تناول الكاتب جريج ميلر في تحقيق مطول نشرته صحيفة «واشنطن بوست» قصة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) مع «كريبتو إيه جي»، أشهر شركة لإنتاج أجهزة التشفير في العالم، استنادًا إلى الوثائق التي أفرجت عنها الوكالة مؤخرًا، والتي تحمل الكثير من الأسرار التي خفيت عن كثيرين طوال سنين، ولتثبت للعالم أن وكالة المخابرات المركزية اطلعت على ملايين الرسائل والاتصالات المشفرة الخاصة بالحلفاء والخصوم على السواء على مدى عقود من الزمان.

يقول الكاتب على مدى أكثر من نصف قرن، كانت الحكومات في جميع أنحاء العالم تثق في شركة واحدة للحفاظ على سرية اتصالات جواسيسها وجنودها ودبلوماسييها.

حصلت الشركة السويسرية «كريبتو إيه جي»، على شهرتها الأولى من خلال عقد لإنتاج آلات لصنع الشفرة للقوات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية. ومع تدفق الأموال على الشركة، أصبحت صانعًا مهيمنًا لأجهزة التشفير لعقود من الزمن، بدءًا من الأجهزة ذات التروس الميكانيكية إلى الدوائر الإلكترونية، وأخيرًا رقائق السيليكون والبرمجيات.

وحققت الشركة السويسرية ملايين الدولارات من بيع المعدات إلى أكثر من 120 دولة حتى بداية القرن الحادي والعشرين. وكان من بين عملائها إيران، والحكومات العسكرية في أمريكا اللاتينية، والمنافسين النوويين الهند وباكستان، بل وحتى الفاتيكان.

ولكن ما لم يعرفه أي من عملائها على الإطلاق هو أن شركة «كريبتو إيه جي» كانت مملوكة سرًا لوكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه»، في شراكة سرية للغاية مع دائرة الاستخبارات الألمانية الغربية. وقامت هذه الوكالات الخاصة بالتجسس بتزييف أجهزة الشركة «عمل نسخة منها» حتى يمكنها بسهولة فك الرموز «الشفرات» التي استخدمتها الدول لإرسال رسائل مشفرة.

دولي

منذ 4 شهور
مُخبرو أمريكا من المحيط إلى الخليج.. ماذا تعرف عن جواسيس واشنطن؟

يقول الكاتب إن ذلك الترتيب الذي استمر لعقود من الزمن، والذي كان من بين أكثر أسرار الحرب الباردة حماية، كشفت عنه وكالة المخابرات المركزية في عرضها التاريخي الشامل للعملية، وهو الأمر الذي حصلت كل من صحيفة واشنطن بوست والإذاعة الألمانية العامة «ZDF»، على حق نشره من خلال مشروع مشترك.

ويكشف التقرير هوية موظفي وكالة المخابرات المركزية الذين أداروا البرنامج والمديرين التنفيذيين للشركة المكلفين بتنفيذه. ويقتفي أيضًا أصل المشروع والنزاعات الداخلية التي كادت أن تخرجه عن مساره. ويصف التقرير كيف استغلت الولايات المتحدة وحلفاؤها لسنوات سذاجة الدول الأخرى، لأخذ أموالهم وسرقة أسرارهم.

«روبكون».. أجرأ عملية استخباراتية أمريكية

وتُعتبر العملية، التي عُرفت أولًا بالاسم الرمزي «Thesaurus» «كلمة إنجليزية بمعنى قاموس كلمات» وعُرفت لاحقًا بـ«Rubicon»، من بين أكثر العمليات جرأة في تاريخ وكالة المخابرات المركزية.

ويخلص تقرير وكالة المخابرات المركزية إلى أن العملية «كانت بمثابة انقلاب القرن الاستخباراتي». ويضيف: «كانت الحكومات الأجنبية تدفع أموالًا جيدة للولايات المتحدة وألمانيا الغربية من أجل تمتع الأخيرتين بامتياز قراءة معظم اتصالاتهم السرية، وربما وصل عدد الدول الأجنبية المُطلعة على تلك الاتصالات السرية إلى خمس أو ست دول».

ويذكر الكاتب أنه منذ عام 1970 فصاعدًا، سيطرت «سي آي إيه» ومعاونتها في فك الشفرات، وكالة الأمن القومي، على جميع جوانب عمليات شركة «كريبتو» تقريبًا؛ إذ سيطروا مع شركائهم الألمان على قرارات التوظيف، وتصميم تقنيتها، وتخريب خوارزمياتها «حساباتها المعقدة»، وتوجيه أهداف مبيعاتها. وبعد كل هذا، استراح جواسيس الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وتفرغوا للاستماع.

راقب الأمريكان الملالي الإيرانيين خلال أزمة الرهائن عام 1979، وزودوا بريطانيا بمعلومات استخباراتية عن الجيش الأرجنتيني خلال حرب فوكلاند، وتتبعوا حملات اغتيال حكام دكتاتوريين من أمريكا الجنوبية، وقبضوا على مسؤولين ليبيين أثناء احتفالهم بتفجير ملهى ليلي في برلين عام 1986.

وأوضح الكاتب أن البرنامج كان له حدود. فلم يكن خصوم أمريكا الرئيسيون، ومنهم الاتحاد السوفيتي والصين، من عملاء شركة «كريبتو» مطلقًا. وكانت شكوكهم القوية حول علاقات الشركة مع الغرب بمثابة الدرع الذي حماهما من الانكشاف للغير، على الرغم من أن تاريخ «سي آي إيه» يفيد بأن الجواسيس الأمريكيين تعلموا الكثير من خلال مراقبة تفاعلات «تعاملات» البلدان الأخرى مع موسكو وبكين.

فكانت هناك أيضًا خروقات أمنية وضعت شركة «كريبتو» تحت غيوم من الشك. وأظهرت الوثائق التي أُفرج عنها في السبعينيات مراسلات مكثفة -وإجرامية- بين أحد رواد وكالة الأمن القومي ومؤسس شركة «كريبتو». وتلقت الأهداف الخارجية تحذيرات من خلال تصريحات غير مسؤولة أدلى بها مسؤولون حكوميون، من بينهم الرئيس رونالد ريجان. وأدى القبض على أحد البائعين من شركة «كريبتو» في إيران عام 1992، والذي لم يدرك أنه كان يبيع معدات مزورة، إلى «إثارة عاصفة دعائية ذات آثار مدمرة»، وفقًا لما ورد في تاريخ وكالة المخابرات المركزية.

Embed from Getty Images

لكن المدى الحقيقي لعلاقة الشركة مع وكالة المخابرات المركزية ونظيرتها الألمانية لم يكشف عنه حتى الآن.

يذكر الكاتب أن دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية «بي إن دي» أصبحت تعتقد أن خطر الانكشاف كان كبيرًا للغاية، ولذلك تركت العملية في أوائل التسعينيات. لكن «سي آي إيه» اشترت حصة الألمان وواصلت ببساطة عملها، لتحقق أقصى استفادة ممكنة من كل أنشطة «كريبتو» التجسسية حتى عام 2018، عندما باعت الوكالة أصول الشركة، وفقًا لما ذكره مسؤولون حاليون وسابقون.

وتراجعت أهمية الشركة بالنسبة لسوق الأمن العالمي بحلول ذلك الوقت، وتقلصت بسبب انتشار تقنية التشفير عبر الإنترنت. إذ أصبح التشفير القوي منتشر الآن في كل مكان مثل التطبيقات المنتشرة على الهواتف المحمولة.

ومع ذلك، فإن عملية التشفير لها صلة بالتجسس الحديث. ويساعد وصولها ومدتها في توضيح كيف طورت الولايات المتحدة شهية لا تشبع للمراقبة العالمية وهو ما كشفه إدوارد سنودن في عام 2013. وهناك أيضًا أصداء لعمل «كريبتو» متمثلة في الشكوك التي تدور حول الشركات الحديثة التي لها صلات مزعومة مع الحكومات الأجنبية، بما في ذلك شركة كاسبرسكي الروسية لمكافحة الفيروسات، وتطبيق الرسائل النصية المرتبط بالإمارات العربية المتحدة، وعملاق الاتصالات الصينية هاواوي.

الكشف عن تاريخ المخابرات الأمريكية

يوضح لنا الكاتب أن هذه القصة تستند إلى تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وحساب موازٍ لوكالة المخابرات الألمانية، حصلت عليه أيضًا كل من صحيفة واشنطن بوست والإذاعة الألمانية العامة، ومقابلات مع مسؤولي المخابرات الغربيين الحاليين والسابقين، فضلًا عن موظفي شركة «كريبتو». وتحدث كثيرون بشرط عدم الكشف عن هويتهم، مشددين إلى حساسية الموضوع.

يرى الكاتب أن من الصعب المبالغة في تقدير تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية الاستثنائي. فملفات الاستخبارات الحساسة يجري رفع السرية عنها والإفراج عنها للجمهور. ولكن من النادر للغاية، إن لم يكن من غير المسبوق، أن نطلع على التفاصيل التاريخية الموثوقة لعملية سرية بأكملها. وقد تمكنت صحيفة واشنطن بوست من قراءة جميع الوثائق، لكن مصدر المادة أصر على نشر مقتطفات منها فقط.

ورفضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية التعليق، على الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين والألمان لم يشككوا في صحة الوثائق. وكانت أولى الوثائق متمثلة في التقرير المكون من 96 صفحة عن العملية التي أنجزها مركز دراسة المعلومات التابع لوكالة المخابرات المركزية في عام 2004، وهو فرع تاريخي داخلي، أما الوثيقة الثانية فتتعلق بتاريخ شفهي جمعه مسؤولو المخابرات الألمانية في عام 2008.

وتكشف الحسابات المتداخلة الخلافات التي حدثت بين الشريكين حول الحدود المالية والسيطرة، والحدود الأخلاقية، إذ كان الألمان الغربيون يشعرون بالذعر في كثير من الأحيان بسبب الحماس الذي يبيده جواسيس الولايات المتحدة عند استهدافهم الحلفاء.

لكن كلا الجانبين يصفان العملية بأنها ناجحة وتتجاوز أقصى تصوراتهم. في بعض الأحيان، بما في ذلك في الثمانينيات، كانت شركة «كريبتو» تستحوذ على حوالي 40 بالمائة من البرقيات الدبلوماسية وغيرها من عمليات الإرسال التي تقوم بها الحكومات الأجنبية ويجري فك تشفيرها في وكالة الأمن القومي وتُجهز للاستخبارات، وفقًا للوثائق.

وطوال الوقت، حققت شركة «كريبتو» أرباحًا بملايين الدولارات، وتقاسمتها وكالة المخابرات الأمريكية ووكالة المخابرات الألمانية، واستثمرتهما في عمليات أخرى.

شركة «كريبتو» بين الماضي والحاضر

يخبرنا الكاتب أن منتجات شركة «كريبتو» لا تزال قيد الاستخدام في أكثر من 12 دولة حول العالم، ولا تزال علامتها ذات اللونين البرتقالي والأبيض ترفرف فوق مبنى الشركة الرئيسي منذ فترة طويلة بالقرب من بلدة زوج «Zug»، في سويسرا. ولكن تم تجزئة الشركة في عام 2018، وتصفيتها على أيدي المساهمين الذين ظلت هوياتهم محمية بشكل دائم بموجب القوانين البيزنطية «الجبرية» لإمارة ليختنشتاين، وهي دولة أوروبية صغيرة تتمتع بسمعة تشبه سمعة جزر كايمان فيما يتعلق بالسرية المالية.

مقر شركة كريبتو في مدينة زوج السويسرية

واشترت شركتان معظم أصول شركة «كريبتو». فالشركة الأولى هي «CyOne Security»، التي أُنشِئَت باعتبارها جزءًا من عملية الاستحواذ على الإدارة وتبيع الآن الأنظمة الأمنية حصريًا للحكومة السويسرية. أما الشركة الأخرى فهي «كريبتو إنترناشيونال»، التي استحوذت على العلامة التجارية للشركة السابقة والأعمال الدولية الخاصة بها.

وأصرت كلا الشركتين على أنه ليس لديهما أي صلة حاليًا بأي جهاز استخباراتي، بل وادعت إحداها عدم علمها بملكية وكالة المخابرات المركزية للشركة «سابقًا». وجاءت تصريحاتهما ردًا على أسئلة وجهت لهما من صحيفة واشنطن بوست، والإذاعة الألمانية العامة، وهيئة الإذاعة السويسرية، وهي جهات لديها أيضًا اطلاع على الوثائق.

وتتمتع شركة «CyOne Security» بصلات جوهرية لها علاقة بشركة «كريبتو» التي تم حلها الآن، ومن ذلك أن الرئيس التنفيذي للشركة الجديدة شغل المنصب نفسه في شركة «كريبتو» لما يقرب من عقدين أثناء ملكية وكالة المخابرات الأمريكية للشركة.

ورفض متحدث باسم شركة «CyOne» تناول أي جانب من جوانب تاريخ شركة ««كريبتو» AG»، لكنه قال إن الشركة الجديدة «ليس لها أي علاقات مع أي أجهزة استخبارات أجنبية.»

وقال أندرياس ليندي، رئيس الشركة التي تمتلك الآن حقوق منتجات وخدمات «كريبتو» الدولية، إنه لا علم له بعلاقة الشركة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووكالة المخابرات الألمانية، وذلك قبل مواجهته بالحقائق الواردة في هذه القصة.

وقال في مقابلة: «نحن في شركة «كريبتو إنترناشيونال» لم يكن لنا أي علاقة بـوكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية– ومن فضلكم انقلوا عني هذا الكلام»، وأضاف: «إذا كان ما تقوله صحيحًا، فأنا أشعر أني تعرضت تمامًا لخيانة، وتشعر أسرتي بالخيانة، وأعتقد أنه سيكون هناك الكثير من الموظفين الذين سيشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة وكذلك العملاء».

وأعلنت الحكومة السويسرية يوم الثلاثاء أنها ستجري تحقيقًا عن علاقة شركة ««كريبتو إيه جي» بوكالة المخابرات المركزية ووكالة المخابرات الألمانية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، ألغى المسؤولون السويسريون رخصة التصدير الممنوحة لشركة «كريبتو إنترناشيونال». 

ويلفت التحقيق إلى أن توقيت قرار السلطات السويسرية كان مثيرًا للفضول. إذ تشير وثائق وكالة المخابرات المركزية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية إلى أنه يجب أن يكون المسؤولون السويسريون على دراية منذ عقود من الزمن بعلاقات شركة «كريبتو» مع وكالات التجسس الأمريكية والألمانية، لكنهم لم يتدخلوا إلا بعد أن علموا أن المؤسسات الإخبارية على وشك الكشف عن هذا الترتيب.

طرح الأسئلة يثير القلق

يضيف التحقيق: إن القصص الواردة، التي لا تتناول متى أو ما إذا كانت وكالة المخابرات المركزية قد أنهت مشاركتها في الشركة، تحمل في طياتها التحيزات الحتمية التي تتميز بها الوثائق المكتوبة من وجهات نظر مهندسي العملية. فهم يصورون العملية «روبيكون» على أنها انتصار للتجسس، باعتبارها ساعدت الولايات المتحدة على بسط سيطرتها أثناء الحرب الباردة، وجعلتها مُطلعة على نشاط عشرات الأنظمة الاستبدادية، وحمت مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وتتجنب الصحف إلى حد كبير طرح مزيد من الأسئلة المثيرة للقلق، بما في ذلك ما عرفته الولايات المتحدة – وماذا فعلت أو لم تفعل؟ – بشأن البلدان التي استخدمت آلات التشفير الخاصة بشركة «كريبتو» أثناء التورط في مؤامرات الاغتيال وحملات التطهير العرقي وانتهاكات حقوق الإنسان.

وقد توفر عمليات الكشف الواردة في الوثائق سببًا لإعادة النظر فيما إذا كانت الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بالتدخل، أو على الأقل فضح الأعمال الوحشية «الفظائع» الدولية، وما إذا كانت اختارت عدم القيام بذلك في بعض الأحيان للحفاظ على وصولها إلى كم هائل من المعلومات الاستخباراتية القيمة.

ولا تتعامل الملفات مع معضلات أخلاقية واضحة في لب العملية: كخداع واستغلال الأعداء، والحلفاء، ومئات من موظفي شركة «كريبتو» الغافلين؛ إذ سافر الكثيرون من بائعي الشركة حول العالم لبيع أو صيانة أنظمة مزورة دون أدنى فكرة أنهم بينما كانوا يفعلون ذلك إنما كانوا يعرضون سلامتهم للخطر.

وفي المقابلات التي أجريت مؤخرًا، قال الموظفون الذين تعرضوا للتصليل- حتى أولئك الذين راودتهم الشكوك خلال فترة عملهم في «كريبتو» أن الشركة كانت تتعاون مع المخابرات الغربية – إن ما كشفت عنه الوثائق عمّق شعورهم بأنهم، وعملاء الشركة أيضًا، تعرضوا للخيانة.

يقول يورج سبورندلي، مهندس كهرباء قضى 16 عامًا في شركة «كريبتو»: «تعتقد أنك تقوم بعمل جيد وأنك تصنع شيئًا آمنًا، ثم تدرك أنك خدعت هؤلاء العملاء». أما أولئك الذين أداروا البرنامج السري فلا يمكن التماس العذر لهم، ويظلون غير معذورين.

يطرح بوبي راي إنمان، الذي شغل منصب مدير وكالة الأمن القومي ونائب مدير وكالة المخابرات المركزية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، على نفسه سؤالًا: «هل ضميري يؤنبني؟» والإجابة التي يؤكدها هي: أنه لا يشعر بأي تأنيب ضمير على الإطلاق، ويضيف: «لقد كانت الشركة مصدرًا قيِّمًا للاتصالات في أجزاء كبيرة من العالم تعتبر مهمة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة».

Embed from Getty Images

بوبي راي إنمان – مدير وكالة الأمن القومي الأمريكي ونائب مدير وكالة المخابرات المركزية السابق

عملية إنكار

نشأت هذه العملية المترامية الأطراف والمعقدة نتيجة حاجة الجيش الأمريكي إلى جهاز تشفير خام ولكن مضغوط. وكان بوريس هاجلين، مؤسس شركة «كريبتو»، رجل أعمال ومخترعًا ولد في روسيا لكنه فر إلى السويد عندما استولى البلاشفة على السلطة. ثم هرب مرة أخرى إلى الولايات المتحدة عندما احتل النازيون النرويج في عام 1940. وأحضر معه آلة تشفير تشبه علبة الموسيقى المحصنة، ولها ذراع «كرنك» قوي على الجانب، ومجموعة من التروس المعدنية والدعامات تحت غلاف معدني صلب.

جهاز تشفير من شركة كريبتو

لم تكن الآلة أكثر تعقيدًا أو أمانًا، مثل آلات «إنجما» التي يستخدمها النازيون. لكن الجهاز من طراز هاجلين إم-209، كما أصبح معروفًا فيما بعد، كان متنقلًا، ويُشحن بحركة اليد، ومثاليًا للقوات أثناء التنقل. وتُظهر الصور جنودًا يحملون الصناديق التي يبلغ وزنها ثمانية أرطال – وهي بحجم حجم كتاب سميك – مربوطة على ركبهم. ويحتفظ بالعديد من أجهزة هاجلين في متحف خاص في مدينة آيندهوفن بهولندا.

كان إرسال رسالة آمنة من خلال الجهاز عملًا مملًا. فالمستخدم يقوم بتدوير قرص الاتصال الهاتفي، حرفًا بحرف، ويدفع الذراع لأسفل، فتدور التروس المخفية وتنثر رسالة مشفرة على شريط من الورق. ثم يضطر ضابط الإشارات إلى إرسال تلك الرسالة بواسطة شفرة مورس إلى مستلم يعكس تسلسل الإشارات المرسلة.

كان الأمن ضعيفًا لدرجة أنه كان يُفترض أن أي خصم تقريبًا يمكنه فك الشفرة إذا حظي بالوقت الكافي. لكن القيام بذلك استغرق ساعات. وبما أن هذه الكلمات كانت تستخدم أساسًا للرسائل التكتيكية الخاصة بتحركات القوات، استطاع النازيون بحلول الوقت فك إشارة كانت قيمتها على الأرجح قد تلاشت.

وعلى مدار الحرب، تم صنع ما يقرب من 140 ألف من جهاز إم-209إس في مصنع سميث كورونا للآلات الكاتبة في سيراكيوز، في نيويورك، بموجب عقد للجيش الأمريكي بقيمة 8.6 مليون دولار لصالح شركة «كريبتو». بعد الحرب، عاد هاجلين إلى السويد لإعادة فتح مصنعه، جالبًا معه ثروة شخصية وشعورًا بالولاء مدى الحياة للولايات المتحدة.

ومع ذلك، ظل الجواسيس الأمريكيون حذرين بشأن عمليات هاجلين بعد الحرب. وفي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، طور هاجلين نسخة أكثر تقدمًا من آلة عصر الحرب، وكانت ذات تسلسل ميكانيكي جديد «غير منتظم»، نجح في وقف منتهكي الشفرات الأمريكية لفترة وجيزة.

وفي ظل انزعاج الأمريكيين من قدرات الجهاز سي إكس-52 الجديدة والأجهزة الأخرى التي تفكر فيها شركة «كريبتو»، بدأ المسؤولون الأمريكيون في مناقشة ما أسموه «مشكلة هاجلين.»

يصف تاريخ وكالة المخابرات المركزية هذا الوضع قائلًا: «كانت هذه العصور المظلمة للتشفير الأمريكي.» وكان السوفييت والصينيون والكوريون الشماليون يستخدمون أنظمة صنع الأكواد البرمجية التي كانت غير قابلة للاختراق. أدى ذلك إلى شعور وكالات التجسس الأمريكية بالقلق من أن بقية العالم قد يعاني ويلات الحروب إذا استطاعت الدول شراء أجهزة آمنة من هاجلين.

كان لدى الأمريكيين العديد من نقاط التأثير على هاجلين: تقاربه وانجذابه الأيديولوجي للبلاد، وأمله في أن تظل الولايات المتحدة عميلًا «زبونًا» رئيسيًا، والتهديد الخفي «المُبطن» بأنهم قد يضرون طموحاته ومنتجاته من خلال إغراق السوق بكميات من أجهزة إم-209 الفائضة من الحرب. 

كان للولايات المتحدة أيضًا رصيد أكثر أهمية، ويتمثل في: ويليام فريدمان. ويُعتبر فريدمان والد التشفير الأمريكي، وقد عرف فريدمان هجلين منذ ثلاثينيات القرن الماضي «1930». وقامت بين الاثنين صداقة العمر مستندين على خلفياتهما ومصالحهما المشتركة، بما في ذلك تراثهما الروسي وافتتانهما بتعقيدات التشفير.

وربما لم تكن لتحدث عملية «روبيكون» أبدًا إذا لم يتصافح الرجلان ويتفقا على أول اتفاق سري بين هاجلين والمخابرات الأمريكية على العشاء في نادي كوزموس في واشنطن عام 1951.

دعت الصفقة هاجلين، الذي نقل شركته إلى سويسرا، إلى تقييد مبيعات موديلات منتجه الأكثر تطورًا وقصرها على البلدان التي توافق عليها الولايات المتحدة. أما الدول غير المدرجة في تلك القائمة فستحصل على أنظمة أقدم وأضعف. وسيتم تعويض هاجلين عن ما فقده من مبيعات مقدما بما قيمته 700 ألف دولار.

استغرق الأمر سنوات حتى تحقق الولايات المتحدة غايتها من الصفقة، إذ تشاجر كبار المسؤولين في وكالة المخابرات المركزية ومن سبقوهم في وكالة الأمن القومي حول شروط المخطط والحكمة من ورائه. لكن هاجلين التزم بالاتفاق منذ البداية، وعلى مدى العقدين التاليين، تعمقت علاقته السرية مع وكالات المخابرات الأمريكية المتعاقبة.

في عام 1960، دخلت المخابرات الأمريكية وهجلين في «اتفاقية ترخيص» دفعت له بموجبها 855 ألف دولار لتجديد التزامه بالصفقة التي سبق الموافقة عليها. دفعت له الوكالة 70 ألف دولار سنويًا وبدأت في تقديم دفعات نقدية لشركته بقيمة 10 آلاف دولار لتغطية نفقات «التسويق» لضمان قيام شركة «كريبتو» – وليس غيرها من الشركات الناشئة في مجال التشفير – بإبرام العقود مع معظم حكومات العالم.

يعلق الكاتب: كانت «عملية إنكار» تقليدية بلغة الاستخبارات، وهي خطة صُممت لمنع الخصوم من حيازة أسلحة أو تكنولوجيا تمنحهم أي ميزة. لكنها كانت فقط بداية تعاون بين شركة «كريبتو» والمخابرات الأمريكية. وفي غضون عقد من الزمان، كانت العملية برمتها تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووكالة المخابرات الألمانية.

عالم جديد شجاع

غازل المسؤولون الأمريكيون هاجلين منذ البداية بفكرة اعتمدت على سؤاله عما إذا كان يرغب في السماح لعلماء التشفير في الولايات المتحدة بفحص آلاته. لكن فريدمان عارضهم في ذلك، لاقتناعه بأن هاجلين سوف يرى في ذلك خطوة متجاوزة للغاية.

شهدت وكالة المخابرات الأمريكية ووكالة الأمن القومي فتحًا جديدًا في منتصف الستينيات، حين أجبر انتشار الدوائر الإلكترونية هاجلين على قبول مساعدة خارجية للتكيف مع التكنولوجيا الجديدة، أو مواجهة الانقراض في حال تشبث بتصنيع الآلات الميكانيكية.

كان علماء التشفير في وكالة الأمن القومي قلقين بالقدر ذاته من التأثير المحتمل للدوائر المتكاملة، والتي بدت على أهبة الاستعداد لتمكين عصر جديد من التشفير غير القابل للفك. لكن أحد كبار المحللين في الوكالة، بيتر جينكس، حدد ثغرة أمنية محتملة.

وقال إنه «إذا تم تصميم الجهاز بعناية من قبل عالم رياضيات ذكي في التشفير»، فيمكن إنشاء نظام قائم على الدوائر ينتج تدفقات لا حصر لها من الرموز التي يتم توليدها عشوائيًا، في حين أنه في الواقع سوف يكرر نفسه على فترات زمنية قصيرة بما يكفي لاتاحة الفرصة لخبراء وكالة الأمن القومي – وأجهزة الكمبيوتر الهائلة الخاصة بهم – لفك أي تشفير.  

بعد ذلك بعامين، وبالتحديد في عام 1967، طرحت شركة «كريبتو» نموذجًا جديدًا إلكترونيًا بالكامل، وهو جهاز إتش-460، والذي صممت وكالة الأمن القومي أعماله الداخلية بالكامل.

Embed from Getty Images

جهاز إنجما لفك الشفرات

إن تاريخ وكالة المخابرات المركزية كله يرتبط بعبور هذه المعضلة. يقول التاريخ: «تخيل فكرة قيام الحكومة الأمريكية بإقناع شركة أجنبية أن تجعل المعدات تعمل في صالحها. إنك تتحدث عن عالم جديد شجاع.»

لكن وكالة الأمن القومي ما زالت تواجه مهمة صعبة تتمثل في اعتراض اتصالات الحكومات الأخرى، سواء كانت في تلقي الإشارات من الجو أو في السنوات اللاحقة، الاستفادة من كابلات الألياف البصرية.

لكن معالجة شركة «كريبتو» لخوارزميات المراسلات بسطت عملية كسر الشفرة، وأحيانًا اختصرت المهمة التي ربما استغرقت شهورًا إلى ثوانٍٍ. وكانت الشركة تصنع دائمًا نسختين على الأقل من منتجاتها – نماذج آمنة يتم بيعها إلى الحكومات الصديقة، وأنظمة مزورة لبقية العالم.

ومن خلال القيام بذلك، تطورت شراكة الولايات المتحدة وهاجلين من مرحلة الإنكار إلى مرحلة اتخاذ «التدابير الفعالة» ولم تعد شركة «كريبتو» تقصر جهودها فقط على تقييد مبيعات المعدات الأفضل الخاصة بها، ولكنها نشطت أيضًا في بيع الأجهزة التي تصممها لخيانة مشتريها.

تجاوز المردود مجرد التغلغل في الأجهزة. إذ أدى تحول شركة «كريبتو» إلى المنتجات الإلكترونية إلى تعزيز النشاط التجاري، لدرجة أنها أصبحت مدمنة في اعتمادها على وكالة الأمن القومي. وطالبت الحكومات الأجنبية بحيازة الأنظمة التي بدت متفوقة تفوقا واضحًا على الأجهزة الميكانيكية القديمة المنتشرة، ولكن في الحقيقة كان من الأسهل على جواسيس الولايات المتحدة قراءتها.

الشركاء الألمان والأمريكيون

بحلول نهاية الستينيات من القرن الماضي، كان هاجلين يقترب في عمره من الثمانين عامًا، ولكنه كان حريصًا على تأمين المستقبل لشركته، التي نمت لتضم أكثر من 180 موظفًا. في المقابل، كان مسؤولو المخابرات المركزية الأمريكية قلقين بالقدر نفسه بشأن ما سيحدث للعملية إذا ما قام هاجلين فجأة ببيع شركته أو إذا توفي.

كان هاجلين يأمل دومًا أن تؤول السيطرة على الشركة لابنه بو. لكن مسؤولي المخابرات الأمريكية اعتبروه «شخصًا لا يمكن التأكُّد من رد فعله»، وعملوا على إخفاء الشراكة عنه. لقي بو هاجلين حتفه في حادث سيارة في مدينة بيلتواي بواشنطن في عام 1970، ولم تكن هناك أي مؤشرات على وجود مؤامرة أو تعمد وراء الحادث.

ناقش مسؤولو المخابرات الأمريكية فكرة شراء شركة «كريبتو» لسنوات، لكن الخلاف بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووكالة الأمن القومي منعهم من التصرف حتى دخلت وكالتا تجسس أخريان في المعركة.

أما أجهزة الاستخبارات الفرنسية والألمانية الغربية وغيرها من أجهزة الاستخبارات الأوروبية، فأُبلغت بترتيب الولايات المتحدة مع شركة «كريبتو» أو تصدرت لتلك المهمة من تلقاء نفسها. إذ كان البعض يشعرون بالغيرة وبحثوا عن طرق لتأمين صفقة مماثلة لأنفسهم.

في عام 1967، اتصلت المخابرات الفرنسية بهاجلين وقدمت له عرضًا لشراء الشركة بالشراكة مع المخابرات الألمانية. رفض هاجلين العرض وأبلغ معاونيه في وكالة المخابرات المركزية بالأمر. ولكن بعد عامين، عاد الألمان سعيًا لتقديم عرض آخر بمباركة الولايات المتحدة.

في اجتماع عقد في أوائل عام 1969 في سفارة ألمانيا الغربية في واشنطن، وضع رئيس دائرة التشفير في ذلك البلد، فيلهلم جوينج، الخطوط الرئيسية للاقتراح، وتساءل عما إذا كان الأمريكيون «مهتمين بأن يصبحوا شركاء أيضًا».

بعد ذلك بشهور، وافق مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ريتشارد هيلمز، على فكرة شراء شركة «كريبتو» وأرسل مساعدًا له إلى بون، عاصمة ألمانيا الغربية، للتفاوض بشأن الشروط مع وضع تحذير رئيسي يتعلق بـ: الفرنسيين، ووفقًا لما قاله مسؤولو وكالة المخابرات المركزية لـ Goeing، يجب أن «يتم إنهاء الحديث في هذا الأمر».

اعترضت وكالة الأمن القومي الأمريكية اتصالات ليبية أفادت أن شقيق الرئيس كارتر، بيلي كارتر، كان يخدم مصالح ليبيا في واشنطن وكان يتلقى راتبًا مقابل ذلك من الزعيم معمر القذافي.

استسلمت ألمانيا الغربية لهذه المناورة الأمريكية، وتم تسجيل صفقة بين وكالتي التجسس في مذكرة في شهر يونيو «حزيران» 1970 تحمل توقيعًا مرتعشًا من ضابط تابع لوكالة الاستخبارات المركزية في ميونيخ، كان في المراحل الأولى من الإصابة بمرض باركنسون، وتوقيع آخر عبارة عن شخبطة غير مقروءة من نظيره في وكالة المخابرات الألمانية.  

ووافقت الوكالتان على المشاركة لشراء شركة هاجلين بالتساوي مقابل حوالي 5.75 مليون دولار، لكن وكالة الاستخبارات المركزية تركت الأمر إلى حد كبير للألمان لاستكشاف كيفية منع انكشاف أي أثر لهذه الصفقة أمام الرأي العام.

ساعدت شركة «ماركسر آند جوب» للمحاماة في ليختنشتاين، في إخفاء هويات المالكين الجدد لـشركة «كريبتو» من خلال إصدار سلسلة من الأسهم «لحاملها» على ألا يتطلب ذلك ذكر أسماء المساهمين في مستندات التسجيل. ويقول تاريخ دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية إن الشركة كانت تحصل على راتب سنوي «أقل مقابل العمل المكثف ولكن راتبهم الأكبر كان مقابل صمتهم وقبولهم». ولم تستجب الشركة، التي تسمى الآن «ماركسر آند بارتنر»، لطلب معد التحقيق بالتعليق على الأمر. 

أنشئ مجلس إدارة جديد للإشراف على الشركة. وكان هناك عضو واحد فقط من أعضاء مجلس الإدارة، هو ستور نيبرج، الذي حوله هاجلين إلى الإدارة اليومية، على علم بمشاركة وكالة المخابرات المركزية في الشركة. ويشير تاريخ وكالة المخابرات المركزية للأمر قائلًا: «سيطرت وكالة المخابرات الأمريكية ووكالة المخابرات الألمانية، من خلال هذه الآلية، على أنشطة شركة «كريبتو».» ترك نيبرج الشركة في عام 1976. ولم تتمكن صحيفة واشنطن بوست والإذاعة الألمانية العامة من تحديد موقعه أو تحديد ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة أم لا.

عقدت وكالتا التجسس اجتماعات منتظمة خاصة بهم لمناقشة ما يجب القيام به بالنسبة للاستحواذ. واستخدمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قاعدة سرية في ميونيخ، كانت في البداية في منشأة عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية، وفي وقت لاحق استخدمت غرفة علوية في مبنى مجاور للقنصلية الأمريكية، كمقر لمشاركتها في العملية.

وافقت وكالة المخابرات المركزية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية على سلسلة من الأسماء الحركية للبرنامج ومكوناته المختلفة. وتم تسمية شركة «كريبتو» باسم مينرفا، وهو أيضًا أسم تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وأُطلق على العملية في البداية الاسم الحركي «ثيسوراس»، ولكن في الثمانينيات تم تغييره إلى «روبيكون».

Embed from Getty Images

صورة تجمع بين الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر (في المنتصف) والمستشار الألماني هيلموت شميت (اليمين) 

تقوم وكالة المخابرات المركزية ووكالة المخابرات الألمانية، كل عام، بتقسيم أي أرباح حققتها شركة «كريبتو»، وفقًا للتاريخ الألماني، الذي ينص على أن تتولى دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية المحاسبة وتسليم الأموال المستحقة لوكالة المخابرات المركزية في مرآب للسيارات تحت الأرض.

ومنذ البداية، كانت الشراكة تعاني من خلافات وتوترات صغيرة. بالنسبة إلى عملاء وكالة الاستخبارات المركزية، غالبًا ما بدت دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية منشغلة بتحقيق أرباح، وكان الأمريكيون «يذكّرون الألمان باستمرار أن هذه كانت عملية استخباراتية، وليست مؤسسة لكسب المال». لقد فوجئ الألمان برغبة الأمريكيين في التجسس على الجميع باستثناء أقرب حلفائها، مع استهداف أعضاء في حلف شمال الأطلسي، وهم أسبانيا واليونان وتركيا وإيطاليا.

في عام 1981، كانت المملكة العربية السعودية أكبر عملاء شركة «كريبتو»، تليها إيران، وإيطاليا، وإندونيسيا، والعراق، وليبيا، والأردن، وكوريا الجنوبية.

وإدراكًا منهما لحدود قدراتهما على إدارة شركة للتكنولوجيا الفائقة، جلبت الوكالتان شركات خارجية. فقام الألمان بتجنيد شركة سيمينس، وهي مجموعة مقرها ميونيخ، لتقديم المشورة لشركة «كريبتو» بشأن القضايا التجارية والفنية في مقابل 5% من مبيعات الشركة. واستعانت الولايات المتحدة في وقت لاحق بشركة موتورولا لإصلاح المنتجات غير المستقرة، وأوضحت الوكالة للمدير التنفيذي للشركة أن هذا يُنفذ من أجل المخابرات الأمريكية. وفي هذا الشأن، رفضت سيمينس مؤخرًا التعليق، بينما لم يرد مسؤولو موتورولا على طلب للتعليق على الأمر.

ومن الأمور التي أصابت ألمانيا بالإحباط، عدم السماح لها مطلقًا بالانضمام لما يسمى بالــ«العيون الخمس»، وهي عبارة عن اتفاقية استخبارات قائمة منذ زمن طويل الأمد وتشمل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكندا. ولكن في ظل الشراكة في شركة «كريبتو»، اقتربت ألمانيا من حظيرة التجسس الأمريكي أكثر مما كان يبدو ممكنًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبفضل الدعم السري لاثنتين من وكالات الاستخبارات الرائدة في العالم ودعم اثنتين من أكبر الشركات في العالم، ازدهرت أعمال شركة «كريبتو».

ويوضح جدول مدرج في تاريخ وكالة المخابرات المركزية أن المبيعات ارتفعت من 15 مليون فرنك سويسري في عام 1970 إلى أكثر من 51 مليون في عام 1975، أو 19 مليون دولار. وتوسعت الرواتب في الشركة لتشمل أكثر من 250 موظفًا.

يقول تاريخ وكالة المخابرات المركزية عن هذه الفترة: «لقد حقق شراء شركة مينرفا ربحًا». وقضت العملية فترة امتدت إلى عقدين من النفاذ غير المسبوق إلى اتصالات الحكومات الأجنبية

الشكوك الإيرانية

تمحور نظام إمبراطورية التنصت التابعة لوكالة الأمن القومي لسنوات عديدة حول ثلاثة أهداف جغرافية رئيسية، لكل منها رمزها الأبجدي الخاص: فالهدف «أ» للسوفييت، و«ب» لآسيا و «ج» لكل مكان آخر تقريبًا.

وبحلول أوائل الثمانينيات، كان أكثر من نصف المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها مجموعة «ج» تتدفق عبر آلات التشفير الخاصة بشركة «كريبتو»، وهي صلاحية اعتمد عليها المسؤولون الأمريكيون في التعامل مع أزمة تلو الأخرى.

وفي عام 1978، عندما اجتمع قادة مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في كامب ديفيد للتفاوض على اتفاق سلام، كانت وكالة الأمن القومي تراقب سرًا اتصالات الرئيس المصري أنور السادات مع القاهرة.

بعد ذلك بعام، وبعد أن اقتحم مسلحون إيرانيون السفارة الأمريكية واحتجزوا 52 رهينة أمريكية، سعت إدارة كارتر إلى إطلاق سراحهم من خلال اتصالات عبر قنوات خلفية عبر الجزائر. قال إنمان، الذي شغل منصب مدير وكالة الأمن القومي في ذلك الوقت، إنه تلقى مكالمات هاتفية من الرئيس كارتر يسأل كيف كان رد فعل نظام آية الله الخميني على آخر الرسائل. وأجاب إنمان: «لقد تمكنا من الإجابة على 85% من أسئلة الرئيس في ذلك الوقت.»، ذلك لأن الإيرانيين والجزائريين كانوا يستخدمون أجهزة التشفير الخاصة بشركة «كريبتو».

وقال إنمان إن العملية وضعته أيضًا في واحدة من أصعب المآزق التي واجهها في الخدمة الحكومية. ففي وقت من الأوقات، اعترضت وكالة الأمن القومي اتصالات ليبية أفادت أن شقيق الرئيس كارتر، بيلي كارتر، كان يخدم مصالح ليبيا في واشنطن وكان يتلقى راتبًا مقابل ذلك من الزعيم معمر القذافي.

أحال إنمان الأمر إلى وزارة العدل. وبدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقًا مع بيلي كارتر، الذي نفى كذبًا استلام مبالغ مالية. وفي النهاية، لم تتم محاكمة بيلي لكنه وافق على تسجيله لديهم باعتباره عميلًا أجنبيًّا.

Embed from Getty Images

لقاء تلفزيوني مع بيلي كارتر أكد فيه براءته من الاتهامات التي وجهت إليه بشأن علاقته بليبيا

طوال الثمانينيات من القرن الماضي، أصبحت قائمة عملاء شركة «كريبتو» البارزين تشبه قائمة لمواقع التوتر العالمية. وفي عام 1981، كانت المملكة العربية السعودية أكبر عملاء شركة «كريبتو»، تليها إيران، وإيطاليا، وإندونيسيا، والعراق، وليبيا، والأردن، وكوريا الجنوبية.

ولحماية مكانتها في السوق، انخرطت شركة «كريبتو» وأصحابها السريون، وفقًا للوثائق، في حملات تشويه متقنة ضد الشركات المنافسة، واتهموا مسؤولين حكوميين بتلقي الرشاوى. وكما يقول تاريخ المخابرات الألمانية، أرسلت شركة «كريبتو» مسؤولًا تنفيذيًا إلى الرياض، المملكة العربية السعودية، ومعه 10 ساعات ماركة رولكس في حقائبه «هدايا»، ورتب لاحقًا برنامج تدريبي للسعوديين في سويسرا، حيث كان «وقت الفراغ المفضل لدى المشاركين هو زيارة بيوت الدعارة، التي تقوم الشركة أيضًا بتمويلها».

وفي بعض الأحيان، أدت الحوافز إلى حدوث مبيعات للبلدان غير المجهزة لاستخدام النظم المعقدة. فاشترت نيجيريا شحنة كبيرة من أجهزة شركة «كريبتو»، ولكن بعد عامين، عندما لم يتم التحصل على أي مكافأة مقابلة في شكل معلومات استخباراتية، أرسل ممثل للشركة لتحري الأمر. ووفقًا للوثيقة الألمانية، «وجد المندوب أن المعدات لا تزال في مستودع في عبوتها الأصلية».  

وفي عام 1982، استفادت إدارة ريجان من اعتماد الأرجنتين على معدات التشفير الخاصة بشركة «كريبتو»، فنقلت المعلومات الاستخبارية إلى بريطانيا خلال الحرب القصيرة التي وقعت بين البلدين حول جزر فوكلاند، وفقًا لتاريخ وكالة المخابرات المركزية، الذي لا يقدم أي تفاصيل عن نوع المعلومات التي تم تمريرها إلى لندن. وتناقش الوثائق عمومًا المعلومات الاستخبارية المستقاة من العملية بعبارات عامة وتقدم القليل من الأفكار أو الرؤى حول كيفية استخدامها.

يقول الكاتب يبدو أن ريجان قد عرّض عملية تشفير للخطر بعد أن تورطت ليبيا في تفجير عام 1986 لديسكو في برلين الغربية، اشتهر بارتياد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا الغربية له. وقُتل جنديان أمريكيان وامرأة تركية نتيجة الهجوم.

أمر ريجان بتوجيه ضربات انتقامية ضد ليبيا بعد 10 أيام من وقوع الحادث. وكان من بين الضحايا الذين كُشف عنهم إحدى بنات القذافي. وفي خطاب ألقاه أمام البلاد ليعلن فيه عن الضربات، قال ريجان إن الولايات المتحدة لديها دليل «مباشر، ودقيق، ولا يمكن دحضه» على تواطؤ ليبيا في التفجير. 

وقال ريجان إن الأدلة أظهرت أن السفارة الليبية في برلين الشرقية تلقت أوامر بتنفيذ الهجوم قبل أسبوع من وقوعه. ثم، في اليوم التالي للتفجير، «أبلغوا طرابلس عن النجاح الكبير لمهمتهم». وأوضحت كلمات ريجان أن اتصالات طرابلس بمحطتها في برلين الشرقية قد تم اعتراضها وفك تشفيرها. لكن ليبيا لم تكن الحكومة الوحيدة التي أحاطت علمًا بالأدلة التي قدمها ريجان.

فإيران، التي عرفت أن ليبيا تستخدم أيضًا آلات التشفير الخاصة بشركة «كريبتو»، أصبحت تشعر بقلق متزايد بشأن أمان معداتها. ولم تتخذ طهران إجراءً حيال هذه الشكوك إلا بعد ست سنوات.

الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه

بعد استحواذ وكالة المخابرات المركزية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية على شركة «كريبتو»، كان من أكثر المشاكل الشائكة التي يواجهها الشركاء السريون ضمان بقاء القوى العاملة في حال توافق واطمئنان.

على الرغم من أن هذه الأجهزة كانت مخفية عن الأنظار، إلا أن الوكالتين بذلتا جهودًا كبيرة للحفاظ على نهج هاجلين الخيري تجاه ما يتعلق بالملكية. كان الموظفون يحصلون على رواتب جيدة ولديهم امتيازات وفيرة بما في ذلك التمتع بركوب مركب شراعي صغير في بحيرة زوج بالقرب من مقر الشركة.

ومع ذلك، فأولئك الذين عملوا عن كثب مع تصميمات التشفير بدا دومًا أنهم يقتربون من اكتشاف السر الأساسي للعملية. فغالبًا ما تساءل المهندسون والمصممون المسؤولون عن تطوير نماذج أولية عن الخوارزميات التي فرضها عليهم كيان خارجي غامض.

وغالبًا ما دفع المسؤولون التنفيذيون في شركة «كريبتو» الموظفين إلى الاعتقاد بأن التصميمات تُقدم باعتبارها جزءًا من الترتيب الاستشاري مع شركة سيمينس. ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، لماذا كان من السهل جدًا اكتشاف عيوب التشفير، ولماذا كان مهندسو شركة «كريبتو» ممنوعين دومًا من إصلاحها؟

في عام 1977، قام هاينز فاجنر، الرئيس التنفيذي لشركة «كريبتو»، الذي كان يعرف الدور الحقيقي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووكالة المخابرات الألمانية، بطرد مهندس فجأة بعد أن اشتكت وكالة الأمن القومي من أن الحركة الدبلوماسية القادمة من سوريا أصبحت غير قابلة للقراءة فجأة. كان المهندس بيتر فروتجر، يشتبه منذ فترة طويلة أن شركة «كريبتو» تتعاون مع المخابرات الألمانية. وقام برحلات متعددة إلى دمشق لمعالجة الشكاوى المتعلقة بمنتجات شركة «كريبتو»، وعلى ما يبدو ، ودون إذن من المقر الرئيسي، قام بإصلاح مواطن الضعف والانكشاف لديهم.

وفقًا لتاريخ وكالة المخابرات المركزية، اكتشف فروتجر «سر مينيرفا ولم يكن الأمر آمنًا معه» ومع ذلك، كانت الوكالة غاضبة من فاجنر لفصله فروتجر بدلاً من إيجاد وسيلة لإسكاته وإبقائه ضمن كشوف رواتب موظفي الشركة. وقد رفض فروتجر التعليق على هذه القصة.

أضاف الكاتب أن المسؤولين الأمريكيين كانوا أكثر انزعاجًا عندما استأجر فاجنر مهندسةً كهربائيةً موهوبةً في عام 1978 تدعى منجيا كافيلتيش «Mengia Caflisch»، أمضت عدة سنوات في الولايات المتحدة تعمل باحثةً في علم الفلك في جامعة ماريلاند قبل أن تعود إلى بلدها الأصلي سويسرا وتتقدم لشغل وظيفة في شركة «كريبتو». انتهز فاجنر الفرصة لتوظيفها. لكن المسؤولين في وكالة الأمن القومي أثاروا على الفور المخاوف من أنها كانت «تتسم بذكاء لن يجعلها تلتزم الصمت.»

ثبت أن تحذير وكالة الأمن القومي كان مصيبًا بعد أن بدأت منجيا كافيلتيش بالتحقيق في نقاط الضعف في منتجات الشركة. وأجرت هي وسبورندلي، زميل في قسم الأبحاث، العديد من الاختبارات و«الهجمات النصية» على الأجهزة بما في ذلك طراز «تيلي تايب» رقم إتش سي-570، الذي تم تصميمه باستخدام تقنية موتورولا.

قال سبورندلي: «نظرنا إلى العمليات الداخلية، والتبعيات مع كل خطوة»، وأصبحنا مقتنعين بإمكانية كسر الشفرة من خلال مقارنة 100 حرف فقط من النص المشفر برسالة أساسية غير مشفرة. وقال سبورندلي في مقابلة أجريت معه الشهر الماضي، كان مستوى الأمان منخفضًا بشكل مذهل. وأضاف: «خوارزميات العمليات كانت دائمًا مريبة».

في السنوات التالية، واصلت كافيلتيش إثارة المشاكل. وعند نقطة ما، صممت كافيلتيش خوارزمية قوية لدرجة أن مسؤولي وكالة الأمن القومي خشوا من أن تكون غير مقروءة. وشق التصميم طريقه إلى 50 آلة من طراز إتش سي-740 وقبل أن تخرج من أرض المصنع، اكتشف المديرون التنفيذيون للشركة التطوير وتم إيقافه.

قالت كافيلتيش في مقابلة الشهر الماضي حول أصل شكوكها: «كان لدي فكرة أن شيئًا ما قد يكون غريبًا». وأضافت أنه أصبح من الواضح أن شكوكها أو استقصاءها لم يكن موضع تقدير. «فلا يبدو أن كل الأسئلة كانت موضع ترحيب».

وأضاف الكاتب أن الشركة استعادت الخوارزمية المزورة لبقية الإنتاج، وباعت 50 نموذجًا آمنًا للبنوك لإبعادها عن أيدي الحكومات الأجنبية. ونظرًا لأن الدفاع عن هذه التطورات وغيرها أمر صعب للغاية، فقد أخبر فاجنر في وقت ما مجموعة مختارة من أعضاء وحدة البحث والتطوير  أن شركة «كريبتو» «لم تكن حرة تمامًا في فعل ما تريد».

ويبدو أن هذا الإقرار يضعف المهندسين، الذين فسروا الأمر على أنه تأكيد على أن تكنولوجيا الشركة تواجه قيودًا تفرضها الحكومة الألمانية. لكن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية أصبحتا مقتنعين بشكل متزايد بأن تدخلهما الروتيني أو المعتاد أصبح غير قابل للاستمرار.

حاولت شركة «كريبتو» أن تلهي الموظفين الذين يبحثون لمعرفة ما كان وراء الستار. ومع اقتراب السبعينيات من نهايتها، قرر الشركاء السريون العثور على شخصية ساحرة يمكنها المساعدة في ابتكار نقاط ضعف أكثر تقدمًا – ولا يمكن اكتشافها – في الخوارزميات، على أن يكون لدى هذا الشخص ما يكفي من القوة في عالم التشفير لترويض قسم الأبحاث.

تحولت الوكالتان إلى خدمات تجسس أخرى للمرشحين المحتملين قبل أن يستقروا على شخص ما تقدمت به المخابرات السويدية. وبسبب علاقات هاجلين بالبلاد، جرى إطلاع السويد على العملية منذ بدايتها.

صنع كجيل-ويدمان، أستاذ الرياضيات في ستوكهولم، اسمًا لنفسه في الأوساط الأكاديمية الأوروبية من خلال بحثه في علم التشفير. وكان ويدمان أيضًا عسكريًا احتياطيًا عمل عن كثب مع مسؤولي المخابرات السويدية.

بالنسبة إلى وكالة المخابرات المركزية، كان لدى ويدمان خاصية أكثر أهمية: ونقصد بها تقاربه مع الولايات المتحدة، والذي شكله أثناء قضائه عام في واشنطن بوصفه طالب تبادل. واجهت العائلة التي استضافت ويدمان في الولايات المتحدة مشكلة في نطق اسمه السويدي، الأمر الذي جعلهم يطلقون عليه اسم «هنري»، وهو لقب استخدمه فيما بعد مع معاونيه في وكالة المخابرات المركزية.

امرأة تفك شفرة رسالة لصالح إف بي آي

وصف المسؤولون المشاركون في تجنيد ويدمان الأمر بأنه غير مُجهد تقريبًا. فبعد إعداده بواسطة مسؤولي المخابرات السويدية، جُلب إلى ميونيخ في عام 1979 لما زُعم أنه جولة من المقابلات مع المديرين التنفيذيين من شركتي «كريبتو» وسيمينس.

وتزايد الخيال في القصة من خلال مواجهة ويدمان أسئلة من نصف دستة من الرجال كانوا جالسين حول طاولة في قاعة مؤتمرات بالفندق. وعندما انفض الجمع لتناول طعام الغداء، طلب رجلان من ويدمان البقاء لإجراء محادثة خاصة معه.

سأل جيلتو بورميستر، الضابط في وكالة المخابرات الألمانية، ويدمان: «هل تعرف ما المقصود بــZfCh؟»، واستخدم الضابط الكلمة المختصرة لخدمة التشفير الألمانية. وعندما أجاب ويدمان بأنه يعرف المطلوب، قال بورميستر، «الآن، هل تفهم من الذي يملك حقًا شركة «كريبتو إيه جي»؟ 

في تلك المرحلة، قُدم ويدمان إلى ريتشارد شرودر، وهو ضابط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية متمركز في ميونيخ لإدارة مشاركة الوكالة في شركة «كريبتو». وادعى ويدمان لاحقًا لمؤرخي الوكالة أن «عالمه قد انهار بالكامل» في تلك اللحظة. وإذا كان الأمر كذلك، فهو لم يتردد في الانخراط في العملية.

وبدون مغادرة الغرفة، قام ويدمان بإتمام تجنيده بمصافحة. وعندما انضم الرجال الثلاثة إلى بقية المجموعة في الغداء، حولت إشارة «ممتاز» «برفع أصبع الإبهام» التجمع إلى احتفال.

نصبت شركة «كريبتو» ويدمان باعتباره «مستشارًا علميًا» على أن يقدم التقارير مباشرة إلى فاجنر. وأصبح عميل الجواسيس الخفي داخل الشركة، وكان ويدمان يغادر مدينة زوج كل ستة أسابيع لحضور اجتماعات سرية مع ممثلي وكالة الأمن القومي وهيئة التشفير الألمانية. وكان شرودر، ضابط المخابرات المركزية الأمريكية، يحضر الاجتماعات، ولكن لا يلق بالًا لثرثرتهم التقنية.

كانوا يتفقون على التعديلات ويصنعون مخططات تشفير جديدة. ثم يقوم ويدمان بتسليم المخططات لمهندسي شركة «كريبتو». ويصفه تاريخ وكالة المخابرات المركزية بأنه «الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه»، و«التوظيف أو الموظف الأكثر أهمية في تاريخ برنامج مينيرفا».

يتابع التحقيق: إن مكانته أخافت مرؤوسيه، واستثمرته الشركة «من خلال تميزه التقني الذي لا يمكن لأحد في الشركة التحكم فيه». وقد ساعد ذلك أيضًا في إخماد استفسارات الحكومات الأجنبية. وعندما استقر ويدمان، تبنى الشركاء السريون مجموعة من المبادئ للخوارزميات المزيفة، وفقًا لما جاء في تاريخ المخابرات الألمانية. ويجب أن تكون هذه المبادئ «غير قابلة للكشف من خلال الاختبارات الإحصائية المعتادة»، وإذا تم اكتشافها، «يتم تغطيتها بسهولة باعتبارها تنفيذًا خاطئًا أو أخطاء بشرية».

وبمعنى آخر، عندما يضيق الأمر، يلقي المسؤولون التنفيذيون في شركة «كريبتو» باللوم على الموظفين غير المهرة أو المستخدمين غير الملتزمين.

اعترضت وكالات التجسس الأمريكية أكثر من 19 ألف رسالة إيرانية موجهة من خلال شركة «كريبتو» أثناء الحرب مع العراق والتي دامت عقدًا من الزمن.

في عام 1982، عندما أصبحت الأرجنتين مقتنعة بأن معدات شركة «كريبتو» قد خانت وسربت الرسائل السرية وساعدت القوات البريطانية في حرب فوكلاند، أرسل ويدمان إلى بوينس آيرس. وأخبرهم ويدمان أن وكالة الأمن القومي ربما تكون اخترقت الجهاز القديم الخاص بالتشويش على الكلام الذي تستخدمه الأرجنتين، أما المنتج الرئيسي الذي اشتروه من شركة «كريبتو» طراز سي إيه جي 500، فظل- كما قال لهم- «غير قابل لفك شفراته». يقول تاريخ وكالة المخابرات المركزية: «لقد انطلت عليهم الخدعة، وابتلع الأرجنتينيون الطعم بصعوبة، لكنهم واصلوا شراء معدات الشركة».

تقاعد ويدمان منذ فترة طويلة ويعيش الآن في ستوكهولم. ورفض التعليق على ما جاء في الوثائق. وبعد سنوات من تجنيده، أبلغ مسؤولين امريكيين بأنه يرى أنه «شارك في صراع حاسم لصالح الاستخبارات الغربية»، وفقًا لما أوردته وكالة المخابرات المركزية. وأضاف ويدمان: «لقد كانت اللحظة التي شعر فيها بالراحة. كانت هذه مهمته في الحياة».

في نفس العام، مرض هاجلين، الذي بلغ من العمر 90 عامًا، أثناء رحلة له إلى السويد وأدخل المستشفى. وتعافى هاجلين بشكلٍ كافٍ للعودة إلى سويسرا، لكن مسؤولي المخابرات المركزية الأمريكية أصبحوا قلقين بشأن جمع هاجلين المكثف للسجلات التجارية والأوراق الشخصية في مكتبه في زوج.

وصل شرودر، بإذن هاجلين، مع حقيبة وأمضى عدة أيام في تصفح الملفات. بالنسبة للزوار، تم تقديم شرودر باعتباره مؤرخًا مهتمًا بتتبع حياة هاجلين. سحب شرودر الوثائق «التي كانت تُجرمه، وفقًا للتاريخ، وشحنها إلى مقر وكالة المخابرات المركزية، حيث تقبع حتى يومنا هذا».

ظل هاجلين معتلًا حتى توفي في عام 1983. ولم تتمكن صحيفة واشنطن بوست من تحديد مكان فاجنر أو تحديد ما إذا كان لا يزال حيًا أم لا. وتقاعد شرودر من وكالة المخابرات المركزية منذ أكثر من عقد من الزمن، ويدرس الآن بدوام جزئي في جامعة جورج تاون. وعند اتصال مراسل صحيفة واشنطن بوست به، رفض التعليق على ما نُشر.

أزمة هيدرا

تكبدت شركة «كريبتو» خسائر مادية لأعوام في فترة الثمانينيات، بيد أن المخابرات أغدقت عليها بالسيولة. اعترضت وكالات التجسس الأمريكية أكثر من 19 ألف رسالة إيرانية موجهة من خلال شركة «كريبتو» أثناء الحرب مع العراق، والتي دامت عقدًا من الزمن، حيث شرعت في فحصها لإعداد تقارير حول مواضيع مثل صلات طهران الإرهابية ومحاولات استهداف المنشقين.

أفادت الوثيقة الصادرة عن وكالة المخابرات المركزية بأن وكالات التجسس الأمريكية لم تجد مشقة في قراءة رسائل إيران بنسبة 80-90%، وهو رقم كان يُحتمل تضاؤله لولا استخدم طهران لأجهزة «كريبتو» المخترقة.

في عام 1989، ثبتت أهمية استخدام الفاتيكان لأجهزة شركة «كريبتو» أثناء ملاحقة الولايات المتحدة للرئيس البنمي مانويل أنطونيو نورييجا. عندما التمس الديكتاتور اللجوء إلى السفارة البابوية، تم الكشف عن مكان تواجده عن طريق رسائل البعثة إلى مدينة الفاتيكان. في عام 1992، واجهت عملية «كريبتو» أول أزماتها الكبرى التي تمثلت في احتجاز إيران لمندوب مبيعات لدى إحدى الشركات، وإن كان هذا متأخرًا استنادًا إلى شبهاتها طويلة الأمد.

كان هانز بويهلر، الذي كان في الواحد والخمسين من عمره حينذاك، أحد أفضل مندوبي المبيعات لدى الشركة. كانت إيران واحدة من أكبر المتعاقدين مع الشركة، وكان بويهلر متكرر التنقل من وإلى طهران لأعوام. ساد التوتر في تلك الفترة، وخضع مولر إلى الاستجواب المكثف في عام 1986 من جانب المسؤولين الإيرانيين عقب تفجير الملهى الليلي والهجمات الصاروخية الأمريكية على ليبيا.

بعد ست سنوات، استقل بويهلر طائرة الخطوط الجوية السويسرية «سويس إير» إلى طهران إلا أنه عجز عن العودة في الموعد المحدد. وبسبب عدم حضوره، لجأت «كريبتو» إلى السلطات السويسرية طلبًا للمساعدة وعلمت أن الإيرانيين ألقوا القبض عليه. وقد أفاد مسؤولو القنصلية السويسرية ممن سُمِحَ لهم بزيارة بويهلر بأنه «في حالة ذهنية سيئة»، حسبما أفادت سجلات تاريخ وكالة المخابرات المركزية.

وفقًا إلى الوثائق، أُطلق سراح بويهلر أخيرًا بعد تسعة أشهر بعد موافقة شركة «كريبتو» على دفع مبلغ مليون دولار للإيرانيين، وهو مبلغ تم توفيره سرًا من جانب دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية. رفضت وكالة المخابرات المركزية المساهمة، متذرعة بسياسة الولايات المتحدة ضد الإذعان إلى مطالب الفدية لتحرير الرهائن.

Embed from Getty Images

أكبر هاشمي رفسنجاني – الرئيس الإيراني (1989 – 1997)

لم يعلم بويهلر شيئًا حول علاقة شركة كريبتو بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات  الاتحادية الألمانية أو الثغرات في أجهزتها، سوى أنه عاد مصابًا بصدمة نفسية وتراوده الشكوك بأن إيران كانت تعلم أكثر منه بشأن الشركة التي كان يعمل لديها. شرع بويهلر بالتحدث إلى وكالات الأنباء السويسرية حول محنته وشكوكه المتزايدة.

لفتت الدعاية انتباهًا جديدًا إلى أدلة طال نسيانها، بما في ذلك إشارات إلى «مشروع بوريس» في مجموعة فريدمان الضخمة من الوثائق الشخصية، التي تم التبرع بها إلى معهد فرجينيا العسكري بعد وفاته في عام 1969. من بين 72 صندوق تم تسليمهم إلى ليكسينجتون، فرجينيا، كانت هناك نسخ من مراسلاته مدى الحياة مع هاجلين.

في عام 1994، تفاقمت الأزمة عندما ظهر بويهلر على شاشة التلفزيون السويسري في تقرير تضمن أيضًا بيتر فروتجر، الذي تم إخفاء هويته عن المشاهدين. توفي بويهلر في عام 2018. ولم يستجب فروتجر، المهندس الذي تم فصله بسبب إصلاحه لأنظمة التشفير السورية قبل سنوات، إلى مطالبته للإدلاء بتعليق، بحسب التحقيق.

وافق مايكل جروبي، الذي خلف فاجنر بوصفه رئيسًا تنفيذيًا، على الظهور على شاشات التلفزيون السويسري وطعن في الاتهامات التي تراءت واقعية له. تقول سجلات تاريخ وكالة المخابرات المركزية: «اتسم أداء جروبي بالمصداقية، ولعله أنقذ البرنامج». ولم يستجب جروب إلى مطالبته للإدلاء بتعليق للصحيفة.

ومع ذلك، فقد استغرق الأمر سنوات عديدة حتى انتهي الجدل. في عام 1995، نشرت صحيفة بالتيمور صن الأمريكية سلسلة من قصص التحقيقات حول وكالة الأمن القومي، بما في ذلك قصة تسمى «Rigging the Game» أو الغش في اللعبة، والتي كشفت جوانب من علاقة الوكالة مع شركة «كريبتو».

ذكر التحقيق أن مسؤولين من وكالة الأمن القومي توجهوا إلى مدينة زوج في منتصف السبعينيات لعقد اجتماعات سرية مع مسؤولي «كريبتو» التنفيذيين. بدا المسؤولون وكأنهم مستشارون لشركة وهمية تسمى «Intercomm Associates»، إلا أنهم شرعوا في تقديم أنفسهم بأسمائهم الحقيقية – والتي دونت في مذكرات الاجتماع التي يحتفظ بها موظف بالشركة.

في مواجهة الهجوم الدعائي الضاري، بدأ بعض الموظفين في البحث عن عمل في مكان آخر. وهناك ما لا يقل عن نصف دستة من البلدان – بما في ذلك الأرجنتين وإيطاليا والمملكة العربية السعودية ومصر وإندونيسيا –ألغت أو علقت تعاقداتها مع «كريبتو».

من المثير للدهشة أن إيران لم تكن من بين هذه البلدان، كما أفاد ملف وكالة المخابرات المركزية، بل أنها استأنفت شراء معدات شركة سي إيه چي «CAG»  على الفور تقريبًا.

كانت الضحية الرئيسية لأزمة «هيدرا»، الاسم الرمزي الممنوح لقضية بويهلر، هي الشراكة بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة المخابرات الاتحادية الألمانية.

لسنوات، انزعج مسؤولو دائرة المخابرات الاتحادية الألمانية من رفض نظيرتها الأمريكية التمييز بين الخصوم والحلفاء. وغالبًا ما تنازع الشريكان حول البلدان التي تستحق الحصول على الإصدارات الآمنة من منتجات شركة «كريبتو»، مع إصرار المسؤولين الأمريكيين بشكل متكرر على إرسال المعدات المزيفة إلى أي شخص تقريبًا – سواء كان حليفًا أم لا – يمكن خداعه من أجل شرائها.

وينقل التقرير عن التاريخ الألماني أن ولبرت كلاوس سميت، المدير السابق لدائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، أبدى تبُّرمه من أن الولايات المتحدة الأمريكية «رغبت في التعامل مع الحلفاء تمامًا مثلما تعاملوا مع دول العالم الثالث.» وردد مسؤول آخر في دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية هذا التعليق، قائلًا للأمريكيين: «في عالم الاستخبارات، لم يكن هناك أصدقاء».

انتهت الحرب الباردة وسقط جدار برلين، وكانت لألمانيا الموحدة جوانب حساسة وأولويات مختلفة. رأى الألمان أنفسهم أكثر تعرضًا بشكل مباشر لمخاطر عملية كريبتو. أزعجت هيدرا الألمان ممن كانوا يخشون أن يفضي الكشف عن تورطهم إلى غضب أوروبي وتداعيات سياسية واقتصادية فادحة.

في عام 1993، أوضح كونراد بروزنير، رئيس دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، لمدير وكالة المخابرات المركزية جيمس وولسي أن الدعم في الوظائف العليا في الحكومة الألمانية يتضاءل، وأن الألمان قد يرغبون بالانسحاب من شراكة كريبتو. وفي التاسع من سبتمبر، توصل رئيس مكتب وكالة المخابرات المركزية في ألمانيا، ميلتون بيردين، إلى اتفاق مع مسؤولي دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية بشأن شراء الوكالة الأمريكية لأسهم ألمانيا مقابل 17 مليون دولار، وفقًا لسجلات وكالة المخابرات المركزية.

انتاب مسؤولو الاستخبارات الألمان الشعور بالحسرة جراء الانسحاب من عملية قاموا بوضع تصورها إلى حد كبير. ويذكر التاريخ الألماني أن كبار مسؤولي الاستخبارات ألقوا باللوم على الزعماء السياسيين لإنهائهم أحد أكثر برامج التجسس نجاحًا، والتي كانت دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية طرفًا فيها.

مع انسحابهم من العملية، سرعان ما انقطعت صلة الألمان بالمعلومات الاستخباراتية التي دأبت الولايات المتحدة على جمعها. ونقل التاريخ الألماني عن چيلتو بورمايستر تساؤله بشأن ما إذا كانت ألمانيا لا تزال تنتمي إلى «هذا العدد الصغير من الدول التي يعجز الأمريكيون عن فهمها».

قدمت وثائق إدوارد جوزيف سنودين ما كان مفترضًا أن يكون ردًا يبعث على القلق، موضحة أن وكالات الاستخبارات الأمريكية لم تعتبر ألمانيا هدفًا فحسب، بل أنها قامت بالتصنت على الهاتف الخلوي الخاص بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

الشركة على قيد الحياة وتعمل جيدًا

يختتم تاريخ وكالة المخابرات المركزية بشكل أساسي بانسحاب ألمانيا من البرنامج، رغم انتهائه في عام 2004 واحتوائه على مؤشرات واضحة بأن العملية كانت لا تزال قائمة.

وعلى سبيل ذلك، يذكر التاريخ أن قضية بويهلر كانت «أخطر انتهاك أمني في تاريخ البرنامج»، بيد أنها لم تكن قاتلة. يقول التاريخ: «إنها لم تتسبب في انتهاء البرنامج. وفي نهاية القرن، كانت شركة مينيرفا لا تزال على قيد الحياة وتعمل بشكل جيد.» في الواقع، يبدو أن العملية شهدت فترة ممتدة من الانحسار. وبحلول منتصف التسعينيات، «كانت أيام الغنيمة ولت منذ فترة طويلة» وكانت شركة «كريبتو» عرضة للتوقف عن العمل لولا السيولة التي ضختها إليها الحكومة الأمريكية».

نتيجة لذلك، يبدو أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أمضت سنوات في دعم عملية كانت أكثر قابلية للتطبيق باعتباره منصة استخباراتية عن كونها مؤسسة تجارية. وتضاءل خط إنتاجها وتقلصت عائداتها وقاعدة العملاء لديها.

«قلت لنفسي في بعض الأحيان إنه قد يكون من الأفضل أن يعرف الرجال الصالحون في الولايات المتحدة ما يجري بين دكتاتوريي العالم الثالث. لكن هذا ما كان سوى ذريعة رخيصة. وفي النهاية، هذا ليس الحل». سبورندلي – موظف سابق في قسم الأبحاث في «كريبتو»

واصلت الاستخبارات توجهها، كما قال المسؤولون الحاليون والسابقون، ويعزى ذلك جزئيًا إلى الجمود البيروقراطي. إذ لم يكن بوسع الكثير من الحكومات الانتقال إلى أنظمة التشفير الأحدث التي أخذت في الانتشار في التسعينيات وما بعدها، وفصل أجهزة «كريبتو». انطبق هذا بشكل خاص على الدول الأقل نموًا، وفقًا للوثائق.

ويذكر معد التحقيق أن معظم الموظفين ممن تم تحديدهم في تاريخ كل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية باتوا في السبعينات أو الثمانينات من العمر، وتوفي بعضهم. وفي المقابلات التي أجريت في سويسرا الشهر الماضي، وصف العديد من عمال «كريبتو» السابقين المشار إليهم في الوثائق شعورهم بالقلق إزاء تورطهم في الشركة.

لم يتم إطلاعهم مطلقًا على علاقتها الحقيقية بأجهزة المخابرات، لكن راودتهم شكوك راسخة وما زالوا يتصارعون مع الآثار الأخلاقية لقراراتهم بشأن البقاء في شركة رأوا أنها كانت ضالعة في الخداع.

تقول كافليش، البالغة من العمر الآن 75 عامًا، والتي غادرت الشركة في عام 1995 لكنها لا تزال تعيش في ضواحي زوج، حيث كانت هي وعائلتها ينظمون مسرحيات غنائية شبه محترفة في الفناء لأعوام عديدة: «إما أنه تعين عليك المغادرة أو تقبل الأمر بطريقة معينة. ثمة أسباب حملتني على مغادرة الشركة، بما في ذلك الشكوك التي راودتني حول «كريبتو» ورغبتي في العودة إلى المنزل من أجل أطفالي. ونظرًا إلى ما تم الكشف عنه مؤخرًا، فإنني أتساءل عما إذا كان يجدر بي الرحيل في وقت سابق». 

أعرب سبورندلي عن أسفه حيال تبريراته. وقال: «قلت لنفسي في بعض الأحيان إنه قد يكون من الأفضل أن يعرف الرجال الصالحون في الولايات المتحدة ما يجري بين دكتاتوريي العالم الثالث. لكن هذا ما كان سوى ذريعة رخيصة. وفي النهاية، هذا ليس الحل».

وفقًا للوثائق، فإن معظم المديرين التنفيذيين ممن شاركوا مباشرة في العملية كانوا مدفوعين بغرض أيديولوجي ورفضوا دفع أية مبالغ تتجاوز رواتبهم التي يتقاضونها من «كريبتو». كان ويدمان واحدًا من بين استثناءات عدة. يقول تاريخ وكالة المخابرات المركزية: «مع اقتراب تقاعده، زادت مكافأته السرية بشكل كبير»، كما حصل على ميدالية تحمل ختم وكالة المخابرات المركزية.

بعد انسحاب دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، شرعت وكالة المخابرات المركزية في توسيع مجموعتها السرية من الشركات في قطاع التشفير، وفقًا لمسؤولين سابقين في المخابرات الغربية. ومن خلال استخدام النقد الذي تم تحصيله من عملية كريبتو، استحوذت الوكالة سرًّا على شركة ثانية ودعمت أخرى ثالثة. ولا تكشف الوثائق عن أي تفاصيل بشأن هذه الكيانات. إلا أن تاريخ دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية يشير إلى أن أحد منافسي «كريبتو» الدائمين هو – Gretag AG، ومقرها سويسرا أيضًا – «تم الاستيلاء عليها من جانب أمريكي، وبعد تغيير الأسماء في عام 2004، تمت تصفيتها».

Embed from Getty Images

بث شفرة مورس من غرفة مراقبة الخدمة الأوروبية بي بي سي في لندن في الحرب العالمية الثانية

تعثرت «كريبتو» نفسها. لقد نجت من التحول من الصناديق المعدنية إلى الدوائر الإلكترونية، وتحولت من أجهزة كتابة وتسليم البرقيات إلى الأنظمة الصوتية المشفرة. إلا أنها جاهدت للحفاظ على مكانتها مع انتقال سوق التشفير من المعدات إلى البرمجيات. ويبدو أن وكالات الاستخبارات الأمريكية اكتفت بالسماح باستمرار شركة «كريبتو»، حتى مع تحول اهتمام وكالة الأمن القومي إلى إيجاد طرق أخرى لاستغلال الوصول العالمي إلى جوجل ومايكروسوفت وفيرايزون وغيرها من القوى التقنية الأمريكية.

في عام 2017، تم بيع مبنى المقر الرئيسي لشركة «كريبتو»  بالقرب من زوج إلى شركة عقارية تجارية. في عام 2018، تم تقسيم وبيع الأصول المتبقية للشركة – الأجزاء الأساسية من أعمال التشفير التي بدأت قبل قرن من الزمان. ويبدو أنه تم إعداد المعاملات بهدف توفير غطاء لخروج وكالة المخابرات المركزية.

تمت هيكلة عملية شراء سايوان «CyOne» لحصة سويسرا من النشاط باعتباره استحواذًا على الإدارة، مما مكّن كبار موظفي «كريبتو» من الانتقال إلى شركة جديدة معزولة عن مخاطر التجسس وذات مصدر إيرادات موثوق. باتت الحكومة السويسرية، التي كانت يُباع إليها دائمًا نسخًا آمنة من أنظمة «كريبتو»، العميل الوحيد الآن لشركة سايوان «CyOne».

وتولى جوليانو أوث، الذي شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة «كريبتو إيه چي» من عام 2001 حتى تفكيكها، المنصب نفسه في سايوان «CyOne» بعد استحواذها على الأصول السويسرية. وبالنظر إلى مدة خدمته في «كريبتو» فمن المحتمل أنه كان يرغب في الاستحواذ على ملكية وكالة المخابرات المركزية للشركة، تمامًا كما فعل كافة من سبقوه في الوظيفة.

أفادت الشركة في بيان: «ليس لدى سايوان سيكورتي إيه چي «CyOne Security AG» أو السيد أوث أي تعليقات بشأن تاريخ «كريبتو إيه چي». بيعت الحسابات الدولية والأصول التجارية لشركة «كريبتو» إلى رجل الأعمال السويدي ليندي الذي ينتمي إلى عائلة ثرية تمتلك ممتلكات عقارية تجارية.

في اجتماع عقد في زيوريخ الشهر الماضي، قال ليندي إن ما لفت انتباهه إلى الشركة جزئيًا كان تراثها وصلتها بـهاجلين، وهو الماضي الذي ما زال يتردد صداه في السويد. وبعد توليه العمليات، نقل ليندي بعض معدات هاجلين الأثرية من التخزين لعرضها عند مدخل المصنع.

عندما تمت مواجهته بأدلة على أن شركة «كريبتو» كانت مملوكة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، بدا ليندي مهزوزًا بشكل واضح، وقال إنه خلال المفاوضات لم يعلم أبدًا أي شيء عن هويات مساهمي الشركة. وتساءل عن موعد نشر القصة، قائلاً إن لديه موظفين في الخارج وأعرب عن قلقه بشأن سلامتهم.

في مقابلة لاحقة، قال ليندي إن شركته تحقق في جميع المنتجات التي تبيعها لتحديد ما إذا كانت تحوي أي ثغرات أمنية مخفية أو مستترة، وأضاف: «ينبغي علينا في أقرب وقت ممكن أن نوقف كل ماله صلة بشركة «كريبتو».

وعندما سُئِل عن إخفاقه في مواجهة أوث وغيره من المتورطين في الصفقة فيما يتعلق بوجود أي حقيقة لادعاءات «كريبتو» طويلة الأمد، قال ليندي أنه يتصور أنها «مجرد شائعات» وقال إنه تلقى تأكيدًا بأن «كريبتو» استأنفت إبرام عقود كبيرة مع الحكومات الأجنبية والبلدان التي افترض أنها اختبرت منتجات الشركة بقوة وكانت ستتخلى عنها لو أنها كانت مخترقة.

قال ليندي: «لقد اكتسبت العلامة التجارية كريبتو-«كريبتو»»، مؤكدًا ثقته في قدرة الشركة على البقاء. وفيما يتعلق بالمعلومات التي تكشفت، فقد قال: «لعل هذا كان أحد أكثر القرارات الغبية التي اتخذتها في حياتي المهنية على الإطلاق».

تمت معالجة تصفية الشركة بواسطة شركة ليختنشتاين القانونية نفسها التي وفرت غطاء لبيع هاجلين إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية قبل 48 عامًا. ولم يتم الكشف عن بنود المعاملات التي أجريت في عام 2018، سوى أن المسؤولين الحاليين والسابقين قدّروا قيمتها الإجمالية بين 50 مليون دولار و70 مليون دولار.

ويختم التحقيق بالقول: بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية، ربما كان المال هو المكافأة النهائية من مينيرفا «Minerva».

  • جريج ميلر: مراسل الأمن القومي لصحيفة واشنطن بوست، وفائز مرتين بجائزة بوليتزر للصحافة. وهو مؤلف كتاب «المتدرب»، والذي يدور عن تدخل روسيا في سباق الرئاسة الأمريكية لعام 2016 وتداعيات ذلك على إدارة ترامب.

سياسة

منذ 3 سنوات
هكذا اخترق «سي. آي. إيه» عالم الفنون والآداب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد