مثلت أزمة اللاجئين الواصلين إلى أوروبا خلال العام الماضي والحالي، والتي تفاقمت بفعل الحرب السورية التي أدت إلى فرار حوالي أربعة ملايين لاجئ، معضلة كبيرة للقارة الأوروبية التي كان لها نصيب كبير في استقبال أعداد كبيرة من هؤلاء اللاجئين.

وعجت الصحف العالمية ومواقع المراكز السياسية بتحليلات بشأن مدى تأثير هذه الأزمة على أوروبا ومنها مركز «بروكنجز» للدراسات السياسية والذي نشر تقريرًا لمحلل الشؤون الخارجية، كارول باستاسين، والذي جاء تحت عنوان: «إغلاق الحدود سيؤدي إلى انهيار أوروبا».

التقرير عزا ما وصفها برسالة الناخبين الغاضبة في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها الدول الأوروبية إلى موجات الهجرة التي تدفقت على القارة العجوز، وعدم المساواة، وانخفاض الطبقة الوسطى، وأزمة اليورو.

 

 

اتجاهات الناخبين

وقال التقرير إن دعم الأحزاب المتطرفة في أوروبا قد نما في الأونة الأخيرة، مشيرًا إلى أن الأحزاب الأوروبية التقليدية التي تفضل التكامل الأوروبي – كالحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الاشتراكي – باتت مهددة في جميع أنحاء القارة.

فالأحزاب الراديكالية الجديدة، وخاصة اليمينية منها، باتت لها الحظوة في أرجاء القارة، وأصبحت تمثل قوة كبيرة وقوة تهديد مع مرور الوقت.

وأشار التقرير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا (الحزب الديمقراطي المسيحي) يفقد مليون ناخب لأسباب ديموغرافية بحتة كل أربع سنوات. والأمر نفسه ينطبق على الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا أيضًا (SPD). وبينما ترتفع معدلات البطالة بين الشباب في عدة دول أوروبية، يصوت الناخبون الشباب في ألمانيا، إيطاليا، النمسا، إسبانيا، وغيرها في كثير من الأحيان بشكل مختلف وغير متوقع.

وقال التقرير: «لقد حان الوقت للنظر في هذه التطورات على ما هي عليه، تغيير دائم في المشهد السياسي الأوروبي. يوم الأحد الماضي، أظهرت الانتخابات الرئاسية النمساوية مرة أخرى أن الأحزاب التقليدية، مدفوعة جانبًا من قبل الحزب النمساوي الحر، قد جذبت حصة ضئيلة من الناخبين».

المجتمعات الأوروبية على منحدر زلق

ولكن هل تمثل هذه الاتجاهات المغايرة في أوروبا ظاهرة آنية أم تغييرًا حتميًّا؟

التقرير ذكر أن هناك أسبابًا للاعتقاد بأن التغيير الحالي ليس احتجاجًا عرضيًا، ولكنه خطوة نحو شكل جديد من الشعبوية الاستبدادية.

هذا الاتجاه – بحسب التقرير – آخذ في السيطرة على أوروبا بنفس الطريقة كما حدث في النصف الأول من القرن الماضي.

واعتبر التقرير أن هذا التغير قد يبدو مثيرًا للقلق إذا لم يكن لحقيقة أن المجتمعات الأوروبية على منحدر زلق يوفر الزخم للسياسة السلطوية – وهو المنحدر الذي تم تشكيله بفعل الآثار المجتمعة للأزمات الاقتصادية والهجرة، مما يجعل احتمال إغلاق الحدود الوطنية مقنعًا للناخبين.

وقد شهدت أوروبا بالفعل وضع أسلاك شائكة في أوروبا الشرقية لمنع اللاجئين من الدخول. والآن، تنصب النمسا الجدران على الحدود السلوفينية والحدود الإيطالية.

وتابع التقرير بقوله إن القارة تعود إلى عهد الحواجز المبنية. وقد تأتي سياسات الاكتفاء الاقتصادي من جديد مرة أخرى. وهي بالفعل في طور التكوين.

 

 

وأوضح أن إعادة تأميم السياسة كانت هي السمة المميزة للأزمة الأوروبية منذ عام 2008. وأعاد التقرير ما ذكره باستاسين من قبل في كتابه «إنقاذ أوروبا» (مطبعة معهد بروكنجز، 2015)، من أن فكرة «الحد من المخاطر دون تقاسم المخاطر» تخفي عدم وجود استعداد للرد معًا على تهديد مشترك. هذه هي بقايا من الدول القومية الأوروبية في القرون الماضية، التي كانت قد تأسست على مبدأ الاكتفاء الذاتي، بدلًا من الاعتماد المتبادل.

وحذر التقرير من أن يصبح الاكتفاء الذاتي مغريًا مرة أخرى للسياسيين الذين يتوقون لموجة الأعلام الوطنية وتوحيد أنصارهم ضد التهديد الخارجي، سواء كان حقيقيًّا أو متوهمًا.

وبينما تتباطأ المفاوضات بشان اتفاقيات التجارة عبر الأطلسي، تزداد الحركات المناهضة للتجارة وتزداد قوة.كانت العزلة الاقتصادية سيئة في القرن الماضي، ولكن، بالنسبة للمجتمعات والنظم الاقتصادية التي تطورت في العقود الستة الماضية إلى اقتصادات السوق المفتوحة، فإن خطر الاكتفاء الذاتي خطر وجودي.

فالفقر والبطالة الجماعية يمكن أن تنجم عن اختلال قطاعات كاملة من التصدير واستيراد الصناعات، المتعاقدين الخارجيين، ربط المنتجين بسلاسل التوريد العالمية، وهلم جرا.

مستقبل أوروبا

وأخيرًا، رأى التقرير أن هناك حاجة ماسة لنوعين من ردود الفعل التي يتوجب على القارة أن تتبناها. الأول هو معالجة مخاطر سياسة الحماية وإغراءات الحلول العسكرية، والثاني هو أكثر استراتيجية.

فيما يتعلق برد الفعل الثاني، تمثل المفاوضات عبر الأطلسي التجارة والشراكة الاستثمارية الحالية، فرصة مناسبة بالنسبة للأوروبيين للالتزام بالانفتاح التجاري والشفافية ومناقشة ما لا يحبه المواطنون الأوروبيون. فإخفاء المساومات الجارية يمكن أن يقتل الثقة المتبقية لدى المواطنين الأوروبيين في السياسة العابرة للحدود الوطنية. وبالمثل، فإن الاتفاقات المبدئية على الدوريات المشتركة للحدود الخارجية الأوروبية يمكن أن تكون منارة لعملية دمج الهياكل العسكرية الوطنية.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد