سلطت مجلة الإيكونومست الضوء على معاناة الأقلية المسيحية في العالم العربي، لا سيما في مصر. فمن الموصل إلى صعيد مصر، يبدو حال المسيحيين في تراجع مستمر، وخاصةً بعد غزو العراق وما تلاه من أحداث دموية، وثورات الربيع العربي التي زادت من أحوالهم سوءًا.

تقص المجلة حكايات مختلفة توضح تلك المعاناة. ففي الموصل، وإثر اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لثاني أكبر مدن العراق، فرّ الآلاف من المسيحيين العراقيين خوفًا من وقوعهم أسرى في يد التنظيم، الذي لا يظهر أي رحمة ضد أي ديانة غير الإسلام. فإما أن يتحولوا إلى نسخة الإسلام المتشددة التي يطبقها التنظيم، أو يواجهوا الموت. وقد فرّ من بقي منهم حيًّا إلى أربيل في كردستان العراق.

وقد صاحب ذلك تدمير حوالي 32 كنيسةً في تلك المنطقة، وفي محافظة نينوى، كما جرى تحويل بعضها إلى مساجد. يتذكر المطران نيقوديموس وهو يبكي الأهوال التي تعرض لها المسيحيون على يد التنظيم. «حتى إبان اجتياح المغول لم يكن الوضع بهذه البشاعة»، كما يقول المطران.

شكّل المسيحيون حوالي 12% من سكان العراق في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان المسيحيون يهيمنون على مدن العراق الكبرى ذات يوم. وقد انخفض العدد بشدة بعد الغزو الأمريكي للعراق. ويعتقد المسيحيون العراقيون أن سيطرة الدولة الإسلامية هي نتيجة دعايا متشددة قديمة تهدد بإبادة مسيحيي الشرق الأوسط.

وكان الطرفان قد تبادلا العمليات الانتقامية. فقد وقعت مذابح في حق الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك كرد على ما ارتكبه المسيحيون الأرثوذكس في حق المسلمين في شبه جزيرة القرم، وجنوب شرق أوروبا.

وحتى بعد تصدر الشيعة المشهد السياسي في العراق، لم يتغير الحال كثيرًا. وذلك على اعتبار أن معظم الجماعات الجهادية التي تقتل المسيحيين هي من الطائفة السنية. «المسيحيون السريانيون هم أصحاب الأرض، لكن ضيوفنا سلبونا إياها»، كما يقول المطران.

لعل حال مسيحيي العراق وسوريا لم يكن جيدًا تحت حكم صدام حسين، أو بشار الأسد، ولكن حالهم في ظل وجود الجهاديين أسوأ. لكن المطران يقول إنهم قد وجدوا الملاذ الآمن في كردستان العراق، لا سيما في أربيل.

ثم تنتقل المجلة إلى رصد أحوال الأقباط في مصر، خاصةً بعد ثورة يناير. تنقل المجلة عن البابا تواضروس قوله إن كل شهر تقع هجمات ضد الأقباط في مصر، وأن محافظة المنيا وحدها قد شهدت حوالي 77 اعتداءً على الأقباط منذ عام 2011، وذلك وفق إحصاءات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ثم تسرد المجلة قصة أشرف، القبطي المصري المقيم في إحدى قرى الصعيد. الذي انقلبت حياته إلى جحيم إثر خلاف مالي بينه، وبين تاجر مسلم. ادعى التاجر أن أشرف يقيم علاقة مع فتاة مسلمة. فأحرقت مجموعة من المسلمين منزله، ومزقوا ملابس والدته العجوز وأهينت في أنحاء القرية.

كان الأقباط قد تعرضوا إلى موجة عنف شديدة، أحرقت فيها عشرات الكنائس، بعد أن قامت الحكومة المؤقتة بفض اعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي بالقوة المفرطة. ومنذ آنذاك، يحاول السيد عبد الفتاح السيسي تهدئة التوتر الطائفي. قام السيسي بسابقة لم يفعلها أي رئيس مصري، وزار قداس عيد الميلاد في عام 2015 في كاتدرائية العباسية في القاهرة، وأعاد الكرة العام الماضي.

ورغم أن الأقباط كانوا من أشد الداعمين للسيسي في تحركه ضد نظام الإخوان المسلمين، حيث وصفوه بـ«المنقذ والبطل»، إلا أن إخفاق السيسي في تحقيق أي تقدم في البلاد قد أفقده بعضًا من شعبيته بين الأقباط. وجه الأنبا مكاريوس، رئيس الكنيسة القبطية في المنيا، انتقادات علنية للسيسي قائلًا: «عليه أن يحول الأقوال إلى أفعال».

لطالما اشتكى الأقباط من التمييز في مصر، كما تقول المجلة. فهم غير مسموح لهم بتقلد مناصب قيادية في الأجهزة الأمنية، ولا يتولون حقائب وزارية سيادية في الحكومة، ويقول الأقباط إن ثمة تعنتًا من السلطات في إصدار تصاريح لبناء كنائس جديدة؛ خوفًا من إثارة غضب المتشددين في مصر، وتحدث ضجة كبرى إذا ما أقدم أحد المسلمين على تغيير ديانته إلى القبطية.

ولم تتخذ الدولة أي إجراء جدي لنزع فتيل الفتنة بين شقي المجتمع، وإنما اكتفت بعقد جلسات الصلح العرفية بين العائلات المتناحرة من كلا الطائفتين، في حضور قيادات أمنية ووجهاء المنطقة، حيث تنتهي تلك الجلسات دون توقيع عقاب صارم على الجاني. ويقول الأقباط إنه يجري إجبارهم على حضور تلك الجلسات العرفية، وتهديدهم بالعقاب إذا لم يلتزموا بما ينتج عنها من قرارات.

يعتقد البعض أن الكنيسة القبطية تساند بشكل مطلق الرئيس السيسي، وأنها تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة التي تقع في عهده، وقد روجت الكنيسة لفكرة أن ثورات الربيع العربي هي مؤامرة خارجية.

وتختتم المجلة الحديث بالقول إن الرئيس السيسي عاتب الدعاة المسلمين على عدم احترامهم للأديان الأخرى. فقد قال السيسي: «لم يخلق الله العالم للمسلمين وحدهم». لكن المسيحيين في مصر، حسب رأي المجلة، يشعرون أن هذا ما يسعى له المسلمون هناك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد