بند واحد كان على جدول الأعمال الأمريكي: التدخل في الانتخابات العراقية 2005 بقيادة «سي آي إيه». 

«التلاعب.. أمريكا وروسيا و100 عام من التدخل السري في الانتخابات؛ عنوان كتابٍ من تأليف ديفيد شيمر – الزميل المشارك في جامعة ييل والمرشح للحصول على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة أكسفورد – والذي صدر أواخر يونيو (حزيران) الماضي. قبل موعد طرحه في المكتبات بـ10 أيامٍ تقريبًا، نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقتطفات من الكتاب، نستعرضها في السطور التالية، كما وردت بقلم المؤلف على صفحات الدورية الأمريكية المتخصصة في السياسة الخارجية.

دولي

منذ شهر
الكتاب الذي حاول ترامب منعه.. قراءة شاملة في كتاب بولتون المثير للجدل

يستهل شيمر مقاله بالحديث عن مَيْل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرد على الأسئلة المتعلقة بتدخل حكومته في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 بمزيجٍ من الإنكار والاتهامات المضادة؛ على غرار زعمه في يونيو 2017 أن الولايات المتحدة هي التي «تتدخل بنشاط في شؤون الحملات الانتخابية في بلدان أخرى مختلفة في العالم».

والغرض من هذا الادعاء – بحسب المؤلف – هو: تبرير تصرفات روسيا، وإلقاء قنبلة دخان للتعمية على الممارسات التي تقوم بها روسيا في أماكن كثيرة من العالم. وإن كان مسؤولون حكوميون، من كييف إلى بروكسل إلى لندن، يفترضون أن «وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)» تتدخل بوتيرة متكررة في انتخابات الدول الأخرى حول العالم. 

أول مهمة سرية خارجية لـ«سي آي إيه»: التلاعب بالانتخابات الإيطالية 1948

 هذا التصوُّر متفهَّم؛ لأنه ببساطة واقعٌ تورطت فيه الوكالة الاستخباراتية الأمريكية طيلة عقود، باعتراف شيمر. إذ كان أول برنامج عمل سري لوكالة المخابرات المركزية على الإطلاق يهدف إلى التلاعب بانتخابات إيطاليا عام 1948. حينها روَّج ضباط المخابرات الأمريكية الدعاية المُحرِّضة، ومولوا مرشحهم المفضل، ونظموا المبادرات الشعبية؛ كل ذلك لدعم قوى الوسط الإيطالية في مواجهة منافسيهم اليساريين. 

بعد أن خسر الحزب الشيوعي الإيطالي، أصبحت العملية الـتي قادتها وكالة «سي آي إيه» عام 1948 «نموذجًا» يُحتَذى به، على حد قول ديفيد روبارج، كبير المؤرخين الداخليين في وكالة المخابرات المركزية، في سياق سرده لوقائع ما ارتكبته الوكالة داخل «العديد والعديد من البلدان» في سياق منافستها مع نظيرتها السوفيتية «كيه جي بي».

«سي آي إيه» V.S «كيه جي بي»

من شيلي وغويانا إلى السلفادور واليابان، استهدفت وكالة «سي آي إيه» الأمريكية وجهاز «كيه جي بي» الروسي الانتخابات الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم. وتلاعبت بعض تلك العمليات بصناديق الاقتراع مباشرة، وتارة أخرى تلاعبت بالرأي العام، لتحقيق هدف واحد هو: التأثير على نتائج الانتخابات. 

بعدما وضعت الحرب الباردة أوزارها، يلفت شيمر إلى أن الأهداف المتعارضة لعمليات التدخل في الانتخابات الخارجية التي تقوم بها موسكو وواشنطن – الترويج للشيوعية أو احتوائها – أصبحت عتيقة الطراز. 

ومنذ ذلك الحين، تدخلت المخابرات الروسية في العديد من الانتخابات الأجنبية، ليس بهدف الترويج لأيديولوجية بعينها، ولكن لتعزيز فرص فوز مرشحين مثيرين للانقسام الوطني ويتبنون أفكارًا استبدادية، وزرع بذور الفوضى والارتباك، ونزع رداء الشرعية عن النموذج الديمقراطي وتركه عاريًا. 

لكن ماذا عن وكالة المخابرات المركزية؟

على مدى العامين الماضيين، التقى المؤلف أكثر من 130 مسؤولًا، وناقش معهم وقائع التاريخ السري للتدخل الأمريكي في انتخابات الدول الأجنبية، على مدى قرن من الزمان، وكذا الجهود السرية للتلاعب بأصوات الناخبين.

Embed from Getty Images

شارك في هذه المقابلات التي أجراها المؤلف ثمانية من مديري وكالة المخابرات المركزية السابقين، والعديد من ضباط وكالة المخابرات المركزية، بالإضافة إلى مديري المخابرات الوطنية، ووزراء خارجية، ومستشاري الأمن القومي، وجنرال في «كيه جي بي»، ورئيس أمريكي سابق. 

خلال هذه اللقاءات، أحيط المؤلف خُبرًا بأن تدخل وكالة المخابرات المركزية في انتخابات الدول الأجنبية كان مطروحا على طاولة كبار مسؤولي الأمن القومي في واشنطن مرتين على الأقل خلال القرن الحادي والعشرين. 

عمليتان على طاولة «سي آي إيه».. صربيا 2000 والعراق 2005

في إحدى هاتين العمليتين – صربيا عام 2000 – تطوَّرت الفكرة إلى مهمة عمل، فأنفقت «سي آي إيه» ملايين الدولارات لتقويض الطاغية سلوبودان ميلوشيفيتش. 

وفي العملية الأخرى – العراق عام 2005 – توقفت «سي آي إيه» (لكنها في الواقع كانت فرصة ميدانية لتقسيم العراق على أسس طائفية: نظام فيدرالي للشيعة في الجنوب، وحكم ذاتي للأكراد في الشمال، على حد قول المحلل العسكري والإستراتيجي، منذر سليمان).

في العمليتين، أجرى صناع السياسة الأمريكيون تقييمًا للفوائد المرجوّة من هذا العمل السري في مقابل المخاطر المُتَصَوَّرة. ويزعم شيمر أن هذه القصص، المستقاة من وراء الكواليس، تناقض ادعاءات بوتين، وتكشف لماذا ابتعدت واشنطن – على عكس موسكو – عن ممارسة التدخل السري في الشؤون الانتخابية لدول خارجية.

ماذا فعل ميلوشيفيتش ليغضب المخابرات الأمريكية؟

يسرد المؤلف وقائع العملية الاستخباراتية الأولى التي جرت في عام 2000، عندما كان الرئيس اليوغوسلافي ميلوشيفيتش يخوض منافسة لإعادة انتخابه رئيسًا لصربيا. 

كان ميلوشيفيتش يحمل أوصافًا كثيرة؛ فهو شيوعي متحالف مع موسكو، وقومي صربي، ومنتهِك شرس لحقوق الإنسان. أما إرثه الأسوأ فكانت حملة التطهير العرقي التي مكَّنها من رقاب شعب البوسنة والهرسك خلال منتصف التسعينات. 

بعدها بسنوات قلائل، ارتكب فِعْلة مشابهة في كوسوفو، حيث شن جنوده حملة منظمة لترويع العرقية الألبانية، وعاثوا فيهم طردًا وتقتيلًا. تلك الفظائع دقت ناقوس الخطر، حتى أن حلف شمال الأطلسي، في عام 1999، شن حملة جوية ضد قوات ميلوشيفيتش، ووجهت إليه محكمة دولية تهمة ارتكاب جرائم حرب. 

يستشهد المؤلف في هذا الصدد بقول ليون بانيتا، رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ما بين عامي 1994 و1997: «كان يُنظر إلى ميلوشيفيتش على أنه شخص سيئ سيقلب هذا الجزء من العالم رأسًا على عقب إذا لم تُتَّخَذ خطوات لملاحقته».

وكالة المخابرات المركزية تنتهز الفرصة في عام 2000

كانت الفرصة سانحة لفعل ذلك في انتخابات عام 2000. وينقل المؤلف عن جيمس أوبراين، المبعوث الخاص لكلينتون إلى منطقة البلقان آنذاك، قوله: «لا أذكر أننا صرَّحنا علانية بأن هدفنا هو تغيير النظام، لكننا لم نعتقد أن ميلوشيفيتش قادرًا على قيادة دولة طبيعية». 

Embed from Getty Images

ومنذ منتصف عام 1999 إلى أواخر عام 2000، أنفقت المنظمات الأمريكية العامة والخاصة ما يقرب من 40 مليون دولار على البرامج الصربية، ليس فقط لدعم معارضي ميلوشيفيتش، ولكن أيضًا لوسائل الإعلام المستقلة والمنظمات المدنية ومبادرات حث الناخبين من التصويت. 

وأوضح أوبراين أن الولايات المتحدة، من خلال هذه المشاركة العلنية، كانت تهدف إلى إتاحة فرص متساوية أمام المشاركين في تلك الانتخابات التي كان ميلوشيفيتش متأهبًا للتلاعب بها.

تدخلات أمريكية علنية وسريّة في الانتخابات الصربية

وبينما تدخلت وزارة الخارجية و«الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)» والمنظمات غير الحكومية التي تمولها الولايات المتحدة في الانتخابات الصربية علانية، فعلت وكالة المخابرات المركزية الشيء نفسه، لكن في السر. 

كان جون سايفر على علم بهذه العملية أثناء خدمته كضابط عمليات في وكالة المخابرات المركزية، بين عامي 1991 و2014. لذلك ينقل إليه المؤلف دفة الحديث ليحكي عن «الجهد السري لمحاولة دعم المعارضة في مواجهة ميلوشيفيتش»، مشيرًا إلى أنه بعد إخطار كلينتون لبعض أعضاء الكونجرس المختارين بعناية، شرعت وكالة المخابرات المركزية في العمل على «دعم وتمويل وتقديم المساعدة لمرشحين معارضين بعينهم؛ وكانت هذه هي المهمة الرئيسة».

وأوضح سايفر، الذي تولى رئاسة محطة وكالة المخابرات المركزية في صربيا بعد الانتخابات مباشرة، أن الوكالة ضخت «ملايين الدولارات بالتأكيد» في شرايين الحملة المناهضة لميلوشيفيتش، قدمت معظمها أثناء اجتماعات مع كبار مساعدي قادة المعارضة الصرب في الخارج، و«دفعت لهم أموالًا نقدية» على الفور.

لماذا دعم كلينتون تدخل «سي آي إيه» ضد ميلوشيفيتش؟

خلال مقابلة مع المؤلف، أكد كلينتون أنه أَذِنَ لوكالة المخابرات المركزية بالتدخل في انتخابات عام 2000 لصالح خصوم ميلوشيفيتش، وقال عن برنامج العمل السري للوكالة: «لم تكن لدي مشكلة في ذلك؛ لأن ميلوشيفيتش «كان قاتلًا بدم بارد، وتسبب في إزهاق أرواح مئات الآلاف من الناس». 

ومثلما اعتقد الرؤساء الأمريكيون في حقبة الحرب الباردة أنهم قادرون على تعزيز الديمقراطيات الأجنبية من خلال تقويض فرص فوز المرشحين الشيوعيين في الانتخابات، كان كلينتون يؤمن بإمكانية تعزيز الديمقراطية الصربية من خلال العمل ضد ميلوشيفيتش، الذي وصفه بأنه «مجرم حرب»، وقال عنه: «لم أعتبر ميلوشيفيتش مرشحًا للديمقراطية، بل اعتقدت أنه كان يحاول التخلص من الديمقراطية».

كانت وكالة المخابرات المركزية في صربيا تركز على التأثير في العقول بدلًا عن تغيير بطاقات الاقتراع، ويؤكد كلينتون أنهم لم يتلاعبوا بالأصوات، ولم يكذبوا على الناخبين – عن قصد – لحملهم على دعم الأشخاص الذين كانت الولايات المتحدة تأمل في فوزهم. بدلًا عن ذلك، دفعت وكالة المخابرات المركزية الأموال، وقدمت أنواعًا أخرى من المساعدة، للحملة الانتخابية لمرشحي المعارضة.

Embed from Getty Images

الهدف: نتيجة انتخابات «مُرْضِيَة للولايات المتحدة»

أحيط قادة الكونجرس علمًا بهذه الخطة السرية ودعموها. ويذكر ترينت لوت، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ آنذاك، أنه عندما أطلع على عملية وكالة المخابرات المركزية، أيدها بكل إخلاص. وقال: «خرج (ميلوشيفيتش) عن السيطرة تمامًا. لم نكن لنغزو تلك البلاد، لكن الفوضى عمَّت، وكان علينا ألا نقف مكتوفي الأيدي». 

يوضح شيمر أن بإمكان ضباط وكالة المخابرات المركزية، على عكس المسؤولين الحكوميين الأمريكيين الآخرين، العمل تحت ستار من السرية؛ «بسبب طبيعة الطريقة التي نؤدي بها أعمالنا»؛ كما أوضح دوجلاس وايز، الذي كان آنذاك ضابط عمليات في وكالة المخابرات المركزية في البلقان. 

ويضيف وايز: «كان العمل السري أكثر قدرة على اختراق صربيا من العمل العلني». وكان تدخل مجتمع المخابرات الأمريكية في هذه الانتخابات «جوهريًا؛ إذ استخدمت واشنطن «جميع أدوات قوتنا الوطنية، للتوصل إلى نتيجة مُرْضِيَة للولايات المتحدة».

لكن هل كان ذلك كافيا؟

مع اقتراب الانتخابات، كان كلينتون قلقًا من أن يشق ميلوشيفيتش طريقه نحو النصر بالخداع، وأخبر فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي الجديد آنذاك، قبل أسبوعين ونصف من التصويت، وفقًا لنسخة رفعت عنها السرية مؤخرًا من حديثهم، بأن «هذه الانتخابات ستكون مهمة، لكنها ربما لن تكون نزيهة». 

وأضاف: «لأن استطلاعات الرأي تظهر ترجع حظوظ ميلوشيفيتش، فربما يلجأ إلى الغش. سيكون من الأفضل له أن يخسر، لكن من المحتمل أن يتلاعب بالنتيجة لينتزع الفوز قسرًا». (ردًا على ذلك، اشتكى بوتين من تدخل حلف شمال الأطلسي في العام السابق، وقال: «لم نتشاور في قرار قصف يوغسلافيا. هذا ليس عدلًا).

سعت المنظمات الأمريكية التي تعمل على تعزيز الديمقراطية، والتي تشارك كلينتون مخاوفه، إلى ضمان عدم تمكن ميلوشيفيتش من تزوير عدد الأصوات. ودربت منظمة غير حكومية تمولها الولايات المتحدة أكثر من 15 ألف ناشط لمراقبة مقار الاقتراع. 

وفي يوم الانتخابات، أحصى أعضاء المعارضة الأصوات بموازاة الإحصاء الحكومي، الذي أظهر تقدُّم ميلوشيفيتش بفارق ضئيل، لولا أن الإحصاء الموازري كشف الحقيقة: أنه مني بهزيمة ساحقة. وبعد أن اندلعت احتجاجات كبرى، اضطر ميلوشيفيتش، الذي لم يستطع قمع الثورة الشعبية، إلى الاستقالة. 

حجم الدور الاستخباراتي الأمريكي في هزيمة ميلوشيفيتش

ظل تدخل وكالة المخابرات المركزية سريًا. وبعد مرور عقدين، ها هم ضباط المخابرات الأمريكية المتقاعدون يعربون الآن عن ثقتهم في أن تدخلهم كان محوريًا في هزيمة ميلوشيفيتش، وإن لم يقدموا المزيد من التفسيرات. وفيما يحكي سايفر عن «نجاح» عملية وكالة المخابرات المركزية، يقول وايز: إن الولايات المتحدة أحدثت «فرقًا كبيرًا» وأن «مزيجًا» من التكتيكات السرية والعلنية تمخضت عن «نتيجة إيجابية».

Embed from Getty Images

لكن كما هو حال جميع العمليات السرية الهادفة إلى التأثير على الناخبين، لم تتمكن وكالة المخابرات المركزية من تقييم التأثير الدقيق لتلك العملية. وإن أشار وايز إلى أن مسؤولي الحكومة الصربية كانوا، خلف الأبواب المغلقة، ينسبون الفضل في فوزهم إلى وكالة المخابرات المركزية. 

وقال سايفر: تواصلت لقاءاتنا مع العديد من اللاعبين الرئيسين الذين أصبحوا شخصيات بارزة في الحكومة اللاحقة، وما فتئوا يخبروننا بأن جهودنا هي التي أدت إلى نجاحهم، بفضل المساعدة التي قدماناه لهم على كافة الأصعدة، من الدعاية إلى التمويل، مرورًا بكيفية إدارة الحملة. 

لماذا ينزعج كبار المسؤولين الأمريكيين حين تُذكَر «عملية صربيا 2000»؟

خلال المقابلات التي أجراها المؤلف، أظهر كبار المسؤولين الحكوميين عدم ارتياحهم عند ذكر وكالة المخابرات المركزية وهزيمة ميلوسيفيتش. وقال جون ماكلولين، الذي كان نائب مدير وكالة المخابرات المركزية في عام 2000: «أعرف أشياء عن ذلك، لكنني لا أستطيع التحدث عنها». 

كان هذا الانزعاج منطقيًا؛ لأن تدخُّل الوكالة في انتخابات عام 2000 لم يكن نموذجًا لعملياتها خلال فترة ما بعد الحرب الباردة. ذلك أنه ليس من السهل أصلًا الإطاحة بمجرم حرب عبر صناديق الاقتراع. يقول ستيفن هول، ضابط العمليات السابق في وكالة المخابرات المركزية الذي كان متمركزًا في المنطقة: «يبدو أن هناك مستوى أعلى من الارتياح، ليس فقط على الصعيد الاستخباراتي في العالم، ولكن في الحقيقة كانت السياسة نفسها تفرض التدخل في منطقة البلقان». 

«للموت عتبة.. وميلوشيفيتش تجاوزها»

كان «التلاعب بالانتخابات هو الملاذ الأخير» بالنسبة لواشنطن على حد قول وايز، الذي يشدد على أن القضية الصربية كانت «استثناءً محضًا، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى الفظائع التي ارتكبها ميلوشيفيتش، وفي جوانب أخرى بسبب السمات الحسنة التي تتمتع بها المعارضة «المنفتحة على التغيير» و«الموثوقة» و«الجذابة».

في مثل هذه الحالات، يجادل وايز إجمالًا بأن «الغايات تبرر الوسائل… الخطر هو أنك ربما تفعل شيئًا يتنافى مع القيم الأمريكية في نظر البعض». ولكن النتيجة هي أن «المجنون الذي ارتكب الإبادة الجماعية لم يعد في السلطة». 

وعندنا سأل مؤلف الكتاب الرئيس كلينتون لماذا كان العمل السري في صربيا وجيهًا، أجاب ببساطة: «للموت عتبة، وميلوشيفيتش تجاوزها».

التدخل في انتخابات العراق 2005 على طاولة مناقشات البيت الأبيض

في عام 2004 كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على وشك السماح بعملية أخرى من هذا الطراز. عُرِضت تفاصيل القصة في غرفة عمليات البيت الأبيض، حيث درس مسؤولو الأمن القومي، خلال فصلي الصيف والخريف، اقتراحًا مألوفًا: أن تتدخل وكالة المخابرات المركزية سرًا في الشأن الانتخابي لدولة أجنبية. وكان العراق هو المستهدف تلك المرة.

دولي

منذ شهر
هيرست في ضيافة خميس الخنجر: كواليس الـ17 عامًا الأخيرة من تاريخ العراق

في مارس (أذار) 2003، غزت الولايات المتحدة العراق للإطاحة بصدام حسين، الدكتاتور الذي حكم البلاد لفترة طويلة، ومصادرة أسلحة الدمار الشامل التي ثارت مزاعم حول امتلاكه لها، على حد وصف المؤلف.

سقطت حكومة صدام في غضون أسابيع، لكن لم يُعثَر على مثل هذه الأسلحة. ولا غروَ أن يجد بوش صعوبة حينها في تبرير الحرب، فما كان منه إلا أن جدد وعده بتغيير النظام السياسي في العراق. وفي أواخر عام 2003، أعلن أن «الديمقراطية العراقية ستنجح» وأن مواطنيها سيتمتعون بتمثيل شعبي. 

ينقل المؤلف عن أرتورو مونيوز، وهو ضابط كبير في عمليات وكالة المخابرات المركزية آنذاك: «بالنسبة إلى (حكومة الولايات المتحدة) في ذلك الوقت، كان من المهم للغاية إجراء انتخابات حرة ونزيهة؛ لأن هذا هو ما يبرر الغزو فعلًا… ولأننا لم نعثر على أسلحة دمار شامل، إذ كنا نبحث باستماتة عن تبرير، حتى نتمكن على الأقل من ترسيخ الديمقراطية في هذا المكان».

إياد علاوي.. مرشح بوش المفضل في مهب الريح

ضخت المنظمات الأمريكية التي تعمل على تعزيز الديمقراطية الموارد في شرايين العراق. وأطلق المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي الوطني، على وجه الخصوص، برامج كبيرة في ذلك البلد، للمساعدة في إنتاج مواد توعوية للناخبين، وتدريب مسؤولي الأحزاب، وتسهيل المناقشات السياسية، وحث الناخبين على التصويت. 

ولكن الغرض من الانتخابات هو أن يحدد الناخبون الاتجاه الذي ستسلكه دولتهم. وبهذا المعنى، كان لدى بوش مشكلة؛ إذ أشارت تقارير المخابرات إلى أن مرشحه المفضل، إياد علاوي، سيخسر في أول انتخابات برلمانية تجرى في العراق، كان من المقرر إجراؤها في يناير (كانون الثاني) 2005.

رأت وكالات المخابرات الأمريكية أن إيران كانت تتلاعب بالانتخابات لصالح معارضي علاوي. وقال ماكلولين، نائب مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك: «بالطبع، إيران متورطة… ولمَ لا؟ إنهم على أعتاب العراق، ولديهم القدرة على ذلك، وكانوا قريبين من بعض القيادات». 

كان وايز متمركزًا في العراق قبل الانتخابات، وبعد سنوات قليلة أصبح رئيسًا لمحطة وكالة المخابرات المركزية هناك، وبهذه الخلفية وصف التدخل الإيراني في الانتخابات العراقية بأنه واسع النطاق، قائلًا: «نحن نتحدث عن المال والناشطين والتهديدات والابتزاز والوجود شبه العسكري».

بند واحد على جدول الأعمال: تدخل «سي آي إيه» في انتخابات العراق

ناقش بوش ومستشاروه ما إذا كان عليهم الرد بتدخُّل تحت ستار السرية. وشارك جون نيجروبونتي، سفير الولايات المتحدة في العراق آنذاك، بانتظام في المؤتمرات الهاتفية بين الوكالات من بغداد، لمناقشة بند واحد على جدول الأعمال: التدخل في الانتخابات بقيادة وكالة المخابرات المركزية. 

وقال نيجروبونتي: «لقد أمعنّا النظر في هذا الأمر حقًا»، وأخبر المؤلف بأنه كان «منفتحًا على تلك الاحتمالية» خلال المناقشات التي أجريت مع كبار المسؤولين الآخرين في الإدارة.

Embed from Getty Images

إياد علاوي 

وصلت المداولات إلى مرحلة جدية بما يكفي لدرجة أن البيت الأبيض أطلع قيادة الكونجرس بمخططاتها. يقول توم داشل، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ آنذاك: «كان بيت القصيد هو وجود فرصة للتعامل مع الموقف بطريقة يمكن أن تأتي بنتائج مضمونة أفضل بكثير».

لم يستدعي المسؤولون الذين قابلهم المؤلف تلك التفاصيل، أو أنهم كانوا لا يرغبون في الإفصاح عن التفاصيل التشغيلية لخطة وكالة المخابرات المركزية، على الرغم من أن داشل أخبره بأنها تضمنت «الكثير من الأنشطة التي اعتقدنا أنها غير مرغوبة وغير مستحسنة».

لماذا تراجعت «سي آي إيه» عن «عملية العراق 2005»؟

بحلول خريف عام 2004، كانت الوكالة تتحرك نحو العمل. وكان علاوي يتوقع الحصول على مساعدة سرية. وينقل الكاتب ما قاله في عام 2007: كان الموقف الأوليّ الذي تبنته الولايات المتحدة يتمثل في تقديم الدعم المالي والإعلامي للقوى المعتدلة… ثم توقفت هذه المساعدة فجأة؛ بحجة أن الولايات المتحدة لا تريد التدخل».

داخل وكالة المخابرات المركزية والكونجرس والبيت الأبيض، اتحد تحالف غير متوقع من المسؤولين لمناهضة التدخل السري في الانتخابات. وأشار نيجروبونتي إلى أن ممثلي وكالة المخابرات المركزية كانوا «الأقل رغبة في التدخل؛ لأن تلك العملية قد تضع الوكالة في مهب الريح إذا كشف عنها الستار». ورد ماكلولين ضاحكًا: إنه «لن يختلف» مع الوقائع التي يستدعيها نيجروبونتي من الذاكرة. 

وقال مونوز: «لقد غزونا، على كل حال، دولة لجعلها ديمقراطية… ما مدى النفاق الذي يمكن أن يوصف به تخريب انتخاباتهم؟… إذا كنت ستخرب الانتخابات، ثم تفتضح الأمور، وكثيرا ما تفتضح، وعندما تتناثر الأقاويل بأن فلانًا فاز في الانتخابات لأن وكالة المخابرات المركزية فعلت كذا وكذا وكذا؛ فإنك بذلك تكون قد دمرت مغامرة السياسة الخارجية التي شرعت فيها بأكملها».

كما اعترض قادة الكونجرس على الخطة. بالنسبة إلى داشل، كانت الحجج المناهضة للعمل السري ذات شقين؛ الأول كان مسألة المظهر: كيف «سيبدو فظيعًا» إذا افتضح الأمر. والثاني كان معياريًا. قال: «لقد وضعت الحرب الباردة أوزارها… وتكرار ما كنا نقوم به قبل 20 عامًا لم يعد مناسبًا، ولم يكن يتماشى مع ما يجب أن تكون عليه بلادنا». 

وأشار داشل إلى أن نانسي بيلوسي، نظيرته في مجلس النواب، كانت «صاخبة للغاية» في معارضة الخطة. وبحسب ما ورد، وجدت بيلوسي حليفًا يتمثل في كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي. يقول نيجروبونتي: «حين سمعت هذا النقاش، أدركت أن الأمر لا يستحق العناء، والناس لا يريدون القيام بذلك، ورفضنا».

يردف المؤلف: كان بوش، أثناء محاولته بناء الديمقراطية، عازف عن التدخل سرًا في انتخابات تلك الديمقراطية. وقال ماكلولين: «تريد أن تكون نظيفًا وحرًا إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بالتدخل في عملياتهم الانتخابية… لقد شاركت في الكثير من العمليات السرية للتخطيط واتخاذ القرارات، وعليك دائمًا أن تسأل نفسك: ما هي العواقب غير المقصودة لما نقترح القيام به أو نفكر فيه؟».

على هذا النحو، أحيلت خطة وكالة المخابرات المركزية إلى الرَّف. وفي يناير 2005 مُني تحالف علاوي بخسارة مدوية في سباق انتخابي شابته الاضطرابات والهجمات الإرهابية. ثم تولى السلطة ائتلاف حاكم ذي علاقات وثيقة مع طهران.

عصر جديد.. كيف تغير دور سي آي إيه في فترة ما بعد الحرب الباردة؟

يجيب المؤلف: بينما كانت المخابرات الروسية تتلاعب مرة أخرى بالانتخابات في جميع أنحاء العالم، كانت وكالة المخابرات المركزية ترسم مسارًا معاكسًا. ولم تكن عملية صربيا، وفقًا للعديد من المسؤولين الأمريكيين، إلا إجراء «استثنائيًا» استجابة لظروف غير عادية. أما بالنسبة للانتخابات العراقية، التي لم يشارك فيها حاكم مثل ميلوشيفيتش، فاعتبر صناع السياسة الأمريكيون أن مخاطر العمل السري فيها عالية جدًا. 

Embed from Getty Images

في السنوات التي تلت ذلك، واستنادًا إلى المقابلات التي أجراها المؤلف مع مديري وكالة المخابرات المركزية السبعة الذين تولوا المسؤولية من يوليو (تموز) 2004 إلى يناير (كانون الثاني) 2017، وكذلك المديرين السابقين للمخابرات الوطنية ونواب مديري وكالة المخابرات المركزية، كان واضحًا أن المنطق الذي بني عليه القرار بشأن عملية العراق أصبح هو القاعدة. وخلافًا لمزاعم بوتين، تخلت واشنطن تقريبًا عن اللجوء إلى التدخل السري في انتخابات الدول الأجنبية، على حد قول المؤلف.

انقسام بين قيادات المخابرات الأمريكية حول تشخيص الواقع

خلال المقابلات التي أجراها الكاتب حول برامج العمل السري الحديثة لوكالة المخابرات المركزية، انقسمت آراء رؤساء عمليات التجسس السابقين في الولايات المتحدة إلى مجموعتين؛ إذ أصرّت المجموعة الأولى على أن الوكالة لم تعد تتدخل سرًا في انتخابات الدول الأخرى. وفي هذا الصدد، قال ديفيد بتريوس، الذي قاد وكالة المخابرات المركزية في عامي 2011 و2012: إنه «ليس على علم… في الآونة الأخيرة، بوجود مثل هذه العمليات». 

وقدم جون برينان، مدير وكالة المخابرات المركزية من 2013 إلى 2017، تأكيدًا أكثر شمولية حين قال: «في عهد الرئيسين أوباما وبوش الابن، لم تبذل الولايات المتحدة أي جهد لمحاولة التأثير على نتائج الانتخابات الديمقراطية. لقد اعتقدنا أن القيام بذلك يتناقض مع العملية الديمقراطية». وتابع أن وكالة المخابرات المركزية استهدفت ذات مرة الانتخابات في بلد أجنبي، ولكن على مدى السنوات الـ18 الماضية أو نحو ذلك لم تسر الأمور على هذا النحو».

تلفت المجموعة الثانية من المسؤولين إلى أن وكالة المخابرات المركزية ابتعدت عن التأثير على الانتخابات في الخارج، لكنها لم تتوقف بالضرورة. وفي هذا السياق، يقول ماكلولين، الذي كان على صلة بقضية ميلوشيفيتش بصفته المسؤول الثاني في وكالة المخابرات المركزية في عام 2000: «لم يكن هناك الكثير من هذا السلوك. هذا ليس شيئًا تفعله المخابرات بمرونة وحرية على غرار ما كان عليه الوضع أثناء ذورة الحرب الباردة. ومنذ ذلك الحين رُفعت هذه العمليات على الأقل إلى أعلى المستويات».

وبالفعل ناقشت إدارة بوش مخطط العراق، وقيمت إدارة أوباما مقترحات مماثلة. وقال توني بلينكن، الذي شغل مناصب رفيعة في وكالة الأمن القومي طوال فترة رئاسة باراك أوباما: «ليس الأمر كما لو أن هذه الأفكار لا تظهر مرة أخرى، ولكنها على الأقل كانت ترفض في إدارة (أوباما)».

منهجية «سي آي إيه» لامتلاك النفوذ الإعلامي

من بين هذه المجموعة الثانية، كان ليون بانيتا، مدير وكالة المخابرات المركزية من 2009 إلى 2011، هو الأكثر استعدادًا للحديث عن هذه المسألة. وأكد أنه لم يتورط في تعديل الأصوات مباشرة أو نشر التضليل. ولكن في حالات نادرة، أثرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي كان يديرها على وسائل الإعلام الأجنبية قبل الانتخابات من أجل «تغيير الاتجاهات داخل البلاد». 

وتابع بانيتا أن منهجية وكالة المخابرات المركزية هي: «الاستحواذ على وسيلة إعلام، داخل دولة أو في منطقة ما، يمكن استخدامها جيدًا للتمكن من إيصال» رسالة معينة أو العمل من أجل «التأثير على أولئك الذين قد يمتلكون عناصر إعلامية ليصبحوا متعاونين ويعملون معك في إيصال هذه الرسالة». وكما حدث في إيطاليا عام 1948، أو صربيا في عام 2000، فإن البرامج التي وصفها بانيتا تكمل حملات الدعاية العلنية. 

وأضاف: «على الرغم من أننا كنا نعمل تحت ستار من السرية، كان عليك التأكد من أن الطرق العلنية التي تستخدم على الأقل توصل الرسالة نفسها». لكن حتى هذا النوع من العمليات كانت له مخاطره، التي يقول بانيتا عنها: «ليس هناك شك في أنها مقامرة؛، ولهذا السبب كانت الملاذ الأخير، وهمشت تكتيكات أكثر عدوانية. 

التدخل السري في الانتخابات.. استثناء أم قاعدة؟

تخلُص كل المقابلات التي أجراها المؤلف إلى النتيجة نفسها: بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية، أصبح التدخل السري في الانتخابات هو الاستثناء، وليس القاعدة. فإما أن الوكالة لم تعد تسعى للتأثير على نتائج الانتخابات، كما أكد برينان وبتريوس، أو أنها تفعل ذلك في حالات نادرة عندما يكون بمقدورها – كما حدث مع ميلوشيفيتش – الإطاحة بالطاغية عبر صناديق الاقتراع.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: الحقيقة الدقيقة غير معروفة. لكن هذا التحول العام يشير إلى عزوف جذريّ عن أساليب الحرب الباردة، عندما كانت وكالة المخابرات المركزية تتدخل في انتخابات «العديد والعديد» من البلدان. وقال نيجروبونتي، المدير السابق للمخابرات الوطنية: «بصراحة، أصبح العمل السياسي من هذا النوع حقًا جزءًا من الماضي. تجربة العراق أقنعتني بذلك. لم تكن هناك أي رغبة في التدخل (الانتخابي)».

مكافحة الإرهاب.. الخطر البديل للاتحاد السوفيتي

سيصر المتشككون على أن رؤساء المخابرات الأمريكية يكذبون. ولكن بالنظر إلى الحقائق الحالية، يرى المؤلف أن المشككين قد يكونون هم الذين يتحدون المنطق. 

ويضيف: ستبدو وكالة المخابرات المركزية كمن يسجل هدفًا في شباكه؛ إذا أقدمت على التلاعب في الانتخابات الخارجية في جميع الظروف خَلا الحالات الاستثنائية. أحد الأسباب يتعلق بنهاية الحرب الباردة، التي حرمت وكالة المخابرات المركزية من هدفها طويل الأمد: مواجهة الاتحاد السوفيتي. 

وكان ميلوشيفيتش من بقايا حقبة سابقة. لكن في سبتمبر (أيلول) 2001 وجدت وكالة المخابرات المركزية محور تركيز جديد في مكافحة الإرهاب، استدعى شن ضربات بالطائرات دون طيار وعمليات شبه عسكرية، وأعفى الوكالة من عبء التدخل في الانتخابات. 

أكثر تعقيدًا من النفاق الأخلاقي

بعد الحرب الباردة، أعلن قادة الولايات المتحدة بداية حقبة من الديمقراطية الليبرالية ترسم ملامحها انتخابات حرة ونزيهة. هذا التحول، من احتواء الشيوعية إلى تعزيز الديمقراطية، جعل التدخل السري في الانتخابات مغامرة أكثر خطورة، بحسب المؤلف. 

وكما أوضح مايكل هايدن، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، فإن «التدخل في العملية الانتخابية يعد اختراقًا لصلب معتقداتنا الأساسية. قد ترغب في القيام بذلك لمنح كافة الأطراف فرصًا متساوية، وقد ترغب في القيام بذلك لمجرد تلبية متطلبات الأمن القومي، لكن هذا لا يبدو صحيحًا». 

Embed from Getty Images

وأوضح ماكلولين بالتفصيل نظرة واشنطن التي تطورت بمرور الوقت، فقال: «إذا كنت تتدخل في الانتخابات، وضُبِطتَ متلبسًا وأنت تفعل ذلك؛ فستبدو منافقًا أكثر مما كنت ستظهر في الحرب الباردة، عندما كان هذا يُعفى عن هذا النوع من السلوكيات؛ لأنه جزء من التكلفة الحتمية لإنجاز الأمور».

لكن النفاق لم يوقف وكالة المخابرات المركزية من قبل. وفي السنوات الأخيرة، ومع عودة المنافسة بين القوى العظمى إلى الظهور، كان للولايات المتحدة مصلحة في العديد من الانتخابات الأجنبية.

إذا كنتَ تعيش في «أكبر منزل زجاجي في العالم» فلا ترجم الآخرين بالحجارة

إذًا التغييرات في السياسة العليا لا تقدم تفسيرًا كاملًا – بل جزئيًا – لهذا التحول في نشاط وكالة المخابرات المركزية. وبقية القصة تتعلق بانتشار الإنترنت، الذي جعل الانتخابات الأمريكية نفسها عرضة للتدخل الخارجي. 

ولا غروَ أن يحجم المسؤولون في واشنطن عن تنفيذ هذا الطراز من العمليات التي أصبحت بلادهم عرضة لها. يقول بتريوس عن ذلك: «إذا كان بيتك من زجاج؛ فلا ترمي الآخرين بالحجارة… وبلدنا هو أكبر منزل زجاجي في العالم، عندما يتعلق الأمر باتصال الإنترنت».

كما صعَّب العصر الرقمي مهمة الحفاظ على سرية العمليات السرية الرامية إلى التلاعب بالناخبين الأجانب. ويتابع بتريوس حديثه عن هذه النقطة قائلًا: «من الصعب جدًا إبقاء هذا النوع من النشاط طي الكتمان للنهاية». 

يلفت المؤلف في الختام إلى خشية واشنطن أن تُضبَط متلبسة بمثل هذا السلوك. وينقل عن أفريل هاينز، نائب مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، قوله: إذا ثبت أن الولايات المتحدة روجت لمعلومات مضللة، أو تلاعبت بأصوات الناخبين؛ فإن ذلك سيقوض مصداقيتنا وجهودنا السياسية، بالنظر إلى مدى عدم تناسق هذه الإجراءات مع القيم التي نشجعها، والتي هي في صميم قوتنا الناعمة. لكن الشيء نفسه لا ينطبق على روسيا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد