دعونا نرى، تضع أمريكا الدبابات في أماكن متقدمة مع حلفائها في شرق أوروبا في حلف شمال الأطلسي الأوروبي (الناتو) لمواجهة روسيا. مؤخرًا، حلقت  طائرات الولايات المتحدة والطائرات العسكرية الروسية على بعد 10 أقدام من بعضها البعض، وبينما تقوم روسيا ببناء جيل جديد من الصواريخ الباليستية طويلة المدى، تتصارع كل من الولايات المتحدة والصين في بحر الصين الجنوبي. هل قام أحد ما باستئناف الحرب الباردة بينما كنت أنظر في الاتجاه الآخر؟

إذا كان الأمر كذلك، يبدو أن الحرب الباردة هذه المرة تأتي دون متعة – وهذا هو؛ من دون جيمس بوند، نيكيتا خروشوف، السباق إلى القمر أو مناظرة بين الأمريكيين والقادة السوفييتيين حول من الذي لديه أفضل أدوات المطبخ في بلده، الأمريكان أم السوفيت – وأنا لا أعتقد أننا في طريقنا لرؤية الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في كييف معلنًا، على طريقة الرئيس كينيدي، «أنا أوكراني».

لا، لدى هذه الحرب الباردة ما بعد الحرب الباردة الكثير من المصارعة العالمية الترفيهية لتشعر بها، وأنا لا أعني فقط ركوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخيل عاري الصدر، على الرغم من كون ذلك مجازًا ملائمًا. إنه فقط مجرد التدافع الخام على السلطة من أجل السلطة، وليس صراع الأفكار المؤثرة، ولكنه في المقابل مناطق النفوذ: “إذا عبرت هذا الخط فسألكم أنفك”. “لماذا”؟ “لأني قلت ذلك”. “هل لديك مشكلة في ذلك”؟  نعم، اسمحوا لي أن أظهر طائرتي بدون طيار، “هل لديك مشكلة في ذلك”؟ لا، على الإطلاق. رجالي الإلكترونيين سرقوا نظام التوجيه الأسبوع الماضي من شركة نورثروب جرومان. “هل لديك مشكلة في ذلك”؟

الحرب الباردة كان لها بداية، نهاية وحتى ستارة الختام، مع سقوط جدار برلين. ولكن الحرب الباردة ما بعد الحرب الباردة عادت بنا إلى الوراء دورة كاملة إلى ما قبل الحرب الباردة ولعبة الأمم. كانت هناك لحظة عندما بدا كما لو أن الأمر برمته كان خلاف ذلك – عندما بدا أن العرب والإسرائيليين من شأنهم أن يصنعوا السلام، عندما بدا أن الصين ستتحول إلى نظام سياسي توافقي وأن روسيا ستصبح جزءًا من أوروبا والدول الثماني العظمى (G-8). كان ذلك قبل سنين مضت.

الآن يناضل المراسلون الغربيون من أجل الحصول على تأشيرات للصين، لا يأخذ أي رجل أعمال أمريكي ذو عقل جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به إلى بكين، القراصنة الصينيون لديهم الآن البيانات الشخصية الخاصة بك بدرجة أكبر مما لدى لينكداين، ولا تزال روسيا عازمة على أن تصبح جزءًا من أوروبا – بالاستيلاء على قطعة هنا وقطعة هناك –  والدول الثماني العظمى لم تعد ثماني دول بل غدت دولة ونصف (G-1.5)، (أمريكا وألمانيا).

متى تحوَّلت الأمور إلى هذا السوء والفجاجة؟ الولايات المتحدة هي من أطلقت الرصاصة الأولى حينما قامت بتوسيع حلف الناتو نحو الحدود الروسية، وذلك على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي قد سقط. رسالة إلى موسكو: أنت دائمًا عدو، مهما كان النظام الذي يحكم. عندما انتعشت أسعار النفط، سعى بوتين للانتقام من هذه المذلة، ولكنه الآن يستخدم فقط تهديد الناتو لتبرير عسكرة المجتمع الروسي حتى يبقى هو ورفاقه الفاسدين في السلطة ويلبسوا خصومهم لباس التبعية للغرب.

إسقاط حلف شمال الأطلسي للزعيم الليبي معمر القذافي، والربيع العربي، والاحتجاجات التي شهدتها شوارع موسكو، كل هذا تسبَّب في هزة لبوتين. «أدرك الرئيس الروسي بأنه خسر الطبقة الوسطى الروسية وهكذا شرع في البحث عن الشرعية في مكان آخر، في القومية المتطرفة ومعاداة الولايات المتحدة»، يقول سيرجي جورييف، الخبير الاقتصادي الروسي المقيم حاليًّا في باريس.

لكن جورييف ألمح إلى نقطة مهمة بقوله: “لولا العقوبات الغربية على روسيا، لكانت شرق أوكرانيا بالفعل جزءًا من روسيا اليوم”، مضيفًا “أنه لا يوجد شيء يخشاه بوتين أكثر من نجاح أوكرانيا في تقليص الفساد وبناء اقتصاد حديث لا تملكه روسيا في عهد بوتين”. ومع ذلك، أبدى جورييف مخاوفه من أن تفضي الدعاية المناهضة للغرب التي ضخها بوتين في عروق الشعب الروسي إلى تبعات دائمة. وفي كلتا الحالتين، “ستكون تحديًا كبيرًا للرئيس الأمريكي المقبل”.

القيادة الصينية ليست غبية أو يائسة كما هو الحال مع بوتين – هي بحاجة إلى الوصول بدرجة أكبر إلى أسواق الولايات المتحدة – لذلك، في الوقت الراهن لا يزال قادة الصين يتصرفون بقدر من ضبط النفس فيما يتعلق بتأكيد مطالبهم في بحر الصين الجنوبي. ولكن، ووفقًا لما ذكره أندرو براون، الخبير في الشئون الأسيوية، لصحيفة وول ستريت جورنال، “فقدت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين سبب وجودها الإستراتيجي: الاتحاد السوفييتي، التهديد المشترك الذي جمع البلدين معًا”. لم يشكل البلدان سببًا وجوديًّا جديدًا بعد، كأن يكونان مديرين متعاونين للاستقرار العالمي.

وباختصار، فإن جاذبية الاقتصاد الأمريكي وعضة العقوبات الأمريكية هي أكثر أهمية من أي وقت مضى في إدارة لعبة حرب الدول في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بما في ذلك جلب إيران إلى المحادثات النووية.

ربما نعود إلى الجغرافيا السياسية التقليدية، لكنها ستكون في عالم أكثر ترابطًا من ذي قبل، حيث لا يزال النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة يشكل مصدرًا لضبط النفس على موسكو وبكين. لا يخفي بوتين التدخل العسكري في أوكرانيا من أجل لا شيء؛ هو يخاف من فرض مزيد من العقوبات الأمريكية المصرفية. لا تقيد الصين سلوكها في بحر الصين الجنوبي من أجل لا شيء؛ فهي لا يمكنها أن تنمو من دون التصدير إلى أمريكا.

لا يتعلق الأمر فقط بالولايات المتحدة، بل بالجزرة التي تملكها. هذا هو السبب الذي يحتم على الولايات المتحدة أن تتوسع في صياغة اتفاقيات التجارة الحرة مع آسيا وأوروبا، وذلك هو السبب في أن أهم مصدر للاستقرار في العالم اليوم هو صحة الاقتصاد الأمريكي. يمكن للولايات المتحدة أن تسير بهدوء فقط طالما تحمل عصا غليظة، ومحفظة كبيرة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد