نشرت صفحة الموضة في موقع «سي إن إن تقريرًا أعدته الكاتبة ماريانا سيريني حول إسهامات الفرنسية جابرييل بونور شانيل، المعروفة باسم كوكو شانيل، في عالم الأزياء، حتى باتت واحدة من أكثر المصممين تأثيرًا في القرن العشرين.

كانت بدايتها في صناعة القبعات، التي اكتسبت مهارتها من خلال التدريب، قبل أن تتجاوز هذه المرحلة لتمسك بزمام الريادة وتُحدِث ثورة في عالم الموضة؛ بأسلوبها الجديد المبتكر في تصميم ملابس حرَّرت النساء من ضيق الكورسيهات وزخارف الدانتيل، وقدمت لهن بدلًا عن ذلك قمصانًا فضفاضة من الأعلى وسراويل واسعة عند الساق.

لم تكن هذه التصميمات المبتكرة تقف عند حدود الشكل الخارجي، بل كانت تستند إلى فلسفة قالت عنها كوكو شانيل نفسها: «ليس هناك ما هو أجمل من حرية الجسد». هذه الكلمات أصبحت ينبوعًا تنهل منه تصميماتها؛ التي اتسمت بالانسيابية السلسة، واكتست بمسحة ذكوريةٍ عمليّة، وتميزت بنماذجها الفضفاضة المناسبة لذوق غالبية الجماهير، على غرار تصميمها الشهير للثوب الأسود القصير.

كانت مصممة الأزياء الفرنسية تهدف إلى تمكين النساء من الحركة بحرية والتنفس بأريحية وهن يرتدين الملابس التي تصممها، تمامًا كما يفعل الرجال وهم يرتدون ملابسهم. انطلاقًا من هذه الفلسفة، يخلُص التقرير الذي نشره موقع «سي إن إن» إلى أن عملها كان في نواحٍ كثيرة شكلًا من أشكال التحرُّر الأنثوي.

مجتمع

منذ 7 شهور
القصة الغامضة لمقتل إمبراطور الأزياء.. حين أصبح فيرساتشي ضحية مختل نرجسي

يصادف هذا الأسبوع، وتحديدًا يوم العاشر من يناير (كانون الثاني)، مرور 50 عامًا على وفاة شانيل، عن عمرٍ يناهز 87 عامًا. رحلت فقط بجسدها، أما إرثها فباقٍ في عالم الموضة؛ فهي لم تكتفِ بإحداث ثورة في طريقة ارتداء الملابس النسائية، بل غرست كذلك بذور فكرة مثالية جديدة لما يمكن أن تكون عليه علامة الأزياء، تتمحور حول إيجاد قوة شاملة يمكن أن تغطي جميع جوانب حياة المرأة، من الملابس الرسمية، مرورًا بملابس العطلات، وصولًا إلى ملابس السهرة.

يشير التقرير إلى أن كلمات شانيل أضحت اقتباسات ملهمة تتناقلها الألسنة اليوم، على غرار قولها: «المرأة التي لا ترتدي عطرًا؛ ليس لها مستقبل»، أو قولها: «إذا كنتِ حزينة؛ ضعي المزيد من أحمر الشفاه وأطلقي لنفسك العنان».

يستعرض التقرير في السطور التالية ثمانية ابتكارات مهمة لهذه المصممة الفرنسية التي قالت ذات مرة: «أنا لا أعمل في مجال الموضة.. أنا الموضة»:

1- السراويل النسائية.. من غرفة النوم إلى الشارع

لم تخترع شانيل السراويل النسائية، بل كانت موجودة بالفعل في خزائن الملابس النسائية منذ الحرب العالمية الأولى عندما بدأت المرأة تشغل الوظائف التي اعتاد الرجل أن يمارسها، لكنها أسهمت بلا شك في الترويج لها باعتبارها ملبسًا عصريًّا.

Embed from Getty Images

كانت هي نفسها تحب ارتداء السراويل (غالبًا ما كانت تقترضها من عشاقها الذكور)، وفي أوائل عام 1918، بدأت ترتدي «بيجاما الشاطئ» الرياضية الانسيابية أثناء قضاء إجازتها على شاطئ الريفيرا الفرنسي. استلهمت هذه التصميمات من سراويل البحارة الواسعة المستقيمة؛ ما منحها رونقًا فضفاضًا ومريحًا، وأضافت إليها قمصانًا واسعة أو بلا أكمام.

كان ينظر إلى هذا الطراز من الملابس في ذلك الوقت باعتباره يفتقر إلى الاحتشام؛ نظرًا للصورة الذهنية التي تربط بين البيجاما وغرفة النوم، ولكن بحلول منتصف العشرينات من القرن الماضي، أصبحت عنصرًا أساسيًا في خزانة ملابس السيدات الثريات وأحد المكونات الثابتة في تصميمات شانيل.

2- القمصان المستوحاة من أزياء البحارة.. تحرُّر من القيود الرسمية

كان البحارة والصيادون الفرنسيون يرتدون ما يعرف بقمصان بريتون – وهي سترات مخططة مصنوعة من صوف مغزول بإحكام لحمايتهم من العوامل الجوية – منذ القرن التاسع عشر. ثم جاءت شانيل لتحوِّل هذا الزي إلى موضة.

ظهرت الملابس المخططة داخل معرضها في منتجع دوفيل بمنطقة نورماندي، في عام 1910، بعد أن أعادت تصميمها من قماش الجيرسيه، وأضافت إليها جيوبًا خارجية، وزينتها بأحزمة سميكة.

كان هذا التصميم المستلهم من أزياء البحارة متحررًا من القيود الرسمية؛ وسرعان ما أحرز شعبية كبيرة في أوساط النساء الأنيقات، سواء على الشاطئ أو خارجه. ثم لم يمضِ وقت طويل حتى شقت تلك النوعية من الملابس المخططة طريقها إلى صفحات «مجلة فوغ» العالمية، بنسختيها البريطانية والأمريكية. واستمر هذا الاتجاه حتى اليوم، لدرجة أن خزانة ملابسك قد تحتوي على بعضٍ منها.

3- المجوهرات المقلدة.. مَن قال إن الرخيص ليس جميلًا

يشيع في عالم الموضة اليوم استخدام مزيجٍ من المكونات الباهظة والرخيصة في تصميم واحد، لكن هذا الدمج كان ينظر إليه باعتباره تغييرًا جذريًا عندما أضافت شانيل المجوهرات المقلدة إلى تصميماتها، فحولت قطعًا تعتبر رخيصة ومبتذلة إلى رمز للتصميمات الحديثة (وإن كان الفضل في ريادة هذا الاتجاه ينبغي أن يُنسب لمنافسها الأول مصمم الأزياء الفرنسي بول بوارت).

هنا أيضًا كان لدى شانيل فلسفة تقف وراء هذا المزيج الجريء، قالت عنها ذات مرة: «يتعين على المرأة أن تمزج بين الحقيقي والزائف. فالهدف من المجوهرات ليس أن تجعل المرأة تبدو غنية، ولكن أن تكسوها بالزينة، وهناك فارق بين الأمرين».

Embed from Getty Images

في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، تعاونت شانيل مع صانع المجوهرات الإيطالي الدوق فولكو دي فيردورا لصناعة الإسورة الشهيرة المنقوش عليها رمز الصليب المالطيّ، والمزينة بأحجار شبه كريمة متعددة الألوان.

لم ينصرم ذلك العقد حتى كانت شانيل قد كشفت اللثام عن قلادات مميزة مصنوعة من سلاسل متدلية أنيقة ومتشابكة، ومُطَعَّمة بلؤلؤ صناعي وأحجار لامعة. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت في تصميم المزيد من السلاسل متعددة الطبقات المُطَعَّمة باللؤلؤ المقلَّد – التي كانت شانيل نفسها تفخر بارتدائها – وهكذا وُلِد اتجاه جديد في عالم الأزياء.

4- كوكو شانيل والفستان الأسود القصير.. على غرار سيارات تي فورد

في عام 1926 نشرت مجلة فوغ تصميمًا لفستان أسود بسيط يصل إلى منتصف الساق، مصنوع من حرير كريب دو تشين، بأكمام طويلة وضيقة، وخصر منخفض، مُطَعَّم بسلسلة من اللؤلؤ.

قالت عنه المجلة: إن شانيل بهذا التصميم قد أحرزت في عالم الأزياء مثل ما أحرزته «فورد» في عالم السيارات، في إشارة إلى السيارة طراز «تي» (التي كانت تباع بأسعار معقولة يمكن للطبقة المتوسطة شراؤها). بعبارة أخرى: كان هذا الثوب بسيطًا للغاية، وفي متناول الجميع. أو كما وصفته المجلة: «تصميم يلبي أذواق جميع النساء».

أصبح ذلك التصميم الذي أطلق عليه اسم «الفستان الأسود القصير» هو الزي المفضل لجيل كامل من النساء، ليس فقط خلال فترة الكساد الكبير، ولكن أيضًا لعقود لاحقة، حتى بات قطعة أساسية من تشكيلة الملابس النسائية في كل مكان.

وعلى الرغم من ظهور عدد لا يُحصى من التصميمات المقلدة والمكررة، تقول كاتبة التقرير: إن تصميم شانيل الأصلي الذي جمع بين الأناقة والبساطة يظل لا مثيل له حتى الآن.

5- بدلة شانيل.. تصميم مثاليّ لنساء ما بعد الحرب

في المحطة الخامسة، يتوقف التقرير عند بدلة شانيل التي تعتبرها الكاتبة «غيرت قواعد اللعبة»؛ ليس فقط في عالم الأزياء، ولكن أيضًا في مسيرة الملابس التي تمنح المرأة حرية في الحركة.

قدمت شانيل مجموعتها الأولى المكونة من قطعتين في العشرينات من القرن الماضي، والمستوحاة من الأزياء الرجالية والملابس الرياضية، بالإضافة إلى بدلات عشيقها دوق وستمنستر. انطلاقًا من حرص شانيل على تحرير النساء من الكورسيهات الخانقة والتنانير الطويلة التي كانت سائدة في العقود السابقة، صممت تنورة ممشوقة وسترة بدون ياقة مصنوعة من صوف التويد، وهو نسيج كان يفتقر إلى الجاذبية في ذلك الحين.

Embed from Getty Images

كان تصميم البدلة حديثًا، يكتسي بمسحة ذكورية، ومثاليًا للمرأة في عالم ما بعد الحرب حين بدأت تشق طريقها في عالم الأعمال. وعلى الرغم من مرور السنين، لم تخفت شعبية هذا التصميم، الذي ظهر عبر مجموعات من دار أزياء شانيل، بعضها للمصمم الألماني كارل لاغرفيلد.

كما ارتدت بعض النساء الأكثر نفوذًا على مر السنوات بدلة شانيل، على غرار الممثلة البريطانية أودري هيبورن، والممثلة الأمريكية غريس كيلي (زوجة أمير موناكو)، والممثلة الفرنسية بريجيت باردو، وحتى الأميرة ديانا.

6- شانيل رقم 5.. عطر نسائي برائحة المرأة

أطلقت شانيل عطرًا يحمل اسمها مقترنًا بـ«رقم 5» في عام 1921. قبلها بعام، كما تقول الأسطورة، تحدّت شانيل صانع العطور الفرنسي – الروسي إرنست بو لكي يبتكر رائحة تجعل من ترتديه يفوح منها «رائحة المرأة، وليس رائحة الورود». وكانت النتيجة: مزيجًا من 80 مكونًا طبيعيًا وصناعيًا، قدَّمها «بو» إليها مع سلسلة مرقمة من عينات العطور للاختيار من بينها.

وقع اختيار شانيل على العطر الخامس، الذي نسف بمزيجه الفريد مفهوم العطر باعتباره رمزًا للطبقة الاجتماعية الأكثر ثراء، وقدم بدلًا عن ذلك مفهومًا جديدًا للمرأة التي يمكن أن تجمع بين سمات متعددة؛ طبيعية ومصطنعة، واستفزازية ونقية.

قالت شانيل لاحقًا عن هذا العطر: «هذا ما كنتُ أرنو إليه. عطر لا مثيل له. عطر نسائي، برائحة المرأة». مثَّل العطر أيضًا واحدًا من أكبر وأنجح العلامات التجارية في تاريخ الموضة. ومن خلال إضافة اسمها بوضوح على كل زجاجة عطر وإعلان تجاري، ربطته شانيل إلى الأبد بهوية دار الأزياء التي تمتلكها.

7- فساتين الجيرسيه.. صدمة لعشاق الساتان والحرير

كانت شانيل تعشق أقمشة الجيرسيه. لكن لأن هذا النسيج (المصنوع من الصوف أو القطن) كان له حضوره البارز في تصميمات الأزياء المتأثرة بالملابس الرياضية، صُدِم زبائن شانيل حين استخدمته بديلا عما اعتادوه من أقمشة الساتان والحرير.

Embed from Getty Images

كان اختيارًا يغرد خارج السرب في ذلك الوقت؛ ولا غروَ فأقمشة الجيرسيه كانت، حتى ذلك الحين، تستخدم في الغالب لتصنيع الملابس الداخلية الرجالية. لكنه كان زيًا عمليًا ومريحًا، ويتمتع بكل ما يريد المصمم أن يقدمه لعملائه. الأهم من ذلك بالنسبة إلى شانيل، رائدة الأعمال المبتكِرة، أنه كان أيضًا رخيصًا نسبيًا، ما أسهم في خفض التكاليف خلال الفترة التي رسخت فيها سمعتها وأسست علامتها التجارية.

كانت شانيل أول مصمم أزياء يروج لاستخدام أقمشة الجيرسيه في تصميم الأزياء النسائية، فاستخدمته في تصنيع الفساتين والتنانير والسترات وغيرها، وهو التقليد الذي حافظت عليه إبداعات المصمم الألماني كارل لاغرفيلد في العقود التي أعقبت وفاتها.

8- حقيبة 2.55.. التصميم الذي غيَّر شكل الحقائب النسائية

2.55؛ واحدة من حقائب شانيل الأكثر شهرة على الإطلاق، تستمد اسمها من الشهر والعام الذي أُطلِقت فيه: فبراير (شباط) 1955. حين كشف عنها الستار أول مرة قلبت جميع القواعد المعروفة في ذلك الحين؛ ذلك أنها كانت أول حقيبة نسائية فاخرة مزودة بحزام لتعليقها على الكتف، بينما كانت كل الحقائب السابقة – حتى حقائب شانيل نفسها – تُمسَك باليد.

هذا التعديل المبتكر فتح أمام المرأة آفاقًا جديدة للتحليق بحرية، وغيّر طريقة تصميم الحقائب النسائية. وبينما اعتبر النقاد أن تصميم 2.55 يغرد خارج سرب المألوف، راقت هذه الإضافة العملية للنساء.

عام

منذ 5 سنوات
كوكو شانيل ومؤسس «بوما» و«أديداس».. عملاء النازية المؤسسون لأشهر خطوط الموضة

يتابع التقرير: كان ذلك التصميم عمليًا بالتأكيد؛ ذلك أن طول حزام السلسلة يمكن يتضاعف، وتتأرجح الحقيبة منسدلة من فوق الكتف، كما صُمِّم الجيب الخارجي القابل للطي لتخزين النقود، فيما صُمِّمَت المحفظة الموجودة في المنتصف لتصبح مكانًا مثاليًا لأحمر الشفاه.

قدّم طراز 2.55 أيضًا توقيعين مميزين من شانيل: اللون الخمريّ الغامق المستخدم في البطانة، وطريقة التطريز الماسية المستوحاة من السترات التي يرتديها الرجال في السباقات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد