بعد ثلاث سنوات من القتال الوحشي، في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد «الدولة الإسلامية بالعراق وسوريا (داعش)» توشك على الانتهاء، وفقًا لما أعلنه الجيش الأمريكى يوم الخميس الماضي، قائلًا: «إن التحالف قد حرر أكثر من 98% من المناطق التي كان يسيطر عليها (داعش) سابقًا، وحرر 7.7 مليون عراقي وسوري كانوا محتجزين تحت حكم (داعش) الوحشي». هكذا افتتح الكاتب الصحافي مرتضى حسين تقريره بموقع «ذي إنترسبت».

وبحسب جميع التقارير، فإن هذا الانتصار قد تم بتكلفة باهظة للمدنيين، ولكن ضخامة الخسائر تعتمد على الطرف الذي تسأله.

كم من المدنيين سقطوا بسبب ضربات التحالف الدولي؟

يقول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أنه أجرى 29.070 ضربة بين أغسطس (آب) 2014، ويناير (كانون الثاني) 2018؛ مما أسفر عن مقتل 841 مدنيًا على الأقل.

ولكن هذا الرقم أقل بكثير من التقديرات المستقلة؛ مما يثير تساؤلات حول سير الحرب وتأثيرها على المدنيين العراقيين والسوريين. ووفقًا لتقارير جماعة «إير وارس» الحقوقية غير الحكومية، فقد توفي ما بين 6136 و9315 مدنيًا في ضربات التحالف منذ عام 2014، مع ارتفاع عدد القتلى بشكل استثنائي في عام 2017. كما كشفت التحقيقات التي أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخرًا حول الغارات الجوية في العراق عن نقص حاد في الإبلاغ عن الإصابات في صفوف المدنيين، مع وجود آلاف الضحايا المدنيين الذين لا يحملون وثائق رسمية.

في تقييمها السنوي الصادر الشهر الماضي، كشفت إير وارس أن عام 2017 كان أكثر الأعوام دموية بالنسبة للمدنيين في العراق وسوريا؛ إذ ارتفع عدد القتلى المدنيين من جراء هجمات القوات الجوية وقوات المدفعية التي شنها التحالف لدعم القوات البرية المحلية في العراق وسوريا بنسبة تزيد على 200% مقارنة بالعام السابق.

على مدى 12 شهرًا مضت وقع ما يقرب من 65% من جميع الوفيات بين المدنيين التي سجلتها إير وارس منذ بدء الحملة الجوية في عام 2014.

«شكرًا على حسن تعاونكم».. كيف ساهمت أمريكا وسوريا والعراق في إطالة عمر «داعش»؟

ونقل الكاتب قول الباحث بإير وارس أليكس هوبكنز: «نتوقع حدوث خسائر بصفوف المدنيين في العمليات العسكرية – لا سيما خلال الهجمات بالمناطق المدنية الكبيرة – لكننا لم نتوقع زيادة الإصابات بمعدل من هذا القبيل». وأضاف: «رصدنا مستويات عالية جدًا من الأضرار المدنية خلال العام الماضي. وهو يثير تساؤلات جادة حول مستوى حذر التحالف في عملياته».

كما أن الزيادة المذهلة في معدلات الإصابات في صفوف المدنيين تثير تساؤلات حول أثر التغيرات السياسية في الولايات المتحدة على سير الحرب. في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية لعام 2016، وعد المرشح – آنذاك – دونالد ترامب باتخاذ إجراءات وحشية وعشوائية ضد الأراضي الخاضعة لسيطرة (داعش) في العراق وسوريا بمجرد تولي السلطة، وتعهد بقصفهم بشكل عنيف وإخراج أسر الإرهابيين المشتبه فيهم.

كيف أثرت التغيرات السياسية في أمريكا على سير الحرب؟

يقول الكاتب: «إن مشاركة ترامب في تفاصيل الحملة العسكرية محل شك، ولكنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، ويبدو أن خطابه قد أثر على البنتاجون. فيوجد اختلاف كبير في الموقف العام للمسؤولين العسكريين في عهد أوباما، مثل ديفيد بترايوس وستانلي ماكريستال، اللذين أكدا بشكل عام على القيمة الاستراتيجية للاستخدام الحكيم للقوة وحماية المدنيين، بينما دعا وزير الدفاع الحالي جيمس ماتيس علنًا ​​لاستخدام تكتيكات إبادة جماعية ضد الجماعات المسلحة».

وفي 9 يناير، صرح أعلى ضابط مجند في الجيش، القائد جون واين تروكسيل «أنه إذا لم يستسلم مقاتلو (داعش)، فسوف نستخدم التدابير القصوى لقتلهم، سواء كان ذلك من خلال مساعدة قوات الأمن، بإسقاط القنابل عليهم، وإطلاق النار على وجههم، أو ضربهم حتى الموت بأدوات الحفر».

ويضيف الكاتب في الأشهر السابقة، بالفترة التي سبقت هجوم التحالف على الرقة، تفاخر قائد التحالف آنذاك الفريق ستيفن تاونسند بأن قواته تفتح النار على كل قارب يجدوه في نهر الفرات الذي يمتد بجانب المدينة. ويبدو أن تصريحات تاونسند تتجاهل حقيقة أن نهر الفرات كان الطريق الرئيسي لهروب المدنيين الفارين من المدينة.

وتشير العلاقة بين الخطاب الدموي وارتفاع عدد القتلى المدنيين إلى زيادة حدة الهجوم بالمعركة في العام الماضي على الأقل. في الوقت الذي ذكر فيه ماتيس في تصريحات علنية أن عملية صنع القرار حول الضربات الجوية قد أسندت لقادة من مستوى أقل، فإن البنتاجون أكد أيضًا أن قواعد الاشتباك الرسمية التي تحكم استخدام القوة في العراق وسوريا لم تتغير منذ تولى ترامب منصبه.

مترجم: ما الدروس التي تعلمتها أمريكا من الحرب الجوية على «داعش»؟

وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية لـ«إنترسيبت» في رسالة بالبريد الإلكتروني: «على الرغم من أن التحالف لا يقدم تفاصيل عامة حول قواعد الاشتباك، يمكننا أن نقول لكم إن قواعد الاشتباك لم تتغير في العام الماضي». وأضاف: «في هذه المرحلة من العملية، نركز على تفكيك شبكة (داعش)، وتدهور قدراتها، وتعريض أيديولوجيتها المتطرفة للعنف الأخرق الذي تمثله، ومنع ظهورها مجددًا».

لكن الخبراء يقولون: «إنه حتى بدون تغيير رسمي، فإن التحول في النبرة والمصادر والتوقعات داخل الجيش ربما تكون قد دفعت القادة لاتخاذ قرارات استهداف عدوانية من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الخسائر».

هل كان يمكن تقليل خسائر المدنيين الهائلة؟

وينقل الكاتب عن خبير الأمن القومي في مركز «أبحاث الشؤون الدولية (تشاتام هاوس)»، ميكا زينكو، قوله: «قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط، كانت عبارات كبار القادة تشير إلى أننا لا نستطيع أن نقتل أو نأسر للخروج من هذه المشكلة. هذه اللهجة قد اختفت الآن، وأصبح الحديث عن قتل العدو بصرامة».

«إن النقاط التي ركز عليها كبار القادة على نفس القدر من أهمية، القواعد الرسمية. إذا كان وزير الدفاع أو قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل يهتم بهذه المسألة، فإنها تكرس المزيد من الموارد والاهتمام لفهم ذلك. ويشير زنكو إلى أن ارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين يمكن أن يعزى كليًا إلى زيادة القتال في المناطق المدنية بالرقة والموصل. يقول: «لقد أصبحت القدرة على تحديد الأهداف، ومدى تأثير الذخائر متطورة جدًا، بغض النظر عن مكان المعارك».

في حادثة سيئة السمعة خلال معركة الموصل، استخدمت القوات الأمريكية قنبلة من طراز GBU-38، تزن 500 رطل؛ لاستهداف قناصة من (داعش). وقد تسببت الغارة الجوية في سلسلة من الانفجارات الثانوية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني في المنطقة، وهو ما كان يمكن تجنبه لو استخدمت ذخائر صغيرة بالغارة الجوية. يقول زينكو: إنه في هذه الحالة «لم يكن من الضروري أن تحدث الغارة الجوية في منطقة مدنية؛ فالذخيرة التي استخدمت هي التي رفعت المخاطر على المدنيين. هذه هي الخيارات حول الأسلحة التي لها بدائل يمكن استخدامها في المناطق المدنية».

ويشير الكاتب إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت انخفاضًا مستمرًا في وتيرة العمليات الجوية الأمريكية في العراق وسوريا؛ إذ إن الحملة التي دامت ثلاث سنوات لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية على وشك الانتهاء. لكن الخسائر في الأرواح وتدمير البنية التحتية في العراق وسوريا ستترك ندوبًا دائمة.

ونقل الكاتب في نهاية تقريره قول سحر محمدالي، مديرة برنامج الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مركز المدنيين بالصراعات: «الحرب ليست نظيفة أبدًا. ستسقط وفيات من المدنيين، وستُدمر البنية التحتية، ولكن السؤال هو: كيف تحاول تقليل ذلك؟»، وأضافت: «كانت حملة مكثفة، والمدنيون دفعوا ثمنًا مروعًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد