نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لمراسلتها للشؤون العسكرية والأمن القومي ميسي ريان حول حصيلة الضحايا المدنيين في ليبيا نتيجة معركة طرابلس بين قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا وما يعرف بالجيش الوطني الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر.

رصدت الدراسة زيادة الضحايا المدنيين في ليبيا خلال العام الماضي، مع استمرار معركة العاصمة طرابلس لفترة طويلة، إذ يُعتقد أن القوات التابعة لخليفة حفتر في الشطر الشرقي من البلاد هي المسؤولة عن غالبية الوفيات في صفوف الأشخاص غير المقاتلين (المدنيين).

دماء العدد الأكبر من الضحايا المدنيين في رقبة حفتر

تضيف المراسلة أن التحليل الذي أجرته مؤسستا «نيو أميركا» و«إيروورز»، وفحص ادعاءات وقوع وفيات بصفوف المدنيين، أظهرت أن القوات المرتبطة بحفتر يُعتقد أنها مسؤولة عن غالبية الخسائر المسجلة.

Embed from Getty Images

وخلُصَ التحليل إلى أن الغارات الجوية وعدد الضحايا من المدنيين زاد بوتيرة كبيرة منذ شن الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، في أبريل (نيسان) عام 2019، عملية عسكرية لا تزال مستمرة للاستيلاء على طرابلس من حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة.

ووفقًا لمؤسسة «إيروورز»، يُعتقد أن ما لا يقل عن 429 من الحد الأدنى المقدر بـ 727 وفاة داخل ليبيا منذ العام 2012، أو ما يقارب نسبة 60%، يُعتقد أنها وقعت منذ بداية هجوم حفتر على طرابلس. وحمّلت المؤسسة جيش حفتر أو القوات التابعة له المسؤولية عن ما لا يقل عن 270 حالة وفاة منذ بداية معركة طرابلس، في حين يُعتقد أن حكومة الوفاق الوطني والقوات التابعة لها مسؤولة عن 95 حالة وفاة.

وفي تقريرها الذي جاء تحت عنوان «الغارات الجوية والحروب بالوكالة والضحايا المدنيين» والتي حصلت واشنطن بوست على نسخة أولية منه، خلُصَت مؤسسة «نيو أميركا» إلى أن غالبية الضربات التي نُفِذت في ليبيا منذ عام 2019 تركزت حول طرابلس، الأمر الذي يمثل تغييرًا عن السنوات الماضية عندما كانت غالبية الضربات تستهدف مناطق يقطنها من يُشتبه أنهم متطرفون إسلاميون بما في ذلك بنغازي ودرنة وسرت.

صراع متشابك.. ماذا جرى منذ الإطاحة بالقذافي؟

تتابع المراسلة: إن الطبيعة المتغيرة للصراع الليبي تُعد مثالًا آخر على الوعد الذي لم يتحقق لثورة عام 2011 في ليبيا، عندما كان الكثير من الليبيين يأملون أن تؤدي الإطاحة بمعمر القذافي الحاكم المستبد الذي حكم ليبيا لفترة طويلة، إلى الانفتاح والاستقرار والازدهار.

بدلًا من ذلك، انزلقت ليبيا إلى صراع أهلي متشابك؛ شهد تناحرًا بين حكومتي الشرق والغرب، وكان كل طرف منهما يدعي لنفسه الشرعية بينما كانا يتنافسان من أجل السيطرة على النفط والموارد الأخرى.

Embed from Getty Images

وسمح ذلك الصراع للشبكات الإجرامية بافتراس المهاجرين، ووفر تربة خصبة لازدهار الجماعات المتطرفة، كما حدث عندما أسس تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلامية «داعش» أحد أكثر المجموعات التابعة له تنظيمًا ووحشية داخل ليبيا عام 2015.

وخلص التقرير إلى توثيق أكثر من 4 آلاف غارة جوية شنتها جميع الأطراف منذ عام 2012. وأفادت أنباء الأحد الماضي بأن خمسة أشخاص لقوا حتفهم بعد قصف مدفعيّ استهدف متنزهًا في طرابلس، حسبما نقلت وكالة رويترز للأنباء.

ويوم أمس الثلاثاء، قالت الأمم المتحدة إن حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي وافقا على استئناف محادثات وقف إطلاق النار لإنهاء القتال. لكن مراسلة «واشنطن بوست» تلفت إلى أن الجهود السابقة لضمان وقف دائم لإطلاق النار باءت بالفشل.

ما بين مسعِّر الحرب المحليّ ومحركي الدُّمَى الخارجيين

ولم يقدم الجيش الوطني تعليقًا فوريًا على تأكيدات التقرير. لكن المستشار البارز بحكومة الوفاق الوطني، محمد علي عبدالله، وصف حفتر في رسالة بأنه المحرك وراء الصراع الحالي وقال إن العمليات العسكرية لقوات حكومة الوفاق كانت دفاعية بطبيعتها. مؤكدًا فتح تحقيق في أي انتهاكات تنسب لحكومة الوفاق أو القوات التابعة لها.

وأضاف عبدالله «إن التكافؤ الزائف، الذي تصدِّره التصريحات السياسية والإدانات وحتى بعض التقارير في بعض الأحيان، يحاول تصوير الممارسات العسكرية الخارجة عن القانون كما لو كانت تشبه الإجراءات التي تتخذها حكومتنا لحماية الشعب الليبي ومؤسساته».

عربي

منذ شهرين
انتصارات مستمرة للوفاق.. هل خسر حفتر معركة طرابلس؟

يكمل المراسل تغطيته للوضع قائلًا: كما أدى الصراع إلى منافسة تتزايد تعقيدًا بين البلدان التي لها مصالح مُتَصَوَّرة داخل ليبيا، ما أدى لاستقطاب مجموعة من الدول التي قدمت الدعم العسكري وغيره، عادة من وراء الكواليس، لكلا الطرفين على الرغم من حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. ووفقًا لمؤسستي «نيو أميركا» و«إيروورز»، شنت سبع دول على الأقل غارات جوية داخل ليبيا منذ العام 2012. 

ويُعتقد أن روسيا والإمارات ومصر والسعودية هم الداعمون الخارجيون لفصيل حفتر، ما يُشّجِع الجيش الوطني الليبي للسعي وراء تحقيق انتصار عسكري. وأشار التقرير إلى أن قدرة حفتر على جذب الدعم الأجنبي تسببت في زيادة القدرات العسكرية للجيش الوطني الليبي.

ما وراء كواليس الحرب الليبية الغامضة

أقدمت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) قبل أسبوع على خطوة غير اعتيادية بإدانة الحكومة الروسية علنًا؛ لإرسالها مقاتلات متطورة إلى ليبيا لمساعدة الجيش الوطني الليبي.

Embed from Getty Images

واتهم مسؤولون أمريكيون الحكومة الروسية بالتواجد جنبًا إلى جنب مع الجيش الوطني الليبي، من خلال مقاتلي مجموعة فاجنر، وهي شركة عسكرية خاصة، وإن رفض مسؤولون روس هذه الاتهامات.

يضيف التقرير: في غضون ذلك، يُعتقد أن الدعم الأجنبي لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، ازداد خلال العام الجاري، مع بدء تركيا علانية توفير المقاتلين والمساعدات في محاولة لتجنب استيلاء حفتر على طرابلس. ويوظف كلا الجانبين مقاتلين بأجر من عدد من الدول بما في ذلك سوريا.

وفي مثال آخر على الطبيعة الغامضة للحرب الليبية، ذكرت صحيفة واشنطن بوست العام الماضي أن الجيش الوطني الليبي اختطف عسكريًا مخضرمًا بالقوات الجوية الأمريكية كان على ما يبدو يعمل متعاقدًا مع حكومة الوفاق الوطني، واحتجز لمدة ستة أسابيع في عام 2019 قبل إطلاق سراحه.

حرب الطائرات بدون طيار.. تغذيها الإمارات وتركيا

يلفت المراسل إلى صعوبة تحديد المسؤولية عن الغارات الجوية الفردية في ليبيا؛ نظرًا لأن العديد من البلدان لا تعترف علنًا بأدوارها في النزاع، لكن باحثين يقولون إنهم يحاولون القيام بذلك عن طريق استخدام معلومات عن الهدف ونوع السلاح أو الطائرة المشاركة في الغارة.

وبينما يكون لدى المقاتلين الليبيين إمكانية استخدام الطائرات من الأسطول القديم لقوات القذافي، فليس واضحًا مقدار ما تبقى من هذه الطائرات بعد سنوات من القتال. ويُعتقد أن الإمارات على سبيل المثال، قدمت طائرات دون طيار صينية الصنع، في حين يُعتقد أن تركيا قدمت طائرات دون طيار تركية الصنع.

يورد التقرير أيضًا تصريحات مسؤول من الحكومة التركية، لم يُذكر اسمه، صرح بإرسال عسكريين أتراك إلى ليبيا لتقديم التدريب والمشورة لقوات حكومة الوفاق بيدَ أنه نفى أن تكون تركيا شنت غارات جوية مباشرة. ويرصد التقرير أيضًا زيادة في الغارات الجوية التي نفذتها الإمارات، خلال العام الماضي، بيد أن السلطات الإماراتية رفضت التعليق على الأمر.

استمرار سقوط ضحايا مدنيين.. أي دور لأمريكا؟

كما حذر تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخرًا، من استمرار الإضرار بالمدنيين نتيجة للأنشطة المسلحة، ووثق ما لا يقل عن 64 حالة وفاة لغير المقاتلين (المدنيين) في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام. وحملت الأمم المتحدة للجيش الوطني الليبي مسؤولية 81% من هذه الخسائر البشرية.

وبينما دعمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما التدخل العسكري بقيادة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عام 2011، لم تأتِ ليبيا على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات التي تلت ذلك.

عربي

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن معركة طرابلس.. كيف يخسر حفتر جنوب ليبيا؟

وخلصت مؤسستا «نيو أميركا» و«إيروورز» إلى أن الدور الأمريكي في الخسائر المزعومة بصفوف المدنيين منذ عام 2012، كانت صغيرة نسبيًا رغم العملية العسكرية الشاملة التي نُفِذت في عام 2016 ضد مقاتلي تنظيم الدولة في مدينة سرت الساحلية.

وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير، شنت الولايات المتحدة 550 غارة بين عام 2012 وفبراير (شباط) 2020، استهدفت في الغالب تنظيم الدولة، وأفادت «نيو أميركا» و«إيروورز» بأنها أسفرت عن مقتل 11 مدنيًا على الأقل.

و قال المتحدث باسم القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، العقيد كريستوفر كارنس: «إن العمليات العسكرية الأمريكية أدت إلى انخفاض كبير في وجود تنظيم الدولة داخل ليبيا».

وأضاف أن أفريكوم أجرت تحقيقات في ستة ادعاءات بشأن وقوع خسائر بين المدنيين، وخلصت إلى أنها لا تستند إلى أدلة. ولم تعترف القيادة بسقوط أي ضحايا مدنيين داخل ليبيا، حسبما تشير تغطية واشنطن بوست. 

وأضاف المتحدث باسم أفريكوم أننا نحرص دائمًا على شن الغارات بدقة شديدة، كما لو كنا نجري عملية جراحية، وفي حال حدوث خطأ سنتعرف بذلك ونتحمل مسؤوليته. وأضاف أن وجود الطائرات والعسكريين من روسيا أسهم في المخاطر التي تواجه المدنيين.

وأشار إلى أنه ينبغي أن ما ينبغي أن يكون مثار قلق للجميع هي الجهات الفاعلة غير الحكومية الأقل تدريبًا غير الملزمة بالقوانين التقليدية للنزاع المسلح.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد