نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا أعدَّته مولي سيلك، باحثة دكتوراة في العلوم والتكنولوجيا وسياسة الابتكار، ويركز بحثها على سياسة الفضاء الصينية في جامعة مانشستر البريطانية، تناولت فيه كيف تروِّج الصين لبرنامجها الفضائي من خلال الأساطير وأفلام الخيال العلمي.

وتستهل الكاتبة مقالها قائلة: إن الصين أطلقت في صباح يوم 17 يونيو (حزيران) مركبتها الفضائية المأهولة «شنتشو-12» التي طال انتظارها، وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء صينيين باتجاه وحدة «تيانخه» الأساسية، وهي الوحدة نفسها التي أُطلقت في نهاية أبريل (نيسان)، لتشكل جزءًا من محطة «تيانجونج» الفضائية الدائمة، التي من المقرر أن تظل في المدار خلال السنوات العشر المقبلة.

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: هل يصبح الوجود الروسي الصيني بديلًا لأمريكا في أفغانستان؟

وينبع بناء الصين لمحطتها الفضائية الخاصة من استبعادها من محطة الفضاء الدولية؛ نتيجةً لمخاوف الولايات المتحدة بشأن عمليات نقل التكنولوجيا التي من شأنها أن تعزز قدرات الصين العسكرية. ولم يُثنِ ذلك الصين عن المضي قدمًا في برامجها الفضائية وتحالفاتها. ومنذ ذلك الحين برهنت الصين على أن «العلامة التجارية» الصينية لتكنولوجيا الفضاء ذات سمعة طيبة، وتمكنت من بلوغ مكانة خاصة بها على الساحة الدولية.

وأوضحت الكاتبة أن السجل الحافل المثير للإعجاب للمساعي الفضائية الرائعة ليس الشيء الوحيد الذي يميز العلامة التجارية للبرنامج الفضائي الصيني عن الشركات الوطنية الأخرى. وقد بذلت الحكومة والمنظمات ذات الصلة جهودًا متضافرة لخلق «ثقافة فضائية صينية» فريدة، إلى جانب التقدم الذي أحرزته في مجال تكنولوجيا الفضاء. ورغم أن الجمهور المستهدف لعدد من هذه الإبداعات الثقافية يظل محليًّا، فنجد أن طموحات الصين في مجال الفضاء موجَّهة إلى الجمهور العالمي بطرق متنوعة.

بدايات أسطورية

ولعل أوضح مثال على ذلك – حسب ما ترى الكاتبة – هو منح تلك البرامج أسماء تعود إلى الجذور التقليدية للصين، ذلك أن اسم تيانجونج يُترجم إلى «القصر السماوي». ويمثل القصر السماوي في الأساطير الصينية مقر إقامة الإله الذي يتمتع بالسلطة العليا على الكون، الحاكم السماوي. والاسم مناسب على نحو خاص لمحطة فضائية صينية، تعمل بوصفها مقرًا في السماء لرواد الفضاء الصينيين. أما كلمة «شنتشو»، البعثات التي تنقل رواد الفضاء إلى الفضاء، فهي تعني «السفينة الإلهية»، وهي تعكس أيضًا تجانسًا لفظيًّا للاسم القديم للصين، «الأرض المقدسة».

وفي الوقت نفسه سُميت البعثات الصينية لاستكشاف القمر على اسم إلهة القمر الأسطورية تشانج. وتقول القصة الأسطورية: «إن (تشانج) قد طارت من الأرض إلى القمر بعد سرقة إكسير الخلود من زوجها (هو يي)».

ووفقًا للأساطير الصينية عاشت تشانج على سطح القمر مع رفيقها الأرنب، الذي يقضي وقته في طحن إكسير الخلود في جرَّته للإلهة تشانج. ويُعرف الأرنب باسم (يوتو)، أو «أرنب اليشم». وسُميت باسمه المركبتان الصينيتان إلى القمر، حيث أصبحت ثاني مركبة منهما أول مركبة تهبط على الجانب البعيد من القمر في عام 2019.

وأضافت الكاتبة أن كويكياو، وهو قمر صناعي لنقل الاتصالات، كان من العناصر الرئيسة في مهمة الهبوط على القمر. وقد سُمي كويكياو على اسم أسطورة «جسر العقعق»، وهو جسر على نهر المجرة صنعته طيور العقعق من خلال الاحتشاد بأجسامها على ضفتي نهر المجرة للجمع بين «الراعي» ومحبوبته «النساجة»، وهي من حوريات القصر السماوي في واحدة من القصص الرومانسية الشعبية في الصين. وكان القمر بمثابة جسر حيوي للاتصال بين عناصر بعثة تشانج ومركز الصين لمراقبة البعثات.

ويعمل ربط الماضي التقليدي للصين بأنشطتها الفضائية التطلعية على تعزيز هوية برامج الفضاء هذه باعتبارها صينية مميزة. فمن خلال ربط هذه الإنجازات بالتراث الثقافي للبلد، فإن الصين لا تُقَدِّمها على أنها مجرد نسخ من إنجازات أسلافها من القوى الفضائية، بل باعتبارها نابعة من المواهب والتقدم الوطني. وهي بمثابة تذكير كذلك بأن مستقبل الصين لن ينفصل أبدًا عن جذوره الوطنية والثقافية في وقت تهدف البرامج الصينية الفضائية للوصول إلى أبعد مدى في الفضاء.

وعلاوةً على ذلك تمثل هذه الأسماء الأسطورية إشارة للمجتمع الدولي بأن الفضاء ليس حكرًا على الشخصيات الغربية التاريخية، مثل «أبولو» أو «أرتميس»، ولكنه مِلك أيضًا لسلالة الشعب الصيني.

مستقبل الصين في قصص الخيال العلمي

ولفتت الكاتبة إلى أن شركات عدة في الصين أطلقت على مدى السنوات القليلة الماضية منتجات تجارية ذات سمة فضائية، وحملات ترويجية، بالتعاون مع منظمات الفضاء الرسمية في الصين، من العلامات التجارية للأزياء الراقية إلى «كنتاكي فرايد تشيكن». لكن ربما يكون الترويج الأكثر بروزًا لطموحات الصين الفضائية هو الأفلام.

وفي عام 2019 صدر فيلم الخيال العلمي الأرض المتجولة (The Wandering Earth). وقد حظيَ الفيلم باستحسان كبير، وروَّجت له وسائل الإعلام التابعة للدولة باعتباره فيلمًا لا غنى عن مشاهدته.

وتحدث المخرج فرانت جوو عن أهمية الرسالة من وراء هذا الفيلم، مدعيًا أن طريقة تفكير الصين في الفضاء تختلف اختلافًا كبيرًا عن أيديولوجيات الولايات المتحدة.

ووفقًا لجوو فإنه بينما تحلم الولايات المتحدة بترك الأرض في نهاية المطاف للانتقال إلى كواكب أخرى، يركز الحلم الفضائي الصيني على تحسين الحياة على كوكب الأرض من خلال استخدام الموارد الفضائية. ويعزز الفيلم فكرةً مفادها أننا لا يجب أن نحاول الفرار من كوكبنا، ولكن بدلًا عن ذلك يتعين علينا أن نسعى سعيًا حثيثًا لحمايته.

وفي حين تظل معظم المنتجات التجارية ذات السمة الفضائية موجهة نحو السوق المحلية، فإن روايات الخيال العلمي الصيني أصبحت تحظى بشعبية متزايدة في الخارج، ذلك أن روايات مثل «مشكلة الأجسام الثلاثة» لمؤلفها ليو سيكسين، الذي كتب القصة القصيرة التي جرى تكييفها لتصبح فيلم «الأرض المتجولة»، ورواية طي بكين (Folding Beijing) للمؤلف هاو جينجفانج، والتي بدورها تُكيف أيضًا للعرض على الشاشة، ورواية «فداء الوقت» للمؤلف باوشو، قد نجحت جميعها بوصفها روايات مترجمة.

وتابعت الكاتبة قائلة: وفي ضوء إقرار الساسة بأن أفلام الخيال العلمي هي أداة قوية محتملة لتعزيز السرديات المقبولة من الدولة، فقد شجَّعت الهيئات الحكومية صناع أفلام الخيال العلمي في الصين على تجسيد الروايات التي تتلاءم مع الطموحات الأيديولوجية والتكنولوجية الأوسع نطاقًا للنظام الصيني.

وقد يفسر الجانب الخيالي من أفلام الخيال العلمي سبب الترويج لهذا النوع دوليًا أولًا قبل المنتجات التجارية الأخرى التي تتميز بصور للبعثات الفضائية الصينية الفعلية. وعلى النقيض من قدرات الصين المتزايدة في مجال الفضاء، والتي تنظر إليها الولايات المتحدة باعتبارها تهديدًا، فإن التطورات الفضائية الخيالية في البلاد لا تشكل أي خطر على الحياة الحقيقية.

فمن خلال قدرة تلك الأفلام على تجسيد خلفية الصين القوية من الناحية التكنولوجية في روايات مُسلية ومُقنعة، تسمح مثل هذه القصص للجمهور الأجنبي بالتفاعل مع فكرة الصين باعتبارها قوة فضائية دون نوع الخطاب السياسي الذي يحيط بأنشطتها الفضائية الحقيقية.

وفي نهاية المطاف – وبحسب ما تختم الكاتبة – فقد يبدأ الجمهور الأجنبي في الشعور براحة أكبر لفكرة الصين باعتبارها زعيمة عالمية تكنولوجية. وهذا بدوره قد يجلب اهتمامًا أكبر بأنشطة البرنامج الفضائي الوطني الصيني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد