قال إلياس جرول في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي» إنه في الأيام والساعات التي سبقت مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، يوم الجمعة -التي تسابق الإعلام على نقلها- ترك القاتل سلسلة من الأدلة الرقمية التي أظهرت غرضًا واحدًا واضحًا: جذب أنظار مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، عبر بث مقطع مصور على الهواء مباشرة، لينتشر كالنار في الهشيم.

وأوضح جرول أن حتى مكان تنفيذ الجريمة -نيوزيلندا- قد اختير على ما يبدو لإرسال رسالة أراد أن يتردد صداها على الفور عبر العالم الرقمي الأكثر قتامة: لا مكان على الأرض في مأمن من المتطرفين البيض وعقائدهم، الذين بنوا حياة جديدة لأنفسهم على الإنترنت.

تعرف إلى الشخصيات التي ذكرت على سلاح قاتل المصلين في نيوزيلندا

لقد أدت هذه المجزرة – التي أسفرت عن مقتل 49 شخصًا- إلى تركيز وسائل الإعلام العالمية على نشر أفكار القاتل في جميع أنحاء العالم، وبذلك تنقلها إلى كافة الناس. ويبدو أن هذا ضمن خطة المنفذ، الذي يبدو أنه شارك في بعض المجتمعات المجهولة الأكثر سمية عبر الإنترنت. «حددت الشرطة المشتبه به بأنه أسترالي يبلغ من العمر 28 عامًا يدعى برينتون تارانت».

كل هذا يطرح أسئلة صعبة حول كيفية استجابة وسائل الإعلام لمذبحة تبث عبر الإنترنت، كما يشير جرول.

يقول روبرت إيفانز، الصحافي والباحث الذي كتب بشكل مكثف عن الجماعات المتطرفة على الإنترنت: «إن وسائل الإعلام جيدة في التعامل مع مجموعات مثل القاعدة»، التي تتمتع ببنية تنظيمية وقيادية واضحة. أما مجتمعات الإنترنت غير المنظمة، مثل تلك التي شارك فيها مطلق النار، فهي تشكل تحديًا أكثر صعوبة.

تركزت استراتيجية المجرم على وسائل الإعلام، عبر مقطع مصور مدته 17 دقيقة على الهواء مباشرة من كاميرا مثبتة على خوذة عسكرية. ظهر المشتبه به في الوقت الحقيقي وهو يقود سيارة سوبارو إلى هدفه، المسجد، وبدأ في إطلاق النار.

كان متابعوه على علم مسبق بأنه سينفذ المجزرة -وحقيقة أنه سيبثها على الهواء مباشرة- على موقع 8chan، وهو موقع لتبادل الصور يفخر باستضافته للمحتوى الذي يعتبر مسيئًا للغاية بالنسبة إلى مواقع الإنترنت الأخرى. جنبًا إلى جنب مع رابط لصفحته على فيسبوك -ينوه جرول- نشر مطلق النار روابط لبيانه المكون من 74 صفحة على مواقع متعددة، بحيث يمكن للمستخدمين الآخرين الحصول على نسخة قبل حذفه. «نشأ موقع 8chan بديلًا لموقع 4chan بعد أن اعتقد بعض مستخدمي هذا الأخير أنه أصبح معاديًا جدًا للمحتوى المروج للكراهية والعنصرية».

منفذ هجوم المسجدين

في الساعات التي تلت المجزرة، بثت وسائل الإعلام العالمية هذه المواد على نطاق واسع. فقد نشرت صحيفة ذا صن البريطانية مقتطفات من الفيديو على صفحتها الرئيسية، وزودت صحيفة ديلي ميل قراءها برابط لتنزيل البيان. بينما عرضت شبكة «إم إس إن بي سي» الأمريكية البيان في مكان بارز على الهواء.

يوضح جرول أن الفيديو ظل متاحًا على يوتيوب ساعات تالية قبل حذفه. وكان متاحًا أيضًا على فيسبوك، حيث تم بثه في الأصل، فترة قبل إزالته. وعلى الرغم من أن الفيديو غير متاح حاليًا على المواقع الرئيسية، إلا أنه لا يزال بإمكان أي مستخدم إنترنت مغامر العثور عليه.

لم تكن مجزرة الجمعة هي المرة الأولى التي يتم فيها بث عملية قتل وحشية على فيسبوك، فقد استخدم أحد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية التكنولوجيا للاعتراف الفوري بقتل قائد شرطة فرنسي وشريكه في عام 2016.

لكن البيان الذي نشره مطلق النار ومقاطع الفيديو ووسائل توزيعها كانت مذهلة بالنسبة للطريقة التي انتشرت بها في المنصات العامة والمواقع الثقافية على الإنترنت. وهي تشير إلى أن القاتل، الذي قيل إنه معجب بالنرويجي أندرس برينغ بريفيك، الذي قتل 77 شخصًا في عام 2011 في مجزرة قتل جماعي، أراد أساسًا تحقيق نوع من الانتشار الواسع.

في بداية الفيديو، يحث مطلق النار المشاهدين على الاشتراك في قناة PewDiePie على يوتيوب -يواصل جرول حديثه- التي سخرت من معاداة السامية، وأدلت بتعليقات مهينة عن النساء. ومع وجود ما يقرب من 90 مليون مشترك في القناة، فهي الأكثر شعبية في العالم.

لكن فيلكس جيلبيرج -مالك القناة المذكورة- أصدر بيانًا يدين الهجوم، وعمل على إبلاغ متابعيه بتطورات ما حدث في نيوزيلندا.

وبالإضافة إلى الإشارة إلى مرتكبي المجازر السابقين من المتطرفين البيض، فإن بيان منفذ المذبحة مليء بالإشارات إلى الميمات، والصور والنصوص التي تشكل اللغة المشتركة لمستخدمي الإنترنت. في جوهره، فإن البيان هو صيحة دفاع عن قتل الأوروبيين غير البيض.

في بعض الأحيان، يستفز المؤلف عن عمد القراء غير المعتادين على ثقافة الإنترنت من خلال إصدار بيانات غريبة قد يأخذها الغرباء على محمل الجد -يقول جرول- ففي أحد المقاطع البارزة التي يتناول فيها القاتل ما إذا كان قد تعلم العنف من ألعاب الفيديو، كتب أنه تعلم «القومية العرقية» من لعبة الفيديو Spyro the Dragon 3، وأن لعبة الفيديو Fortnite دربته «ليكون قاتلًا ويرقص على جثث أعدائه» في إشارة إلى الرقصات الاحتفالية التي هي جزء من هذه اللعبة.

يتضمن البيان الكثير من أنواع النكات المتداولة على الإنترنت، وتوضح أن المجرم هو عضو مخضرم في هذه المجتمعات. كانت صورة حساب القاتل على الموقع هي ميم يطلق عليه Australian Shitposters، التي تشير إلى «الصورة النمطية الشائعة عن المستخدمين الأستراليين على موقع 4chan من أنهم يغرقون الموقع بمنشورات تافهة وبلا فائدة».

عند إعلانه الهجوم على موقع 8chan، كتب مطلق النار: «حسنًا يا قوم، لقد حان الوقت للتوقف عن نشر التفاهات، ونشر شيء حقيقي».

ويؤكد جرول أنه مثلما أدى تجمع شارلوتسفيل الدموي للقوميين البيض إلى إخراج الأمريكيين المتطرفين من مخابئهم المظلمة على الإنترنت إلى شوارع فيرجينيا، فإن إطلاق النار يوم الجمعة أخرج أكثر أشكال العنصرية من موقع 8chan إلى مسجدين في كرايستشيرش.

تمثل كيفية تغطية مثل هذه الظواهر على الإنترنت تحديًا عميقًا للمنصات الإعلامية التقليدية. في تقرير خلال عام 2018، درس الباحثون في منظمة Data & Society، وهي منظمة بحثية غير ربحية، كيف أدت تغطية مجتمعات الإنترنت وأيديولوجيتها للعنصرية إلى رواجها.

وقد خلص الباحثون إلى أنه «من خلال القيام بوظائفهم على النحو المحدد، لعب الصحافيون الذين يغطون التطرف اليميني -الذي استوعب كل شيء من منظري المؤامرات المحترفين إلى مؤيدي ترامب، ووصولًا إلى النازيين الفعليين- دورًا مباشرًا في الترويج لهذه المجموعات. في هذه العملية، صبت هذه التغطية البنزين على النار المشتعلة بالفعل».

يختتم جرول بالقول إنه عندما ينتقل أعضاء من أقصى اليمين من فضاء الإنترنت، ويشاركون في أعمال عنف جماعية، فمن المستحيل على وسائل الإعلام ألا تغطي القضية. إن مقتل 49 شخصًا، في لغة الإعلام، خبر. ويكمن التحدي في سرد هذه القصة دون توجيه عدد كبير من الناس إلى مجتمعات الإنترنت العنصرية التي ألهمت الهجوم.

مترجم: «وجوه من المذبحة».. هؤلاء ضحايا هجوم نيوزيلندا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد