في ظل النمو السريع للاستثمارات الصينية في أفريقيا خلال العقدين الماضيين، يحقق تحليل نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في مدى دقة الصورة النمطية المستمرة التي تشير إلى أن الشركات الصينية تجلب معها عمالها إلى أفريقيا. وعندما يعمل الأفارقة المحليون في الشركات الصينية، تشير الصورة النمطية السائدة إلى أن وضعهم الوظيفي غير مستقر، وساعات عملهم طويلة، ناهيك عن تعرضهم لسوء المعاملة في بعض الأحيان.

على الجانب الآخر من هذه الصورة النمطية، خلص بحث أجرته كاتبة التحليل، دينج فاي، إلى أن الشركات الصينية لا تدير الموظفين في أفريقيا بطريقةٍ واحدة؛ إذ تتمتع الشركات الصينية بخلفيات متنوعة، وتستثمر في قطاعات صناعية مختلفة، مما يؤثر على كيفية إدارتها لموظفيها.

تضرب الباحثة على ذلك مثلًا: إثيوبيا، التي خلص من دراسة تجربتها إلى أن نوع الشركة، ونموذج أعمالها، وظروف السوق المحلية، والدعم الذي تتلقاه من المقر الرئيس في الصين؛ كلها عوامل تؤثر على إستراتيجيات الإدارة وممارسات التوظيف.

3 الشركات الصينية.. وإستراتيجيات إدارية مختلفة

بين عامي 2014 و2017، أجرى دينج فاي، عالم الجغرافيا التنوية والاقتصادية في جامعة ولاية أريزونا، بحثًا عن ثلاث شركات صينية في إثيوبيا، ورصد أنشطة الإدارة فيها، وأجرى مقابلات مع 88 موظفًا صينيًا ومحليًا، من بينهم مديرين في مختلف المناصب الإدارية، ومهندسين، وفنيين، وممثلي نقابات، وعمال. لأسباب تتعلق بالسرية؛ استخدم البحث أسماء مستعارة تعكس محور تركيز كل شركة: تشونغهوا للبناء، وهواشيا للاتصالات، ويوكي للسيارات.

اختلاف الأولويات في أفريقيا: الصورة العامة أم التكاليف التشغيلية؟

تشونغهوا، شركة بناء صينية رائدة مملوكة للدولة، تدير مشاريعها المحلية عبر مقاولين من الباطن. على سبيل المثال، لبناء منشأة رياضية في إثيوبيا، عملت الشركة مع ما لا يقل عن خمسة مقاولين صينيين من الباطن. يتولى المقاول والمقاولون من الباطن مهمة توظيف الموظفين الصينيين والمحليين ويديرونهم بمعرفتهم. إجمالًا، كان يعمل في مشروع المنشأة الرياضية قوة عاملة تقدر بنحو 800 موظف، منهم حوالي 70% من الإثيوبيين.

أثناء تنفيذ المشروع، لاحظت الباحثة أن المقاول والمقاولين من الباطن استخدموا أساليب مختلفة لإدارة الموظفين؛ إذ كان المقاول، بصفته شركة صينية رائدة مملوكة للدولة، مدركًا تمامًا لأهمية بناء صورة محلية جيدة للشركة كصاحب عمل يثبت أنه على قدر المسؤولية. على النقيض من ذلك، كان المقاولون من الباطن أكثر حساسية للتكاليف التشغيلية والإنجاز في العمل؛ نظرًا لجدولهم الزمني الضيق وهوامش ربحهم الضئيلة.

Embed from Getty Images

نتيجة لذلك كان الموظفون الذين يعملون مع المقاول الأول يتلقون أجورًا أعلى ويتمتعون بمستوى أكبر من الأمن الوظيفي وبمساحة أكبر للتفاوض بشأن عقود العمل ويعملون وفق قواعد أقل صرامة وينعمون بعلاقات أفضل مع المديرين الصينيين مقارنة بأولئك الذين يعملون لدى المقاولين من الباطن. بينما المقاولون من الباطن، في محاولة لاستخلاص المزيد من الأرباح، كانوا ربما يلجأون إلى تقليل التكاليف من خلال فرض ساعات عمل إضافية واقتطاع جزء من الرواتب إذا حدث تأخير في المشروع.

نموذج «الملكية للدولة والإدارة للقطاع الخاص»

هواشيا شركة اتصالات رفيعة المستوى، تتبع نموذج عمل «الملكية للدولة والإدارة للقطاع الخاص». لكن على الرغم من ملكية الدولة، واجهت الشركة منافسة شرسة من شركة صينية عملاقة خاصة تعمل في قطاع الاتصالات للاستحواذ على المشاريع المحلية والموارد البشرية.

لتعزيز قدرتها التنافسية المحلية، أطلقت هواشيا مشروعًا في عام 2016 لاستبدال السكان المحليين بالموظفين الصينيين، بهدف الوصول إلى قوة عاملة محلية بنسبة 65%، مقارنة بالنسبة المبدئية التي تبلغ 45%.

يلفت التحليل إلى إستراتيجيات أخرى تهدف إلى زيادة شعور الموظفين المحليين بالاندماج، مثل: تقديم الشركة توجيهًا مهنيًا فرديًا، وتدريبًا إضافيًا، وفرصًا لتعلم اللغة الصينية، إلى جانب الفعاليات الاجتماعية والتجمعات غير الرسمية.

متطلبات صارمة للتقييم والترقي

هذه المبادرات المختلفة الرامية إلى تعزيز اندماج الموظفين بدت واعدة؛ إذ أقر الموظفون المحليون الذين قابلتهم الباحثة بأن تجارب عملهم قد تحسنت. لكن الموظفين المحليين ما زالوا يواجهون عقبات في الترقي إلى مناصب عليا لصنع القرار داخل الشركة، بسبب المتطلبات الصارمة للتقييم والترقية.

يوجد عائق آخر هو اللغة؛ ذلك أن الاتصالات المتكررة مع المقر الرئيس والمسؤولين في البنوك الصينية تتطلب إتقان اللغة الصينية. لذلك اعتمدت الشركة على المغتربين الصينيين لإدارة الأنشطة التسويقية والمالية والإدارية الأساسية. أما الموظفون المحليون فشغلوا في المقام الأول وظائف تتعلق بالتواصل مع العملاء، أو إدارة الشؤون الخارجية للتعامل مع علاقة الشركة بالحكومات المحلية، والعملاء، والمقاولين من الباطن.

توزيع الصلاحيات التشغيلية والاحتفاظ بسلطة اتخاذ القرار النهائي

الشركة الثالثة يوكي، وهي مستثمر خاص يشارك في تجميع السيارات ومبيعاتها وخدماتها. تلقت هذه الشركة دعمًا قليلا من مقرها الرئيسي فيما يتعلق بتخطيط الأعمال والتوظيف والخدمات اللوجستية. وبسبب محدودية الموارد، اضطر المديرون الصينيون إلى الاعتماد على الذات، والتفكير بأسلوب ريادة الأعمال لإدارة العمليات اليومية، وهذا يعني أن الشركة عهدت إلى الموظفين المحليين بتنفيذ واجبات إدارية يومية.

Embed from Getty Images

على عكس الشركتين الأخريين اللتين فحصهما البحث، لم توظف يوكي سوى ثمانية مغتربين في إثيوبيا، تحت مسمى «مشرفين»، أما 95% من قوتها العاملة فكانوا إثيوبيين، وكان السكان المحليون يشغلون جميع المناصب الإدارية والفنية.

كما اعتمدت الشركة هيكلًا تنظيميًا مبسطًا للغاية، وبيئة عمل متحررة من القيود الرسمية. وشارك المشرفون الصينيون مساحاتهم المكتبية مع المديرين المحليين، وتواصلوا معهم على أساس يومي. ومع ذلك، لم يزل المشرفون الصينيون الثمانية يحتفظون بسلطة اتخاذ القرارات النهائية، بما في ذلك القرارات الحرجة، مثل: الراتب، والترقية، والفصل.

عوامل مختلفة تؤثر على الإستراتيجيات الإدارية

توضح هذه الشركات الثلاث الطرق المختلفة التي تدير بها الشركات الصينية أعمالها وتعامل موظفيها في أفريقيا وفقًا لها. ويخلص التحليل إلى أن مجموعة واسعة من العوامل تؤثر على إستراتيجياتها الإدارية، بما في ذلك الممارسات الصناعية الراسخة، وظروف السوق المحلية، والموارد التي يتلقونها من المقر الرئيسي. في الواقع، قد تطبق الشركة نفسها مناهج وإستراتيجيات إدارية مختلفة للتعامل مع مجموعات مختلفة من الموظفين، أو تعدل ممارساتها الإدارية بمرور الوقت.

تعترف الكاتبة بأن بحثها لا يغطي بالتأكيد جميع ممارسات التوظيف الصينية المختلفة في إثيوبيا، ناهيك عن مختلف أنحاء أفريقيا. وقد لا ترقى الشركات الثلاث التي ناقشها تحليل «الواشنطن بوست» إلى مستوى العينة الممثلة لكل المستثمرين الصينيين في كل من هذه القطاعات. علاوة على ذلك، مع استمرار هذه الشركات في النمو والتطور داخل أفريقيا، من المحتمل أن تعدل إستراتيجياتها الإدارية الخاصة بها استجابة للظروف الجديدة داخل الشركة وفي البلد الأفريقي المضيف.

ماذا تخبرنا به النماذج الثلاثة عن طريقة عمل الشركات الصينية في أفريقيا؟

 ومع ذلك فإن ممارسات التوظيف التي تطبقها هذه الشركات الثلاث تسلط الضوء على حقيقة أن الشركات الصينية تساهم في خلق فرص عمل محلية عبر مختلف القطاعات، على الرغم من وجود اختلافات كبيرة من حيث أنواع الوظائف وشروط العقد ومستوى سلطة اتخاذ القرار الممنوحة للموظفين المحليين.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: في ظل نفوذ فرنسي.. ما الدور المنتظر من إدارة بايدن في الساحل الإفريقي؟

بالإضافة إلى ذلك تكشف هذه الحالات أيضًا أن الشركات الصينية يمكن أن تكون مرنة وقابلة للتكيف فيما يتعلق بإستراتيجيات التوظيف الخاصة بها؛ مما قد يمنح الحكومات الأفريقية المضيفة فرصة لتعزيز التغييرات التي تركز على الموظف في مكان العمل.

وترى الكاتبة في ختام تحليلها أن التنوع الواسع في ممارسات التوظيف الصينية داخل إثيوبيا بمثابة تذكير إضافي بأن الادعاءات الكاسحة حول كون الصين إما صديقًا خَيِّرًا أو مستعمرًا جديدًا في أفريقيا قد تكون بالية. بدلًا عن ذلك يمكن للعلماء وصناع السياسات وعامة الناس استخلاص الكثير من المعلومات عن طريق إلقاء نظرة فاحصة على تنوع الأنشطة الصينية وتعقيدها وتأثيراتها المحلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد