يشدد الأطباء المختصون – في نصحهم – على الابتعاد عن تنظيف الأذن بأيّة أداة، لكن الكاتبة فانيسا هوا تجادل في تقريرها المنشور على صحيفة نيويورك تايمز بأن لهذه العادة حسناتها، وتشيد بها خاصةً؛ لكونها تذكرها بإرثها الثقافي الصيني.

أداة مخصصة

تستذكر الكاتبة فترة طفولتها شرقي ضواحي سان فرانسيسكو، حين اعتاد معلموها القول: «لا تضع شيئًا في أذنيك باستثناء مرفقك». كان يقال للأطفال: مهما بلغت شدة الحكة في الأذنين، فعلى الطفل ألا يُدخل فيها أي شيء، سواء غطاء قلم، أو مسحة أذن قطنية، أو غير ذلك من أمور خشية ثقب طبلة الأذن.

وتقول الكاتبة إن هذا الكلام صحيح، لكن ما تنصح به معلوماتها لا يتسق مع ممارسات جدتها الصينية التي هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وسكنت مع عائلتها لتساعد في شؤون العناية بها وبإخوتها لانهماك الوالدين بالعمل. كانت الجدة وايبو – كما يدعوها أحفادها – تضع رؤوسهم برفق في حضنها الدافئ لتنظف آذانهم.

تعرّفت الكاتبة على «ملعقة الأذن» بسبب جدتها، وهذه الملعقة عبارة عن مكشطة ذات مقبض طويل، لها أسماء متعددة أخرى، أبرزها ملقط الأذن، ومجرفة الأذن، وغيرهما، وتعد أداة شائعة ومألوفة لدى الأسر الآسيوية.

أحد أشكال معلقة الأذن – wikimedia.org

تُصنع ملعقة الأذن التقليدية من الفضة، والنحاس، والبلاستيك، والخيزران، ومن العديد من المواد المتينة والمصقولة الأخرى. وتذكر الكاتبة مثالًا قطعة زينة للشعر تعود لسلاشة تشينج محفوظة في متحف الفن الآسيوي في سان فرانسيسكو الآن، ويمكن لهذه الأداة أن تُستخدم بمثابة ملعقة أذن من أحد أطرافها.

عادةٌ متوارثة

تستذكر الكاتبة اللحظات الحميمية مع جدتها، فهي وإن كنت لا تذكر شكلها تمامًا، إلا أنها تحنّ إلى ذلك الوقت حين كانت تجلس في غرفتها، وضوء المصباح – بظلاله الشفافة – وعلبة من زيت أولاي إلى جانبهما، كانت تشعر الكاتبة بأنها محبوبة بالقرب من جدتها.

كان للجدة عاداتها الأخرى التي تعتقد الكاتبة أن جيرانها البيض سيجدونها غريبة – أو غير مألوفة على الأقل – فيما لو عرفوا بها، ومن ذلك عادة نشر اللحم على روافد السقف الخشبية لتعالجه، وكذلك تقليب حبات الجوز براحة اليد، وتدويرها باستمرار؛ للاعتقاد الصيني بأن ذلك يحافظ على قوة الأصابع ورشاقتها.

Embed from Getty Images

كانت الجدة أيضًا مولعة بالبرنامج التلفزيوني «The Price is Right» وتقوم فكرته على تقييم الأسعار للبضائع المختلفة، وتعطى الجوائز المالية والعينية بناءً على التقييم الأدق. كانت الجدة وايبو مع أحفادها يتشاركون الصياح بجملة «سيارة جديدة» بطريقة مشابهة لمقدم البرنامج بوب باركر، وكانت هذه العبارة من العبارات القليلة التي تتقنها الجدة باللغة الإنجليزية. بقيت الجدة حتى بلغت الكاتبة التاسعة أو العاشرة من عمرها قبل أن تنتقل حينها للعيش مع عمتها جنوبي كاليفورنيا.

تعود الكاتبة لمرحلة صباها، وتستذكر كيف كانت تنظّف أذنها باستخدام دبوس الشعر، وكيف استمرت في تكرار هذه العادة، بالرغم من معرفتها بخطئها، حتى أن تلك العادة أعطتها شعورًا مرضيًا بطريقة ما، شيء مشابه لما يشعر به المرء بعد تخلصه من عطسة هائلة.

تمسكت الكاتبة بالعادة لدرجة أنها كانت تفعلها كلما وجدت دبوس شعر جانبها، وكانت تفضل تنظيف أذنها وهي وحيدة لتفضيلها ألا يتشتت انتباهها بأي شيء آخر، وشعورها الدائم بأنها تفعل أمرًا خاصًا للغاية. لم تكن تلك العادة روتينية، بقدر ما هي شيء أصبحت الكاتبة تعتبره بمرور الوقت شيئًا أعمق، وكأنما فيه نوع من التأمل، أو الحضور الذهني الكامل. بقيامها بهذه العادة كانت ترى نفسها تصل إلى حالة الانتباه والحضور الكاملين في عالمٍ يعجّ بالمطالب والمشتتات.

تقول الكاتبة إنها منذ بضع سنوات شعرت بالحاجة إلى أداة مناسبة وثابتة لتنظيف أذنها، ووجدت واحدة معروضة على الإنترنت بحجمٍ مناسب لراحة يدها، بسيطة ومعدنية بطريقةٍ تلائم وظيفتها المحددة، وتضيف الكاتبة أنها كانت تضعها فوق علبة مجوهراتها الخاصة، وتستعملها كل أسبوع حين يخطر لها، أو حين تحكّها أذنها، وكذلك كانت تستعملها لتنظيف آذان ابنيها التوأمين أحيانًا.

تعتبر الكاتبة أن حركة تنظيف الأذن بها نوع من الثقة الحميمة الخاصة؛ لأن قناة الأذن بالكاد تصل إلى قرابة ثلاثة سنتيمترات لدى البالغين، ويختلف طولها عند الأطفال حسب العمر وحجم الرأس، ولذا فإن حركات التنظيف يجب أن تكون بطيئة ودقيقة جدًا مع هذا الجلد الرقيق والمليء بالنهايات العصبية والأوعية الدموية.

جمهور عريض لفيديوهات تنظيف الأذن!

تسهب الكاتبة في الحديث عن نوع صمغ الأذن الذي تستخرجه من ابنيها، إذ ورث أحدهما نوع صمغ الأذن الجاف الذي يفرزه عادة الأشخاص من شرق آسيا، وكيف يختلف هذا النوع عما تفرزه آذان الأشخاص ذوي الأصول الأوروبية والأفريقية، وهو النوع الذي يوجد لدى الابن الثاني.

Embed from Getty Images

لم تحاول الكاتبة أبدًا أن تستخدم الملعقة الصينية مع هذا الابن لأنها غير فعالة مع صمغ الأذن الرطب الذي ورثه من أبوه الأبيض. وتشرح الكاتبة كيف تنتشر مقاطع فيديو مفصلة على تطبيق تيك توك، ولا سيما مجموعة الهواة الذي ينشرون تحت وسم #BeBird، وهم مجموعة من الأشخاص المهتمين بهذه الأمور، ويسجلون فيديوهات بكاميرا الهاتف، وأضواء ليد، وأجهزة الجيروسكوب؛ ليبرزوا أنواع صمغ الأذن المختلفة، وبعض فيديوهاتهم المنشورة بعنواين مماثلة لـ«تحذير: ربما يثير هذا الفيديو اشمئزازك» أو «مُرضي على نحوٍ غريب» حازت على أكثر من 46 مليون مشاهدة.

تذكر الكاتبة أيضًا تجربة مشاهدتها لفيلم «ميناري» الحائز على جائزة الأوسكار، والذي يتحدث عن عائلة مهاجرة من كوريا وتقطن في ريف ولاية أركنساس، وتقول الكاتبة إنها شهقت دهشة حين رأت حركات جدتها الودودة مستنسخة بصورة متطابقة ضمن أحد مشاهد هذا الفيلم.

يشدد أطباء الأنف والأذن والحنجرة في التوصية بعدم كشط داخل الآذان، لكن تعتقد الكاتبة أن معرفة الطريقة الأفضل لذلك والقيام بها هو جزء من الطابع البشري. وتختتم الكاتبة بالقول إنها ما تزال تنظف أذنها لعقود منذ تجربتها تلك مع جدتها، وأنها ما تزال حتى الآن تشعر كأنها تفعل شيئًا مخالفًا للقانون أو سريًا – شيء مشابه لحالة تدخين السجائر مثلًا – وفي نفس الوقت يشعرك بالطهارة والإنتاجية، وتشبه الكاتبة ذلك بتجربتها في الحمامات الكورية حيث يفرك العاملون الجسد بقوة كافية لنزع لفائف كاملة من الجلد الميت، وكيف نظرت الكاتبة إلى مخلفاتها الجلدية تلك بمزيج من الاشمئزاز والفخر في نفس الوقت؛ فهي من أنجز ذلك!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد