عرض القسم السياسي في «الجارديان» تحليلاً للتوجهات المتوقعة لإدارة ترامب، من خلال إلقاء نظرة على فكر ستيف بانون، كبير استراتيجيي إدارة ترامب، ومآلات هذه التوجهات على العالم. قال التقرير:

دونالد ترامب لا يقرأ، وإنما يترك هذه المهمة لكبير مخططيه الاستراتيجيين، ستيف بانون، الرجل الذي يبدو، باطراد، أنه القوة الحقيقية وراء إدارة ترامب الصاخبة. وبالنظر إلى نفوذ بانون، إذ أنه أقرب أعضاء الدائرة المقربة من الرئيس، وسوف يكون له مقعد دائم في مجلس الأمن القومي، وهو شرف منعه ترامب عن رئيس الجيش الأمريكي، فمن المفيد أن نلقي نظرة عن كثب على الكتب التي يقرأها.

بحسب مجلة تايم، فإنَّ واحدًا من أهم الكتب التي يقرأها بانون هو كتاب «التحول الرابع»، الذي يقول بأنَّ التاريخ الإنساني يتحرك في دوائر كل 80 إلى 100 عام، كل واحدة من هذه الدوائر تصل إلى ذروتها بكارثة عنيفة تدمر النظام القديم وتستبدله بشيء جديد. بالنسبة للولايات المتحدة، فقد كان هناك ثلاثة اضطرابات من هذا النوع: الحرب الثورية التي أسست أمريكا وانتهت عام 1783، والحرب الأهلية في ستينات القرن التاسع عشر (1860)، والحرب العالمية الثانية في أربعينات القرن العشرين. بحسب الكتاب، فإنَّ أمريكا على أعتاب الثورة الرابعة.

بحسب التقرير، فإنَّ لهذه التحولات عامل مشترك: كلها تشتمل على حرب ملحمية. بالنسبة لبانون، المدير السابق لموقع Breitbart اليميني المتطرف، فإنَّ هذا التوقع ليس مدعاة للخوف، بل البهجة. واقتبست مجلة تايم، التي كان بانون على صورة غلافها لهذا الأسبوع، من كلام بانون ما يدل على أنه يتوق توقًا إلى نشوب صراع دموي واسع النطاق. فالشعار المحبب لبانون هو: «نحن في حالة حرب»، سواء كان هذا في سياق الحديث عن الصراع مع الفكر الجهادي، وهو الأمر الذي وصفه بانون بأنه «حرب وجودية عالمية» من الممكن أن تتحول إلى «حرب فعلية كبيرة في الشرق الأوسط»، أو الصدام الذي يلوح في الأفق مع الصين.

كل هذا التوق لإراقة الدماء، بحسب التقرير، يمكنه أن يفسر عدم انزعاج بانون من الفوضى والاشمئزاز اللذين تسبب فيهما الحظر الذي فرض، الأسبوع الماضي، على اللاجئين، الذي مرره بانون بلا أي استشارة تقريبًا مع باقي أعضاء الحكومة الأمريكية. يرجع ذلك إلى أنَّ بانون من أنصار «الحدث الصادم». فقد وصف بانون نفسه بأنه «لينيني» وقال لأحد الكتاب في 2013: «أراد لينين أن يدمر الدولة، وهذا هدفي أيضًا. أريد أن أحطم كل شيء» ويبدو أنَّ الحرب هي طريقته المختارة لفعل ذلك.

بدأ الناس في الملاحظة والانزعاج. أُخبرت مرتين مؤخرًا عن شخصين شديدي العقلانية، كونا ثروات من قراءة الواقع بشكل صحيح، وهما الآن يحولان ثروتهما للذهب لأنه الأكثر ملاءمة للصمود في وجه الحريق المقبل، وانهيار العالم المتحضر. وتتضمن النسخة الحالية من مجلة الـ«نيويوركر» تقريرًا عن زيادة طلبات الأثرياء ثراءً فاحشًا على المخابئ المعدة للتعامل مع نهاية العالم، مع اهتمام مخصوص بشراء مهابط طائرات ومزارع في نيوزيلاندا كـ«خطة بديلة».

كل هذا قد يبدو مبالغًا فيه، ما لم يكن هستيريًا. لكن لو أنَّ هذا التفكير يتجذر، فإنما يرجع هذا إلى أنَّ عددًا من الاتفاقيات العالمية الدقيقة، التي طبقت بشق الأنفس في الأعوام التي تلت عام 1945، وحالت دون وقوع حرب عالمية لما يقرب من 80 عامًا، صارت الآن تتلقى ركلات من اتجاهات ثلاثة مختلفة.

أول هذه الاتجاهات، وأكثرها وضوحًا ترامب نفسه، الذي لم يكتف بالتصريح بأنَّ الناتو قد «عفى عليه الزمان»، وإنما بدأ في تخفيض الدعم لأعمدة رئيسية لهذا التحالف الغربي. المكالمة التي أجراها ترامب مع رئيس الوزراء الأسترالي تصلح لأن تكون كوميديا فتاكة، لكن تذكر أنَّ الأستراليين والأمريكيين قد قاتلوا جنبًا إلى جنب كحلفاء لقرن من الزمان. ولطالما شارك البلدان المعلومات الاستخباراتية دون قيود. إنَّ ولاء أستراليا عظيم، إلى حد أنها أرسلت قوات لتحارب في حرب فيتنام الأمريكية المشؤومة (في الوقت الذي نأت فيه بريطانيا بنفسها عن هذه الحرب). ومع ذلك فقد عامل ترامب أستراليا كما لو كانت وسخًا على حذائه. يظهر لنا هذا مدى استعداد الرئيس الأمريكي لتنفيذ الأحلام المحمومة لبانون وأن «يحطم كل شيء».

لكنَّ ترامب ليس هو الوغد الوحيد هنا. لقد كان التصويت على بريكسيت في مجلس العموم، الأسبوع الجاري، تذكيرًا لنا بأنَّ بريطانيا أيضًا من بين من يوجهون معاول الهدم لنظامنا الدولي الهش. لقد طرحت بريطانيا، بمغادرتها الاتحاد الأوروبي، سؤالاً مباشرًا حول إمكانية بقاء الاتحاد الأوروبي. تؤكد تيريزا ماي أنها تأمل أن يستمر، لكنَّ الحقيقة أنَّ التصويت لصالح بريكست سوف يكون أبلغ من أي كلام يقال.

يقول التقرير إنَّ  هناك نقطة مهمة فشل المعسكر الراغب في البقاء في طرحها بقوة كافية في استفتاء العام الماضي، مع كونها نقطة مركزية: إنَّ لأوروبا تاريخًا من الصراعات الدموية التي تعود جذورها لقرون عديدة. الفترة الوحيدة من السلام القاري جاءت عندما اجتمعت أمم أوروبا ثم اتحدت. مجرد المخاطرة بمستقبل هذا الاتحاد يعني المخاطرة بالعودة إلى الحرب في أوروبا.

كلا هذين التحولين سوف يكونان ضارين كفاية، لكنَّ اجتماعهما هو التهديد الحقيقي. ليس الأمر مقتصرًا على أنَّ مبعوث ترامب المقترح للاتحاد الأوروبي يتطلع شوقًا لتفكيك الاتحاد الأوروبي، على أمل أنه سوف يحل به ما حل بالاتحاد السوفيتي. ولكنَّ ترامب يرى التعاون متعدد الأطراف استراتيجية للفاشلين المخنثين، ويفضل عليها أن يعقد صفقات ثنائية تخدم مصالحه. يؤدي هذا، بحسب التقرير، إلى تدافع دارويني، ترعى فيه كل دولة مصالحها فحسب ــ ولتذهب الاتفاقات التي حافظت على تماسك العالم فيما مضى إلى الجحيم.

وبالطبع، فلكل هذا تأثير على أولئك الفاعلين خارج الغرب، عندما يستجيبون لهذه التحولات. بإمكان فلاديمير بوتين، الذي صار أحد كبار معجبيه رئيسًا لأمريكا، أن يستعرض عضلاته بهجومه، هذا الأسبوع، على شرق أوكرانيا. وبدأت الصين تجهز نفسها لحرب تجارية، أو أسوأ من ذلك، مع أمريكا ترامب. وفي غضون ذلك، تفرك الجهادية العالمية أكفها فرحًا بينما يقوم ترامب، بعد حظره للاجئين، بتأكيد رؤيتهم المشوهة، كأنما يقول لمسلمي العالم: نعم، كانت الدولة الإسلامية محقة حين قالت إنه لا مكان لكم في الغرب.

كل هذا يترك الليبراليين واليساريين في موقف غير مألوف لا يحسدون عليه. يسعى التقدميون، دائمًا، لإحراز تقدم: موقفهم المفضل هو مناصرة التغيير، وتحسين الأمر الواقع. لكنَّ التغييرات الكبيرة لعام 2016 قد تركتهم – تركتنا – في مكان جديد. فجأة وجدنا أنفسنا نقود حملات لا لتحقيق ما يمكن أن يكون، بل لتحقيق ما كان في الماضي.

خذ مثلا نواب حزب العمال المتمردين الذين صوتوا ضد استخدام المادة 50. كان أولئك النواب يتغنون ويسبحون بحمد الحالة الراهنة لاتحاد أوروبي جلب السلام والتعاون والاستقرار. بالطبع، في الظروف العادية سوف يفضلون الإشارة إلى عيوب الاتحاد الأوروبي، مطالبين بالمزيد من حماية البيئة أو العمال مثلا. لكنَّ خطوط المعركة قد تحولت في الـ12 شهرًا الأخيرة. الآن، يقاتل التقدميون باستماتة للتمسك بما حصلوا عليه، في محاولة لمنع انحدار الأمور أكثر من ذلك.

يواجه الديمقراطيون في الولايات المتحدة شعورًا مضطربًا على نحو مشابه. فقد رأوا، في الأيام الأخيرة الماضية وحدها، الجمهوريون يلغون القوانين التي منعت شركات الفحم من تلويث جداول المياه العذبة ومنعت الشركات الأمريكية من الدفع السري للحكومات الأجنبية للحصول على حقوق استخراج المعادن. الآن يجد النشطاء أنفسهم يقومون بحملات، لا من أجل سن قوانين جديدة أو أفضل، وإنما من أجل الإبقاء على القوانين الجديدة التي كانت مفيدة إلى حد ما.

الكثيرون من اليسار كانوا ليكرهوا الكثير من هندسة فترة ما بعد الحرب، التي صمدت منذ 1945، لأنها شهدت الكثير من الهيمنة الأمريكية، والكثير من الميل لصالح الأغنياء والأقوياء. لكنهم الآن بعد أن رأوا ترامب وآخرين يدمرون الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وأشياء أخرى كثيرة، ربما يعيدون النظر.

ذلك أنَّ ستيف بانون لا يدمر نظام عالم ما بعد 1945 القديم الصدئ من أجل عالم أكثر عدالة ومساوة وترابطًا. بل يبدو أنه يحلم بعالم دموي، وحرب مستعرة سوف تقتل الملايين، وسوف تخرج منها أمريكا جديدة وأنظف وأكثر هيمنة.

واختتم التقرير بالقول إنَّ هذه رؤية مرعبة. تجعل منتهى آمال أي تقدمي أن يحافظ على ما حققناه حتى الآن. لو أنَّ ذلك سوف يجعلنا المحافظين الجدد ــ بعد أن صار بانون، وترامب ومؤيدو بريكست هم الراديكاليون التدميريون، فليكن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد