الحرب الباردة التي نشبت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم خلال الفترة ما بين منتصف الأربعينات وحتى أوائل التسعينات، هل يمكن أن تنشب مرة أخرى بشكل مختلف في أمريكا اللاتينية؟ للإجابة عن هذا السؤال، نشر موقع ستراتفور مقالًا مُطوَّلًا لسكوت ستيوارت، المشرف على تحليل قضايا الإرهاب والأمن، سلَّط فيه الضوء على الحراك الروسي لإضعاف مكانة الولايات المتحدة تحديدًا في دول أمريكا اللاتينية

وخلُص تحليل ستيوارت إلى الاستنتاجات التالية:

  • تتعاون روسيا مع الحلفاء السوفيتيين السابقين في أمريكا اللاتينية لتقويض نفوذ الولايات المتحدة وصرف انتباه واشنطن عن أنشطة موسكو في أماكن أخرى.
  • للقيام بذلك تستخدم موسكو الدعاية عبر الإنترنت لإذكاء الخطاب المناهض للحكومة، وهو ما يغذي الآن الاحتجاجات في الإكوادور، وتشيلي، وبوليفيا، وكولومبيا.
  • من المُرجَّح أن تنشر روسيا تكتيكات مشابهة لإضعاف الحكومات الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية؛ مما يُعرِّض المؤسسات التجارية والمنظمات الغربية التي تنشط في المنطقة لخطر متزايد.

يقول ستيوارت في مُستهل مقاله: «أمريكا الجنوبية تحترق مرة أخرى؛ حيث اجتاحت احتجاجات مناهضة للحكومة شوارع الإكوادور، وتشيلي، وبوليفيا، وكولومبيا في الأشهر الأخيرة. صحيحٌ أن مثل هذه الفوضى ليست بالأمر الجديد على المنطقة؛ ففي الفترة من الستينات إلى التسعينات شنَّت جماعات إرهابية ومتمرِّدة سلسلة وحشية من الحروب بالوكالة خلال فترة الحرب الباردة.

لكن في هذه المرة التي يصفها ستيوارت بـ«الحرب الباردة الثانية» في أمريكا اللاتينية، ليست الجماعات المسلَّحة التي تعمل بالوكالة هي التي تعمل على الأرض، بل التوتّرات الاجتماعية القائمة بالفعل التي تتسلح بها موسكو بمهارة لتخريب هياكل السلطة الغربية في المنطقة».

Embed from Getty Images

«في الواقع نظرًا لأن التهديدات المحدقة بمحيط روسيا أصبحت أكثر خطورة من ذي قبل يُمكن القول إن الحرب الباردة لم تنتهِ على الإطلاق بالنسبة لموسكو. ولكن بصرف النظر عما إن كانت تصرفات روسيا الحالية في أمريكا اللاتينية تُشكِّل حربًا باردة ثانية أم لا، أو ما إن كانت بدلًا عن ذلك مجرَّد تنشيط للصراع الأصلي، من الواضح أن العديد من الجهات الفاعلة نفسها تشارك بفعالية في الاضطرابات الجارية في فناء واشنطن الخلفي، وإلى حدٍ كبيرٍ، للأسباب ذاتها».

الصورة الكاملة.. التراث السوفيتي في أمريكا اللاتينية

وتابع ستيورات قائلًا: «وفي سعيه لإنشاء يوتوبيا شيوعية عالمية، شجَّع الاتحاد السوفيتي تصدير ثورته إلى الخارج من أجل «تحرير» العاملين حول العالم. ولكن مع توحُّد الولايات المتحدة وحلفائها لاحتواء التوسع الشيوعي، بدأ الاتحاد السوفيتي يشعر بالتهديد من هياكل التحالف التي أحاطت به، فضلًا عن وجود القوات والأسلحة الأمريكية على أطرافه». 

ردًا على ذلك احتضن السوفيت الثورة الكوبية وحاولوا وضع صواريخ نووية في كوبا؛ تلك المناورة التي أسفرت في نهاية المطاف عن «أزمة الصواريخ الكوبية». لكن حتى بعد إزالة السوفيت صواريخهم من كوبا استمروا في استخدام الجزيرة كرأس جسر في نصف الكرة الغربي، يوسعّون من خلاله دائرة نفوذهم من كندا إلى تشيلي؛ بدعم الأحزاب الشيوعية في الأمريكيتين، وتدريب حشد من  المجموعات الإرهابية والمتمرِّدة الماركسية في جميع أنحاء المنطقة وتمويلها وتسليحها.

وأكد الكاتب أن «جهود موسكو في أمريكا الجنوبية والوسطى على وجه الخصوص كانت تنفذ إلى حد كبير من خلال حلفائها الكوبيين المتمرسين في القتال، كما يتضح ذلك من هجوم الزعيم الثوري إرنستو «تشي» جيفارا المشؤومة على بوليفيا في أواخر الستينات. وكان السوفيت ينظرون إلى هذه الأنشطة على أنها وسيلة ليس فقط لتوسيع نطاق الشيوعية العالمية، بل أيضًا لمواجهة الجهود الأمريكية المناهِضة للشيوعية في أماكن أخرى.

ومن خلال خلق المشكلات في فناء واشنطن الخلفي، ساعدت التصرفات السوفيتية أيضًا في صرف انتباه الولايات المتحدة ومواردها عن تلك الجهود الأخرى. وزجَّ النفوذ الشيوعي المتزايد في المنطقة بحكومة الولايات المتحدة في سلسلة من الجهود التي تضمنت أحداثًا بارزة مثل انقلاب عام 1954 في جواتيمالا، والغزو الفاشل لخليج الخنازير عام 1961، وانقلاب عام 1973 في تشيلي، ودعم مجموعة الكونترا النيكاراجوية عام 1980».

أنشطة روسيا الحالية

«ومع ذلك، بالانتقال سريعًا إلى الوقت الحالي، أصبح تهديد الولايات المتحدة للنفوذ الروسي أكثر حدَّة، حيث تآكلت المنطقة العازلة الأمنية في الأطراف – التي حمت روسيا يومًا من أوروبا – بشدَّة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وأصبحت الدول الأعضاء في حلف وارسو سابقًا، مثل بلغاريا وبولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا ورومانيا، منذ ذلك الحين أعضاءً في حلف الناتو، وكذلك لاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا التي كانت تقع تحت الاحتلال السوفيتي سابقًا».

Embed from Getty Images

وأضاف ستيورات أن «المخاوف المتزايدة في روسيا من الوقوع في الفخ مهَّدت الطريق في نهاية المطاف لصعود الرئيس فلاديمير بوتين عام 2000. لكن على الرغم من وعود بوتين باستعادة قوة البلاد التليدة، استمرت المناطق العازلة الروسية الإستراتيجية في تلقي ضربات. وزاد سقوط القيادات الموالية لروسيا في أوكرانيا عقب «احتجاجات الميدان» عام 2014 و«الثورة البرتقالية» عام 2005 على وجه الخصوص من حدة الضجر الروسي. وللمساعدة في تعويض خسارة مثل هذه المنطقة الحدودية الحيوية، ضمَّ بوتين شبه جزيرة القِرم لبلاد، وغزا جنوب شرق أوكرانيا. لكنَّ روسيا بلا شك لا تزال تشعر بمرارة فقدان العمق الإستراتيجي لحلف وارسو والكتلة السوفيتية اللذين ظلا يحميان نقطة ضعف الدولة لفترة طويلة».

وتابع الكاتب قائلًا: «إن تراخي قبضة روسيا على مناطقها الحدودية يجبرها الآن على اللجوء مرة أخرى إلى حيلها القديمة في أمريكا اللاتينية. وقد شمل ذلك بصفة خاصة دعم نظام نيكولاس مادورو الفاشل في فنزويلا على مدار العام الماضي بمساعدة شركاء موسكو الكوبيين». 

وكانت كوبا شريكًا أمنيًا رئيسيًا للأنظمة الفنزويلية بُعَيْد تولى الرئيس الفنزويلي الأسبق هوجو تشافيز مقاليد الحكم عام 1999. وأبلغت شبكة عملاء الاستخبارات الكوبية وأصولها الواسعة التي تسللت إلى المجتمع الفنزويلي منذ ذلك الحين نظام مادورو بالتهديدات المحتملة، مع إبقاء المعارضة منقسمة ومتنازعة. في الوقت ذاته، كان الدعم المالي والعسكري والتقني من الاستخبارات الروسية – ناهيك عن الحماية المباشرة من الجهات المتعاقِدة العسكرية الروسية – عنصرًا حاسمًا لنظام مادورو في السنوات الأخيرة أيضًا. في الحقيقة، يُمكن القول إن مادورو كان سيُعزَل منذ فترة بعيدة لولا مساعدة روسيا وكوبا.

ويستدرك الكاتب: «لكنَّ أنشطة روسيا وحلفائها الكوبيين في أمريكا اللاتينية لا تقتصر على فنزويلا. ففي الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الأول)، ألقى مسؤولون القبض على أربعة كوبيين في بوليفيا بزعم تمويلهم احتجاجات مناهضة للحكومة لدعم إيفو مورالس، رئيس البلاد الاشتراكي الأسبق. وقد أُجبر مورالس، أحد حلفاء نظام مادورو المدعوم من روسيا، على اللجوء إلى المكسيك بعد فوزه في انتخاباتٍ أشعَلَت احتجاجات واسعة النطاق». 

وفي الأسابيع الأخيرة اتَّهَمت منظمة البلدان الأمريكية كوبا وفنزويلا بالمساعدة في التحريض على الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الإكوادور وتشيلي وكولومبيا. وكما موَّل السوفيتيون الجهود شبه العسكرية الكوبية في أمريكا اللاتينية أثناء الحرب الباردة الأولى، فمن الواضح أن روسيا لا تزال تموِّل هذه الجهود، نظرًا لأن كلًا من كوبا وفنزويلا تعانيان من ضائقة نقدية حادَّة، ولا يمكنهما تنفيذ هذه العمليات الخارجية بمفردهما.

استخدام القلق الاجتماعي لتحقيق مكاسب سياسية

يضيف الكاتب: «كان لدى السوفيت والروس خبرة واسعة في استخدام الاحتجاجات لإضعاف مكانة خصومهم الغربيين في السلطة. وفي الولايات المتحدة، هناك دليل على تورُّط موسكو في كلٍ من الاحتجاجات المناهضة للحرب عام 1960 والاحتجاجات المناهضة للأسلحة النووية عام 1980، فضلًا عن الحركة المناهضة للتكسير الهيدروليكي و«حركة احتلّوا» في السنوات الأخيرة. وبالطبع، هناك تدخل روسيا في استفتاء «البريكست» عام 2016، تليه الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام ذاته».

Embed from Getty Images

«بالفعل على مر عقود أصبحت روسيا بارعة بشكلٍ متزايد في الاستفادة من المشاعر والقضايا الاجتماعية الواقعية للغاية لتحقيق أهدافها السياسية. وبالتنسيق مع حلفائها الكوبيين والفنزويليين، أثبتت روسيا براعتها في تضخيم التوتّرات إلى جانب خطوط الصدع الاجتماعية الواقعية للغاية داخل هذين البلدين. ولا تفتعل روسيا القضايا التي تغذي الاضطرابات من العدم؛ بل تُقدِّم ببساطة «الشرارة» التي تؤجج المظالم الاقتصادية والاجتماعية الكامنة، والتي كانت تختمر بهدوء تحت السطح في هذه البلدان لسنوات».

ويشير المقال إلى أن روسيا تتمتع الآن أيضًا بخبرة واسعة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المغلوطة على الإنترنت، كما فعلت قبيل التصويت على «البريكست» في المملكة المتحدة والانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. وفي السنوات الماضية، نشرت موسكو أيضًا حملات دعائية مشابهة عبر الإنترنت في ألمانيا، وأوكرانيا، ودول البلطيق.

وهناك دلالات على أنها تحاول فعل الشيء ذاته قُبيل الانتخابات الأمريكية القادمة عام 2020. ومن ثم يمكننا أن نرى أدوات التضليل هذه تستخدم في أماكن أخرى في المنطقة لدعم الحلفاء الاشتراكيين ومعارضة الحكومات الديمقراطية أو التي تتبنى السوق الحرة أو المتحالفة مع الولايات المتحدة.

أصحاب المصالح الأجانب في مرمى النيران

ويقول الكاتب: «نظرًا للميل الاشتراكي والفوضوي والمناهض للرأسمالية لدى العديد من الحركات المناهضة للحكومة، فمن غير المُستغرَب أن المحتجِّين بدأوا بالفعل في استهداف المصالح التجارية في المنطقة». 

على سبيل المثال: تعرَّض ما يزيد عن 100 متجر من المتاجر التابعة لشركة «وول مارت» في تشيلي حتى الآن للنهب والحرق، وسط تصاعد مظاهرات مناهضة للرأسمالية في البلاد. ومع احتدام الاحتجاجات في جميع أنحاء القارة، من المرجَّح استمرار استهداف المؤسسات التجارية الأمريكية والأوروبية التي تنشط في هذه البلدان، بما في ذلك احتمالية استهداف شركات التعدين والطاقة والفنادق والمصارف وشركات الطيران. 

وربما تتعرض المرافق السياسية الأمريكية والمنظمات غير الحكومية التي تنشط في المنطقة إلى إطلاق النار. وقد سحب عدد من المؤسسات التجارية والمنظمات غير الحكومية بالفعل موظفيها إلى خارج بوليفيا عقب تحذيرات سفر أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرًا، حثت المواطنين الأمريكيين الذين يعيشون هناك على المغادرة.

واختتم ستيوارت مقاله بالقول: «نظرًا لالتزام روسيا بتقويض نفوذ الولايات المتحدة بالقرب من أراضيها، وكذلك على الصعيد العالمي، فإن موسكو ستبذل ما بوسعها لضمان استمرار الاحتجاجات بوتيرة سريعة على أعتاب واشنطن. ومن ثم، ستحتاج المؤسسات التجارية والمنظمات في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية إلى مراقبة ديناميكيات الاضطراب في أمريكا اللاتينية عن كثب أثناء تطورها، وربما ارتفاع وتيرتها في الأسابيع القادمة. وإلا ستجد نفسها في مرمى نيران معركة بالوكالة في حرب باردة جديدة.

«ناشيونال إنترست»: الحرب العالمية الثالثة التي كادت تشتعل بين روسيا والصين

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد