ليست «هواوي» و«تيك توك» فقط هما ما يشكل تهديدًا بالنسبة للأمريكيين؛ فقد أُنتجت أفلام صينية مؤخرًا تنافس أفلام هوليوود في صناعتها التي تجني منها المليارات، بحسب ما كتبه الصحافي ستيفن زيتشيك في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

في بداية التقرير يشير الكاتب إلى أن السنة الماضية كانت مثيرة على شباك تذاكر السينما، لكنه لا يستدل على هذا الرواج بالأفلام المشهورة مثل: المنتقمون (The Avengers) والأسَد الملك (The Lion King)، بل بفيلمين صينيين هما: «The Wandering Earth» و«Ne Zha» ورغم أن هذه اللغة ليست مألوفة في الغرب، فإنها ازدهرت لتصبح واحدة من أكبر النجاحات في التاريخ الصيني.

حقق الفيلمان أرباحًا ضخمة بلغت 1.3 مليار دولار في الصين هذا العام، ليتربعا على رأس قائمة الأعمال الفنية في تاريخ البلاد. هذا يعني أن أكثر ثلاثة أفلام تحقيقًا للأرباح على الإطلاق في الصين كانت أفلامًا صينية، وهو شيء كان مستحيلًا تصوره في السابق.

مع وصول إيرادات شباك التذاكر إلى ما يقارب 9 مليارات دولار العام الماضي، قفزت الصين لتصبح ثاني أكبر سوق للأفلام في العالم. هذه الأرباح تفوق أربعة أضعاف نظيرتها في اليابان التي تحتل المرتبة الثالثة، وتقترب بذلك من الولايات المتحدة التي تبلغ إيراداتها من هذه الصناعة 12 مليار دولار. وتتميز الصين بأنها كبيرة جدًّا لدرجة أنها تحقق أرباحًا في شباك التذاكر أكثر من إجمالي أرباح الأسواق الستة التي تليها على قائمة الدول الأكثر جنيًا للإيرادات.

أفلام صينية تتخطى أرباح أفلام هوليوود

يتابع ستيفن: ولكن في الأشهر الأخيرة ظهر اتجاه مثير للدهشة – ومثير للقلق بالنسبة لهوليوود – وهو أن الصين تحقق الكثير من هذا النجاح بأفلامها الخاصة. وحققت الصين أعلى إجمالي ربح سنوي لها على الإطلاق من شباك التذاكر بانتهاء عام 2019.

وكذلك من المحتمل أن يكون اثنان فقط من قائمة أفضل أفلام لديها قادم من الولايات المتحدة – نصف العدد مقارنة بالسنوات الأخيرة – بينما حلت الأفلام الصينية الرائجة محلها. وتنتقد الصين الشركات الغربية، في ظل محاولاتها وقف الدعم الموجه لاحتجاجات هونج كونج.

وينقل الكاتب عن مارك جانيس، مؤسس شركة «جيافليكس» والخبير في صناعة السينما الصينية، قوله: «ما يتكشَّف أمامنا هو نضوج صناعة السينما الصينية. لطالما كانت هناك توقعات بأن الأفلام التي تأتي من هوليوود ستكون دائمًا هي الأكثر جاذبية، ولكن اتضح أن هذا غير صحيح».

لسنوات كانت الحكمة التقليدية تقول إن التوسع السريع في دور السينما الصينية، والإقبال المتزايد على مشاهدة الأفلام، سيكون بمثابة فرصة مفيدة لهوليوود. إذ ستزداد ثروات هوليوود، بازدياد إقبال الجمهور على السينما. وهذا ما حدث في الواقع.

اعتقد الكثيرون في هوليوود بأن هذه الطفرة ستستمر لفترة طويلة. وكل ما احتَاجه الأمر هو استوديو ومسؤول تنفيذي، ثم إيجاد منفذ توزيع تمنحه الحكومة، ثم بث المنتج الأمريكي على 60 ألف شاشة صينية. والحال هكذا، كان من المؤكد أن ترتفع الأرباح تباعًا.

الطفرة الصينية قلبت هذا السيناريو، وكانت نذير شؤم على واحدة من أكثر الصناعات التصديرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة.

غير أن الطفرة الصينية قلبت هذا السيناريو، وكانت نذير شؤم على واحدة من أكثر الصناعات التصديرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. يقول الخبراء إن حظ هوليوود ووقتها ينفدان في أكثر أسواقها الدولية ربحًا.

وبعيدًا عن منصة الهبوط الآسيوية للأفلام الأمريكية الأكثر رواجًا، تُظهر الصين علامات على أنها ستصبح كالهند أو نيجيريا، وهما سوقان كبيران للأفلام تزدهر بيئتها السينمائية مستقلين عن هوليوود؛ وفيلما «The Wandering Earth» و«Ne Zha» يقودان هذا المسار.

ويلفت الكاتب إلى أن الأفلام الصينية كانت تركز في الماضي على إعلاء قيمة الوطنية، وتهتم بها أكثر من اهتمامها بالقصة والصورة. لكن هذه النوعية من الأفلام شهدت تراجعًا، وانتقلت القضايا القومية إلى خلفية المشهد السينمائي، وأصبحت التأثيرات المستخدمة أكثر إتقانًا وجاذبية، وقُدِّمَت القصص في ثوبٍ غربي تقليدي أكثر؛ وهكذا ظهرت أعمال سينمائية تتمتع بميزانيات ضخمة وتصادف أن تكون صينية.

هذا جزء من حملة تقودها الإستديوهات والممولون الصينيون، مصحوبة عادة بدعم حكومي، لإنتاج أفلام تتنافس مباشرة مع هوليوود، بحسب التقرير.

حكايا وقصص تقليدية تلتقطها كاميرات صينية

يذكر الكاتب أن فيلم «The Wandering Earth» يحكي قصة مستقبلية لعملية إنقاذ تجري أحداثها في الفضاء. ولتخيُّل هذا النمط الصيني من الأفلام، يدعو ستيفن القراء إلى تخيل مزيج من فيلمي «The Mars» و«Mad Max».

صحيحٌ أن الأمجاد الصينية ما تزال حاضرة في هذه الأعمال السينمائية، ولكنها تعرض على نحوٍ أقل صراحة (على الرغم من الغياب الأمريكي الملحوظ، يبرز الروس بوصفهم الحليف الرئيسي لبطل الفيلم).

ويضيف التقرير أن فيلم «Ne Zha»، الذي يحكي قصة شخصية تسعى لاسترداد لؤلؤة غامضة، اعتمد على أكثر من 1600 مختص في مجال التأثيرات من شركات متعددة لتجهيز صوره، على غرار ما تفعله أفلام الرسوم المتحركة (الأنيمِيشن) في هوليوود.

وفي حين أخرج كلا الفيلمين مخرجان صينيان في الثلاثينيات من عمرهما، فإنهما استفادا من النماذج الهوليوودية. حتى إن مخرج «The Wandering Earth» فرانت جو تحدث عن مدى تأثرّه بفِيلم «Terminator 2» لجيمس كاميرون.

يتنوع محتوى الأفلام التي تأتي في المرتبة التالية لأفلام القمة. ومن بين الأفلام الصينية الناجحة الأخرى في عام 2019 تأتي قصص الأبطال، بما فيها فيلم «My People, My Country»، والفيلم المستند إلى قصة واقعية «The Captain». وهناك أفلام لن تكون بعيدة عن قائمة الأفلام التي تصدرها هوليوود: منها دراما سباقات السيارات في «Pegasus»، وكوميديا الخيال العلمي في «Crazy Alien». ويقول الخبراء إن هذه الأفلام تنجح لأنها تمثل مزيجًا متقنًا من النكهة المحلية والمنتج العالمي.

ويستشهد الكاتب بما قالته آيني كوكاس، الأستاذة بجامعة فيرجينيا ومؤلفة كتاب «هوليوود التي صنعت في الصين – Hollywood Made In China»، والذي يتحدث عن علاقة صناعة الترفيه بهذا البلد: «معظم الناس في الصين يفضلون مشاهدة قصص عن أشخاص يشبهونهم ويتحدثون لغتهم. لا يريدون أجندة قومية، ولكن يريدون أن يكون الفيلم مصبوغًا بالصبغة الصينية. إذا استطاعوا توفير هذه الوصفة في الأفلام ذات الميزانية الكبيرة، فسوف يشاهدونها».

هوليوود.. ضحية غير متوقعة للحرب التجارية 

يحدث التحول سريعًا، فمنذ ستة أشهر فقط تركزت أكبر مخاوف الإستديوهات على الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، والتي بدأت تؤثر سلبًا في عدد أفلام هوليوود التي يسمح بدخولها إلى الصين.

وتعرض الأفلام الأجنبية في الصين وفق نظام صارم، إذ تحدد مجموعة أفلام الصين (China Film Group) التي تديرها الحكومة عدد الأفلام التي يُسمح بإنتاجها – كانت 35 فيلمًا في السنوات الأخيرة – وتمنح الإذن للأفلام الفردية.

كان أحد أهداف النظام هو منع أفلام هوليوود من تجاوز نسبة 50% من حصة السوق. لكن لم يعد هناك حاجة لهذه الإجراءات الوقائية، وربما لن يبقى لهذه التقسيمات أي أهمية على حد قول كاتب التقرير.

وهكذا أصبحت العقبة الكبرى أمام الأفلام الأمريكية لا تتعلق في المقام الأول بعدم قدرتها على الوصول إلى الصين، ولكنها باتت مرتبطة أكثر بأن الناس أصبحوا لا يأتون لمشاهدتها.

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
مترجم: كيف تضر الحرب التجارية أمريكا أكثر من الصين؟

مخاوف الماضي أصبحت حقائق الحاضر

ينقل ستيفن عن مارك قوله: «كانت إستوديوهات هوليوود قلقة من منع الحكومة الصينية لهم من زيادة أرباحهم، ولكن ما يوقفهم الآن هو الاهتمام الواقعي لرواد السينما الصينيين بمشاهدة الأفلام المحلية».

لا تواجه هذه الصعوبات بعض الإستديوهات دون أخرى، فشركة ديزني كانت من أكثر شركات الترفيه الأجنبية نجاحًا في الصين؛ ووصلت عائدات فيلم «End game» إلى 614 مليون دولار، ولكنها حصلت على نصيبها من الإخفاق خاصة في سلسلة حرب النجوم (Star Wars)، التي لم تبلِ بلاء حسنًا دائمًا، مثلما حدث مع فيلم (Skywalker) في الصين، الذي افتتح في المرتبة الثالثة بـ12.1 مليون دولار فقط. وهذا ما مثل سلسلة من التراجع بعد الـ42.6 مليون دولار التي حققها فيلم  (The Last Jedi) و126 مليون دولار لفيلم (The Force Awakens).

«قدرة هوليوود على إنتاج أفلام رائجة تُبقي على الجمهور الذي يرغب في مشاهدة أفلام الإستديوهات تفوق قدرة الصين».

وينقل الكاتب قول مسؤول تنفيذي صيني يعمل في أحد إستديوهات الولايات المتحدة رفض الكشف عن اسمه؛ لأنه غير مخول بالحديث إلى الصحافة: إنه لا يشعر بالقلق لأنه يعتقد أن قدرة هوليوود على إنتاج أفلام رائجة تُبقي على الجمهور الذي يرغب في مشاهدة أفلام الإستديوهات تفوق قدرة الصين؛ مما يمنح هوليوود بعض الوقت.

لكن البيانات ترسم صورة أخرى؛ إذ سيكون هناك فيلمان فقط من هوليوود بين أفضل 10 أفلام هما الأقل في الإيرادات منذ أن بدأت الأعمال الفنية الحديثة في الصين قبل أكثر من عقد من الزمان بقليل. حتى هذين الفيلمين هما من بقايا زمن سادت فيه هوليوود.

والصين لها تأثير كبير في هوليوود، ففي مناخ من ركود الأرباح المحلية القادمة من شباك التذاكر، ما يزال فيلم «Middle Kingdom» يمثل عملًا محوريًّا في أرباح الإستوديو، وقدرة هوليوود على الاستمرار في إنتاج أفلام بميزانية ضخمة.

ويلفت الكاتب إلى أن السنة الماضية، حققت الصين أكثر من ملياري دولار من مبيعات تذاكر أفلام الإستديو، بينما حققت اليابان – ثاني أكبر سوق في العالم – 500 مليون دولار فقط.

استعادة هوليوود لمكانتها أمر مشكوك فيه

ينقل ستيفن ما قاله روب مور، نائب الرئيس السابق لشركة «باراماونت»، الذي يدير أنشطة ترفيهية واسعة النطاق في الصين: «أعتقد أن الأمر يعتمد على طريقة مسؤول الإنتاج في الإستديو الذي نتحدث عنه وكيف يستجيبون. إذا كنت مستعدًّا لبذل المزيد من الجهد في العمل فستكون على ما يرام، وإلا فلا. إنه سوق مختلف تمامًا، وبالتالي لا يصلح أن تعتمد على خطة التسويق ذاتها التي تستخدمها في بقية العالم».

Embed from Getty Images

في أفضل السيناريوهات، تستطيع الإستديوهات إيقاف النزيف والتأكد من احتفاظها، على الأقل، بنسبة 40% من السوق المتوقعة والتي تقدر بقيمة 10 مليارات دولار.

يقول روب وغيره من الخبراء إن مشهدًا أكثر قسوة قد يتجلى في السنوات القادمة؛ إذ قد تستمر الأفلام الصينية ذات الميزانية الضخمة بالاستحواذ على الحصص في بلدها الأم، مقلصة بذلك حصة أفلام الإستوديوهات إلى 30% أو أقل.

يؤدي ذلك إلى تقلص أسرع لأفلام الإستديوهات؛ لأنه بدون عائدات شباك التذاكر الصيني، فإن قدرة الإستديوهات على تمويل أفلام الميزانية الضخمة ستنخفض.

الطفرة الصينية وتأثِير الدومينو الذي سيؤدي إلى خفض الإنتاج

يرى التقرير أن إحدى طرق تخفيف الضغط على هوليوود هو أن تجني إيرادات أكبر من التذاكر التي تبيعها بالفعل. وتحصل الإستديوهات على 25% من إيرادات الأفلام في شباك التذاكر الصيني، وكان هناك صخب حول زيادة هذه النسبة. لكن القضية لم تكن في صدارة وقلب المحادثات التجارية، على الرغم من أن وزير الخزانة ستيفن منوشِين وهو ممول مخضرم في هوليوود لديه فهم كبير لهذه المسألة.

«فكرة الافلام الرائجة الأمريكية ستكون قريبًا فصيلًا مهددًا بالانقراض».

تحتاج الإستديوهات أيضًا في محاولة لاستعادة السوق الصينية إلى أن تلتزم بقيود المحتوى والرقابة التي ما زالت عالية كما كانت دائمًا. حتى فيلم «وارنر بروس» الأكثر ربحًا هذا العام «الجوكر»، لم يسمح به في الصين؛ ربما لأن المسؤولين الحكوميين اعترضوا على موضوعاته اللاسلطوية (الأناركية).

أما رونالد إميريش مخرج أفلام الأكشن الشهيرة «The Independence Day» و«2012»، فاستحوَذ على اهتمام العالم مؤخرًا عندما قال إن فكرة الافلام الرائجة الأمريكية ستكون قريبًا فصيلًا مهددًا بالانقراض.

وأضاف في مهرجان شنجهاي السينمائي الدولي عند حديثه عن الأفلام الرائجة في العقد الجديد: «هناك قصص خيال علمي تجذب الجمهور الصيني والأمريكي والألماني على التساوي، ستصبح عالمية أكثر منها هوليوودِية».

وأصبح إميريش أقرب إلى الصين؛ إذ اعتمد مؤخرًا على المستثمرين الصينيين للمساعدة في تمويل فيلمه الأمريكي مقابل فيلم ياباني عن الحرب العالمية الثانية بعنوان «Midway»، وجعل إحدى المدن الصينية واحدة من موضوعات فيلمه «Independence Day: Resurgence» عام 2016.

تأتي الطفرة الصينية أيضًا مع احتمالية أخيرة مخيفة بالنسبة لهوليوود وهي أن تبدأ الأفلام الصينية بمنافسة هوليوود خارج حدود بلدها الأصلي، مما يهدد هيمنة الإستديوهات في مختلف أنحاء العالم.

في حين يستبعد أن يقبل الأمريكيون بأعداد غفيرة على أفلام المغامرة الصينية، بيد أن الجماهير في أوروبا أو أمريكا الجنوبية أو أي مكان آخر في آسيا قد يقبلون على هذا النوع من الأعمال السينمائية.

يختم الكاتب تقريره بالتساؤل الذي طرحه مور: «إذا لم تكن تشاهد فيلمًا بلغتك الأم، فهل يهم حقًّا ما إذا كنتَ تقرأ ترجمة منقولة عن الإنجليزية أو الماندرينية؟».

منطقة الشرق

منذ 8 شهور
مترجم: دور الصين المتنامي في المنطقة العربية.. هل تستبدل أمريكا قريبًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد