لم يكن تشاك بولانيك يعمل بالكتابة، وقت أن كتب روايته، (نادي القتال)، في منتصف التسعينيات. كان يعمل كمتخصص وثائق، في أوريجون، ويخطّ سطور روايته بين أوقات العمل. لكن هذا كان منذ أمد بعيد. الآن بولانيك في الثالثة والخمسين من عمره، يعيش حياة هادئة شمال المدينة. لم تعد صور معجبيه متورمي الأعين ومكسوري الأسنان والأنوف من أثر قتالهم في الأزقّة – تأثرًا بالرواية- تزيّن باب ثلاجته. ازدادت ثقته بكتابته، ولم يعد مقيّدًا بعقلية الحد الأدنى التي كانت تسيطر عليه. “كنت، إذا استطعت كتابة جملة واحدة يوميًّا، أعتبر نفسي محظوظًا، وأشعر بكثير من الرضا. أما الآن، فكتابتي أصبحت أقل تقطّعًا. أستطيع الآن أن أمضي كل وقتي مركّزًا على قصّة، أو مشهد معين”.

بالطبع، فإنّه في السنين التي تلت الفترة التي شكّلت فيها رواية “نادي القتال” هويّة كل أمريكي حار الدماء، من أقصى البلاد إلى أقصاها، فإن العالم قد تغيّر كثيرًا كذلك. ففي التسعينيات، كان بولانيك، وملايين من معجبيه الذين رأوا مخلّصًا في الشخصية التي خلقها على الورق، (تايلر دردن)، كانوا يرون الولايات المتحدة دولة راكدة، ظالمة، تعجّ بمكاتب العمل والأثاث الفاخر، والمدراء ذوي الكروش الذين يديرون كل شيء. كان لا بد من أن يتغير الوضع.

الآن، بعد عقدين من الزمان، و14 رواية منذ بدء مسيرته الأدبية الخصبة، عاد الأب الروحي لروايات الخيال التحرّري إلى نقطة الصفر. نادي القتال 2 هي رواية مصورة تنشرها Dark Horse comics على حلقات، وسيبدأ صدورها في شهر مايو، ليستمر شهريًّا للشهور العشرة التالية. جلست Maxim مع بولانيك، للحديث عن فن القصة المصورة، ومستقبل السلسلة، وظلال تايلر دردن التي تلوح في الأفق.

 

صِف لنا محل إقامتك هذه الأيام.

إنه مكان ريفيّ، يقع تحت إدارة محميّة وطنية. لا جيران هنالك في أي اتجاه لمسافة طويلة.

(نادي القتال 2) تدور في محيط مدني، لا يبدو متسقًا مع عالمك الآن.

نعم، هو ليس عالمي. ولا أعرف حتى أشخاصًا كثيرين يعيشون في المدينة. لكنّي أردت لعالم الرواية أن يكون قريبًا من أكبر نسبة من القراء ومفهومًا لهم. لا يمكنك دائمًا أن ترسم عالمك الخاص لأن هذا يقلل من فرص أن يتفاعل معه القراء.

هل هناك أي روايات مصوّرة بعينها ألهمتك للدخول في هذا الوسط، وسط القصة المصورة؟

لقد قرأت كل الروايات الكلاسيكية في صورة قصص مصورة. أول مرة أقرأ فيها (قصة مدينتين، أو (فرانكنشتاين) كان من خلال هذا النوع من الفن. كان هذا في السبعينيات. أحببت كذلك قصص الرعب المصورة، وقصص DC Comics كثيرًا. وفي وقتنا الحاضر، أصبحت بورتلاند مجتمعًا حقيقيًّا من قارئي القصص المصورة.

في حوارنا الأخير، أخبرتني أن رواية (نادي القتال) كانت بشكل كبير نتيجة للظروف التي مررت بها وقتها. هل نستطيع قول نفس الشيء عن (نادي القتال 2)؟

نعم، نعم. فهذه المرة، يحاول البطل الهرب من الأدوية التي يتعاطاها، ويستعيد الجانب الأفضل والأقوى من نفسه، هذا الجانب الذي يضطر الآن إلى كتمه وإخفائه بكل هذه الأدوية التي وصفها له الأطباء. الآن، ولأني أتعاطى كل ما يمكنني أن أضع يدي عليه، من أدوية الاكتئاب والقلق، فقط لأستطيع ممارسة حياتي ولا أنزلق إلى الجنون، فإنني أتوق إلى وسيلة ما تمكنني من الإقلاع عن كل هذا.

قلت، في حفل الإعلان عن الرواية ضمن فعاليات Comic Con، أن أكثر ما يخيفك من كتابة هذه الرواية هو أن تتحول الكتابة إلى “مجرد مهمة محمومة مرهقٌ أداءها”، فهل حدث هذا؟

لا، ليس بالقدر الذي تخيلته. استغرقت كتابة النصّ وقتًا طويلًا، قرابة العام. لكن كان بمقدوري العودة إلى كل عدد وإعادة كتابة النص كما يحلو لي لأضيف إليه أفكارًا جديدة، لذا لم تكن مهمة ثقيلة على الإطلاق. بل إن التعاون مع الرسّام، واستخراج الأشياء التي يستطيع التعبير عنها بالرسم دون الكلام، هو طريقة مختلفة تمامًا من العمل.

1

هل هناك أي ميزات أخرى لمجال القصة المصورة؟

الطبيعة التعاونية فيه مذهلة. تذكرني بورش عمل الكتّاب. أن تجلس مع أشخاص وتعمل معهم على مشروع مشترك، فإن هذا أكثر متعة بكثير من مجرد الجلوس في المنزل وكتابة رواية وحدك. فكرة أنك تواجه كل يوم بنوع جديد من التحدي في الرواية. كان الرسام، كاميرون ستيوارت، يتصل بي ويقول: “لقد نسينا ظهر الصفحة الأولى فارغًا. بِمَ تحلم أن تملأه؟”، لأفكر أنا في طريقة دخيلة مناسبة للحكي. ملء هذه الفراغات كان أمرًا شديد المتعة. أيضًا، فهي صناعة لا تأخذ الأمور بجدية شديدة. فحاليًا أنا أصمم فواصل كتب ذات روائح مميزة تُباع مع الكتاب، أصممها بنفسي كنوع من الهدية للمشترين.

روائح؟ وما الروائح التي نتحدث عنها؟ لا أظنها ستكون الفراولة مثلًا.

ستكون رائحة واحدة لكلّ عدد. الأول برائحة الورد، وبالطبع، ستكون هناك روائح أقل شاعرية بكثير.

ما أكبر عيوب القصة المصورة من وجهة نظرك؟

هناك قيد هيكلي صعب ومتعب للغاية اسمه “اكتشاف قلب الصفحة”. عندما يقلب القارئ الصفحة، فإن عينيه تتفحصان الصفحتين المتجاورتين معًا، لذا لا يمكنك مفاجأة القارئ إلا عندما يقلب إلى الصفحة التالية، أي لا بد أن تضع المفاجأة في الركن العلوي يسارًا لكي يراها أول ما يرى عند قلب الصفحة. هو تحدٍ كبير، لكنني أحب خوضه.

عندما كتبت (نادي القتال)، هل كنت تشعر أن أمريكا على حافة ثورة ثقافية من نوع ما؟

لا، لم أشعر بذلك في أمريكا، كنت أشعر بذلك في نفسي. كنت أشعر أنني قد وصلت إلى أقصى درجات تعليمي الجامعي، وإلى آخر ما يمكن أن يوصلني إليه سماع الآخرين ونصائحهم. شعرت بالحاجة إلى السير عكس ما ينصحونني به، إن كان مقدّرًا لي يومًا أن أحقق قفزة لأبعد من مكاني المتوقّع في الحياة. فكّرت أنني إن استطعت الكتابة عن هذا الصراع بدقة، وفق ما أراه في نفسي، فربما يلمس هذا شيئًا عن أناسٍ آخرين.

إن كنت لتعطي النصيحة لكاتب شاب، مثل تشاك بولانيك في بدايات مشواره، ماذا كنت لتقول؟

أعتقد أن الأمر يتعلق بتكوين هيكل مجتمعي ينتظر منك أن تكتب شيئًا كل أسبوع. أنت تعلم أن لديك هذا الميعاد كل أسبوع، الميعاد الذي سيتحتم عليك أن تقدم شيئًا، وإن كان هذا الشيء سخيفًا أو سيء الكتابة، فأنت ستعاقب عليه. يحفزك هذا إلى إخراج أفضل ما فيك كل أسبوع لتبهر هذه المجموعة من الناس.

هل شعرت أن (نادي القتال 2) شيء تحتّم عليك فعله؟ لنفسك أو لمحبّيك؟

لديّ عدة أسباب. أحدها كان المسئولية المجتمعية. لم أرد أن أكتب (نادي القتال) الأولى وأدع الأمر يتوقف عند إلقاء اللوم على الآباء وفشلهم من وجهة نظر الأبناء. ظننت أن الأمر سيكون عادلًا إن كبر هؤلاء الأبناء وصاروا آباءً بدورهم، وواجهوا فشلًا مماثلًا. وبينما تسير القصة سنرجع إلى العديد من الذكريات لنكتشف أن (تايلر دردن) لم يكن شذوذًا حلّ بشخص واحد، في جيل واحد. تايلر – في حقيقته– تمتدّ جذوره إلى نقاط بعيدة في التاريخ، وقد كان يعمل ليولّد هذه النتيجة في النهاية. ما نراه هنا هو قطعة صغيرة ضئيلة ممّا كان تايلر يفعله لمئات الآلاف من السنين.

في الصفحات الستّ الأولى، يبدو الراوي وكأنه يعيش في ظل (تايلر دردن). هل تشعر بأنّك تعيش في ظلّ (تايلر دردن)؟

نعم، وهذا سبب آخر لكتابة الرواية. من الممتع للغاية أن تكون تايلر دردن، وأن تفكر مثلما يفكر. أفهم الآن لماذا أرادت (سيجوري ويفر) أن تعود للعب شخصية (إلين ريبلي) في سلسلة أفلام Alien: لأنها شخصية من العظيم أن تكونها.

2

كنت أتفقّد الرسائل التي وصلتك على الموقع الخاص بك، ورأيت بعض الأشخاص غاضبين من قرارك بكتابة (نادي القتال 2). كانوا يشعرون أن الرواية الأولى لا يجب العبث بها. هل كنت قلقًا من مثل ردّة الفعل تلك حين بدأت كتابة الجزء الثاني؟

كان المحرّر يظن ذلك أيضًا. عارض قراري بكتابة الرواية لأنه رأى أنني أخاطر بميراثي الأدبي، وأفسده تمامًا. لكنني لم أكن لأكتب جزءًا ثانيًا إن لم أكن أستطع التوسع في القصة بصورة صحيحة ومثيرة.

هل قررت دخول مجال القصة المصورة، بدلًا من كتابة الرواية كرواية عادية، لتحمي نفسك؟

هذا بالضبط ما فكّرت فيه. لقد تعلّق الناس كثيرًا بالفيلم، وبالكتاب كذلك. وإن كان هناك شيء سيحظى بفرصة ليفرض سلطته الخاصة ويكتسب أرضيته فلا بد أن يكون في وسط مختلف تمامًا، لهذا بدت القصة المصوّرة الطريقة المثلى للتحرّر من قيود النسختين السابقتين من الرواية.

هل من الممكن أن يكون هناك فيلم مقتبس عن (نادي القتال 2)؟

الجميع يسأل ذات السؤال، وقد أتت شبكات التليفزيون إلى الناشر Dark House لأخذ حقوق مسلسل تليفزيوني. لكن الجميع ما زال يحبس أنفاسه منتظرًا ردود الفعل على الرواية أولًا.

كان لـ(نادي القتال) الأولى صدى واضح مع جمهور التسعينيات، هل تتوقع أن تحقق هذه الرواية نفس التأثير في عام 2015م؟

من الصعب الجزم بهذا، لأن هذا ليس جمهور 2015 خالصًا. فنفس الجيل الذي قرأ (نادي القتال)، عام 1996م، سيقرأ هذه الرواية أيضًا. سيقرأها جيلان مختلفان في ذات الوقت. ومع اتساع القصة فسينكشف نوعًا ما الهدف من خلف الرواية كلها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات