوايا الصينية الإيرانية لأنشطة المراقبة في المستقبل في الخليج الفارسي.

 

في نفس الوقت، على الأرجح أدى رفع التعاون بين الصين وإيران إلى إثارة فضول السعودية، وهي أكبر مورد للنفط الخام للصين وأيضا شريك بحري لبكين على الجانب الآخر من الخليج العربی. وبينما تتواصل مع إيران، ظلت الصين في نفس الوقت تتبع الدبلوماسية البحرية مع السعودية. عشية زيارة صن إلى طهران، على سبيل المثال، استقبل الأدميرال وو شنغ لي، عضو اللجنة العسكرية المركزية الصينية والقائد الحالي للبحرية الصينية، الأدميرال عبد الله سلطان، قائد القوات البحرية السعودية، في بكين, ترأس سلطان وفدًا من 10 أعضاء لزيارة أسطول بحر الجنوب في تشانجيانغ، وذلك في أعقاب زيارة وفد البحرية الصينية في 2010 الأسطول الغربي التابع للبحرية السعودية في جدة على ساحل البحر الأحمر.

 

تظل الاتصالات البحرية الصينية السعودية في نهاية المطاف على مستوى أعلى من تلك التي بين الصين وإيران، والعلاقات بين الصين والسعودية بشكل عام واسعة وتوسعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ولكن، بطبيعة الحال، على عكس إيران، تعتبر السعودية هي الشريك العسكري الأقرب للولايات المتحدة والمستفيد من الوضع الأمني ​​في الخليج الفارسي. ونتيجة لذلك، فإن التوترات بين الولايات المتحدة والصين على التوسع الإقليمي وحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي تجعل من الصعب تصور كيف يمكن أن يتعمق ويتوسع مستقبل التعاون البحري بين الصين والسعودية. يمكن للمرء أن يشك فقط أنه عبر مغازلة بكين، تسعى الرياض للضغط على واشنطن لمزيد من المساعدات الأميركية وضمانات أمنية عسكرية بعد اتفاق إيران النووي.

 

بخلاف ذلك، وعلى النقيض من المناقشات مع إيران، فإن خطط الصين لدمج السعودية في تدشين طريق الحرير قد تراجعت منذ تدخل السعودية في اليمن لإسقاط الحوثيين ودعم الرئيس عبد ربه منصور هادي. فقد أعربت الصين فورا عن قلقها إزاء تدهور الأوضاع في اليمن بعد بدء الغارات الجوية السعودية، وبعد أقل من شهر على الحرب، عارض الرئيس الصيني شي جين بينغ العملية بصورة واضحة، وقام بتأجيل رحلة مقررة له إلى السعودية.

 

وكقاعدة عامة، تكره الصين عدم الاستقرار في المنطقة لأنه يهدد الاستثمارات الصينية والمواطنين الصينيين في الخارج. لكن المياه الواقعة قبالة خليج عدن تشكل أيضًا ممرات بحرية حيوية للاتصالات والنقل البحري، ولا سيما النفط من ساحل البحر الأحمر قرب السعودية والبضائع الصينية من وإلى الصين. وبكين، مثل واشنطن، تضع قيمة كبيرة لحرية الملاحة في خليج عدن، وهذا يتضح من مشاركة الصين في عمليات مكافحة القرصنة المدعومة دوليا هناك منذ عام 2008. وفي بداية الضربات الجوية السعودية على اليمن، أجرت البحرية الصينية أكبر عرض لها في مياه نائية: حيث نشرت لمدة شهرين غواصة نووية صينية من تشينغداو قبالة الساحل الجنوبي لليمن. ولكن الفوضى في مدينة عدن الساحلية على إثر التدخل بقيادة السعودية قد عطلت هذا الانتشار.

استعادت سفينة إمدادات صينية تسمى يشانهو مخازنها من الوقود والماء والغذاء في عدن، ولكن نظرًا للحرب الدائرة في اليمن، لم تتمكن البحرية الصينية من تنفيذ تجارب لوجستية بعيدة المدى. في المقابل، أثبتت البحرية الإيرانية أنها مفيدة لجهود الصين في البحر في السنوات الأخيرة, في مناسبتين منفصلتين، في 2012 و2014، أنقذت البحرية الإيرانية سفينة شحن صينية تعرضت للهجوم من قبل قراصنة صوماليين في بحر العرب وخليج عدن، على التوالي.
تسعى الصين لبناء مصالح لها مع الدولتين الكبريين في الخليج. ولكن بينما هي تسعى إلى تحقيق التوازن بين التعاون العسكري مع الحقائق الاقتصادية والأمنية، فإن الدبلوماسية البحرية للصين بالكاد توازن بين إيران والمملكة العربية السعودية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد