في العقود الأخيرة، اكتسبت المواد الجنسية شعبيةً كاسحةً في مختلف أنحاء العالم، وخاصةً في أوساط الطلاب الجامعيين الذين يَمرُّون بمرحلة المراهقة. والتقت إيميلي شوجرمان المراسة بموقع «ذا ديلي بيست» ببعض الطلاب الذين يُديرون الآن حملةً لحظر مواقع «البورنو» أو المواقع الجنسية داخل الحرم الجامعي في أمريكا، لتسرد آراءهم وتطلُّعاتهم في السطور التالية.

من هم المتحمسون للفكرة؟

تبدأ إيميلي الحديث بالإشارة إلى أنَّ المعركة ضد «البورنو» أصبح لها بطلٌ آخر بعد أن تخلَّى عنها المحافظون والناشطات النسويات، وهذا البطل هو الطلاب الجامعيون، الذين يسعون في مختلف أنحاء البلاد إلى حظر «البورنو» داخل الحرم الجامعي، بدمج زخم حركة «#MeToo» مع قليلٍ من الحماسة الأخلاقية.

وفقًا لتقريرها، بدأت تلك الجهود من جامعة نوتردام، حين خطَّ 80 طالبًا خطابًا مفتوحًا يُطالبون فيه بمنع المحتوى الجنسي على شبكة الواي فاي داخل الحرم الجامعي. ويقول جيم مارتينسون، قائد المجموعة التي كتبت الخطاب، إنَّه استقبل منذ ذلك الحين رسائلَ من 40 طالبًا في جامعاتٍ أخرى يرغبون في تثبيت برنامج لمنع المحتوى الجنسي داخل جامعاتهم.

وقالت أميليا إيرفين، الطالبة المُحافظة التي تدرس في صف التخرج بجامعة جورجتاون، في تصريحها لموقع «ذا ديلي بيست» إنَّ خطاب مارتينسون شجَّعها على الدعوة إلى خطوةٍ مماثلةٍ في جامعتها الكاثوليكية. وتُخطِّط لجمع الدعم الكافي خلال العطلة الشتوية، وتقديم خطابٍ مفتوحٍ أو عريضةٍ خلال الربيع.

وقال طُلَّاب الجامعات العلمانية مثل «هارفارد» و«برنستون» و«بنسلفانيا» إنَّهم مُتحمِّسون للفكرة، لكنَّهم يبحثون عن طريقةٍ لتطبيقها داخل حرمهم الجامعي. وفي جامعتي برنستون وبنسلفانيا تحديدًا، أضاف الطلاب أنَّهم وضعوا الفكرة على جدول أعمالهم، وبدأوا توزيع منشوراتٍ عن مخاطر «البورنو» داخل الحرم الجامعي.

وتابع مارتينسون: «أشعر بالحماسة، وأعتقد أنَّه بإمكاننا إنجاح الأمر. وأنا على ثقةٍ أنَّه في حال نجحنا في نوتردام، ستسير الجامعات الأخرى على خُطانا».

فكرة حظر «البورنو» في  جامعات أمريكا ليس جديدة

تشرح إيميلي في تقريرها المقترح بكل بساطة: تثبيت برنامج لفلترة المحتوى على شبكة الإنترنت في الحرم الجامعي، يمنع الوصول إلى جميع المواقع المُنشأة بغرض نشر «البورنو». تحظر السياسة التكنولوجية لجامعة نوتردام بالفعل الوصول إلى المواد الجنسية أو الإباحية الصريحة أو المهينة على شبكة الحرم الجامعي، لكنَّ مارتينسون يقول إنه أصيب بالذهول من حجم الدعم الذي حصل عليه حين طالب بوضع حاجزٍ رقمي. وجمعت العريضة التي تُطالب بهذا الإجراء توقيعات أكثر من ألف رجلٍ وامرأة، يُشكِّلون نسبةً تتخطى 10% من الطلبة.

وزعم خطاب مارتينسون المفتوح في صحيفة «نوتردام أوبزيرفر» أنَّ «البورنو» يعلِّم الرجال تشييء المرأة (النظر إليها باعتبارها شيئا أو أداة)، ويطبِّع فكرة الاعتداء الجنسي، ويستغل الرجال والنساء المُشاركين في ذلك. وكتب في خطابه أنَّ رجال نوتردام طالبوا ببرنامج الفلترة «من أجل الدفاع عن كرامة الناس جميعًا، وخاصةً النساء».

كيف تساهم صناعة «البورنو» في تأجيج النزعات العنصرية حول العالم؟

وأعقب الخطاب ردٌ أصدرته أكثر من 60 امرأةً، زعمن فيه أنَّ انتشار «البورنو» داخل الحرم الجامعي «يمنع الرجال والنساء من اختبار الشخصية الكاملة المتفردة للآخر في الصداقات والعلاقات».

وذكرت إيميلي أنَّ شعبية المقترح تصدَّرت عناوين الأخبار في مجلة «ناشيونال ريفيو» وموقع «بارستول سبورتس» المُفضَّل لدى شباب الأخويات. وناقش مجلس إدارة اتحاد الطلاب الأمر في اجتماعٍ أُقيم مؤخرًا، حسبما أفادت صحيفة «ذي أوبزرفر»، وأشار مارتينسون إلى أنَّه طرح الفكرة على المسؤولين «الذين يديرون الجامعة».

وأضاف مارتينسون: «تقبَّلت الجامعة الخطاب تقبُّلًا جيدًا. وأنا على ثقةٍ أنَّنا سنتمكن من إنجاز المهمة بحلول نهاية العام القادم». ورفض مسؤولو جامعة نوتردام التعليق على المسألة.

لكن توضح إيميلي أنَّ برامج فلترة «البورنو» ليست فكرةً جديدةً كليًا. وقال مايكل جريفين، نائب رئيس كلية هولي كروس، في تصريحه لصحيفة «ذي أوبزرفر» إنَّ كليته ثبَّتت أحد تلك البرامج قبل 15 عامًا حتى لا يؤثر «البورنو» على سعة البيانات التي يمكن نقلها عبر شبكة الإنترنت بالكلية، وأُبقي على البرنامج لاعتباراتٍ أخلاقية. وحاولت جامعة إلينوي الشمالية تطبيق حظرٍ مُشابه عام 2014، لكنها عدَّلته في ما بعد ليشمل الموظفين فقط، وفقًا لصحيفة «نورذيرن ستار» الخاصة بالجامعة. أما الشركات الخاصة من أمثال «ماكدونالدز» و«بانيرا» و«ستارباكس»، فقد ثبَّتت جميعها برامج فلترةٍ مُشابهةٍ على شبكات الواي فاي العامة الخاصة بها.

مشاهدة «البورنو» من عدمه يعود لتدينك

لكن تضيف إيميلي أنَّ مسألة إشكالية مشاهدة «البورنو» داخل الحرم الجامعي ما تزال محلًا للجدل. إذ قال مارتينسون إنَّه بدأ الدعوة لبرنامج الفلترة إثر استماعه إلى معاناة زملائه الذكور مع إدمان «البورنو». رغم أنَّ دراسةً أُجريت عام 2013 وجدت أنَّ الطالب الجامعي العادي يُشاهد «نشاطًا جنسيًا غرضه الإثارة على الإنترنت» أقل من مرةٍ أو مرتين في الشهر. وأشارت دراسةٌ أُجريت عام 2014 على تلاميذ من أربع دول أنَّ 76% منهم شاهدوا مواد «ترفيهٍ جنسيٍ» على الإنترنت في حياتهم، لكنَّها أظهرت أيضًا «ندرةً نسبيةً في التجارب» المتعلقة بهذا الشأن خلال الأشهر الثلاثة السابقة على إجراء الدراسة.

ولا توجد الكثير من الأدلة على أنَّ استهلاك «البورنو» يُؤدي إلى معاملة النساء بطريقةٍ سلبية. إذ أظهرت دراسةٌ أُجريت عام 2007 في جامعة كوينزلاند للتقنية بأستراليا أنَّ كمية المواد الجنسية التي يشاهدها الشخص لم تساعد في التنبؤ بممارسته سلوكياتٍ سلبية تجاه النساء. وكما أشار بعض الخبراء، فإنَّ نسبة جرائم الاعتداء الجنسي انخفضت خلال العقود الماضية، رغم زيادة استخدام المواد الجنسية.

وفي الواقع، أظهرت الأبحاث أنَّ النظر إلى المواد الجنسية باعتبارها مُشكلةً يرجع في الأصل إلى مدى تديُّن الشخص. إذ وجدت دراسةٌ أُجريت عام 2014 أن التديُّن والرفض الأخلاقي هما أفضل ما يُنبئ بالإدمان الملحوظ لـ«البورنو» لكن لا علاقة لهما بمستويات الاستخدام الفعلية.

العالم في 2018.. بعيون واحصاءات موقع «بورنو»!

ونفت إيميلي شعورها بالمفاجأة أن تأتي الدعوة لبرامج فلترة «البورنو» من الشريحة المُتديِّنة داخل الحرم الجامعي. فخطاب نوتردام مثلًا كان جزءًا من حملةٍ سنويةٍ لمناهضة المواد الجنسية تُنظمها مجموعةٌ داخل الحرم الجامعي تُدعى «طلابٌ من أجل سياسةٍ موجهةٍ للأطفال». تُسوِّق المجموعة لنفسها بأنَّها غير حزبيةٍ وغير طائفية، لكنَّها نظمَّت عدة ندواتٍ مناهضةٍ للإجهاض داخل الحرم الجامعي، ويُذكر أنَّها وزعت عريضةً تُطالب إدارة جامعة نوتردام باتخاذ «موقفٍ صريحٍ» ضد زواج المثليين. وفي الوقت ذاته، تترأس أميليا مجموعةً تُؤيد زواج المُغايرين جنسيًا داخل الحرم الجامعي، وتُتَّهم تلك المجموعة بالدعوة إلى عدم التساهل مع الطلاب المثليين.

ويقول مارتينسون إنَّ الوازع الديني كان مهمًا بالنسبة له شخصيًا، لكنَّه فضَّل التركيز على مشاكل الإدمان وتشييء النساء. وأوضح: «من المهم أن نضع الأمور في نصابها من منظورٍ علمانيٍ كي نتمكن من جذب أُناسٍ أكثر».

وأورد المقال أنَّ أحد طلاب هارفارد تواصل مع مارتينسون بشأن برنامج الفلترة، وهو طالب يُدعَى ويل لونج، متحول إلى الكاثوليكية يدرس علم الحاسوب والحكومة، ورئيس مشارك في مجموعة «أنسكومب سوسايتي» التي تدعو إلى «الامتناع عن ممارسة الجنس قبل الزواج والنزاهة الجنسية». (وتُعارض المجموعة زواج المثليين بكل قوة). خطَّ لونج مؤخرًا مقالًا افتتاحيًا لصحيفة «هارفارد كريمسون» الخاصة بالجامعة حول «استعادة جمال الجنس»، ويربط بين مشاهدة «البورنو» من جهةٍ وثقافة التواصل وتطبيقات المواعدة داخل الحرم الجامعي من جهةٍ أخرى، والتي قال إنَّها تُفسد العلاقات بين الطلاب.

وليس هذا النوع من الازدراء الأخلاقي للمواد الجنسية جديدًا على المحافظين دينيًا، إذ جعلوا منه نقطةً محوريةً في حملاتهم السياسية على مدار عقود. لكنَّ جمهور مناهضة «البورنو» الجديد داخل الحرم الجامعي يُقدِّم حججًا أخلاقيةً جديدةً بلهجة حركات «#MeToo» ومناهضة الاغتصاب داخل الحرم الجامعي، ويُكرِّرون نقاط الحوار النسوية المعروفة بشأن تشييء النساء وتركيز «البورنو» على متعة الذكر بشكلٍ رئيسي.

حظر مواقع «البورنو» تخدم قضايا المرأة

وذكر جميع الطلاب الذين تحدثوا إلى موقع «ذا ديلي بيست» مستويات العنف تجاه المرأة التي تظهر في المواد الجنسية المعاصرة. (وجدت دراسةٌ حديثة أنَّ ثُلث المشاهد الجنسية تُظهر إيذاءً جسديًا أو نفسيًا واضحًا لشخصٍ آخر). ورغم أنَّ الطلاب لم يزعموا أنَّ «البورنو» هو سببٌ مباشرٌ للاعتداء الجنسي، لكن عددًا منهم قال إنَّه يشعر بأنَّها أسهمت في الوصول إلى الوضع الثقافي الحالي.

وأشار جاك ويلان، الناشط المناهض للمواد الجنسية في جامعة برينستون، إلى مقطعٍ مُصورٍ حديثٍ يُطلب فيه من الرجال التفرقة بين المشاهد الجنسية وقصص الاعتداء الجنسي.

وقال ويلان: «ليس من الصعب الربط بين الرجال الذين يُشاهدون هذا النوع من البورنو والرجال الذين يتصرفون بطرقٍ مشابهةٍ تجاه النساء. أعتقد أنَّه من الأسهل تشييء النساء وألَّا تراهم بشرا حين تنظر إليهم كأشياءٍ غرضها المتعة الجنسية».
وعلَّقت إيميلي على تلك الكلمات قائلةً إنَّها ربما تكون مُقتبسةً من نسويات الجيل الثاني أمثال أندريا دوركين وكاثرين ماكينون، اللواتي تزعمن الاحتجاجات ضد صناعة «البورنو» المزدهرة في الثمانينيات. وفي الواقع، يقول لونج إنَّه يعتقد أنَّ بإمكانه المشاركة في هذه المعركة إلى جوار التيار مركز النساء بجامعة هارفارد أو «المجموعات النسائية الأخرى ذات الميول اليسارية»، وهي المجموعات التي ذكر أنَّه لا يعتبرها حلفاءَ عادةً. (ورفض مركز نساء هارفارد الإدلاء بأي تعليق).

لكن يبدو أنَّ النسويات المعاصرات غير متحمساتٍ لمقترح برنامج فلترة «البورنو»، حسبما تقول إيميلي في مقالها. ففي ردٍ على خطاب الرجال، كتبت جاكي أوبراين، وهي طالبة بجامعة نوتردام، خطابها الخاص إلى رئيس التحرير واصفةً الفكرة بـ«المتعالية» و«المُهينة» للعاملين في صناعة الجنس. أمَّا آن جاريت، وهي طالبة بجامعة نوتردام متخصصة في الدراسات الجنسانية تصف نفسها بأنَّها «نسوية واضحة»، فدعت كُتَّاب الخطاب إلى التواصل مع مُشرِّعيهم أو العمل على حملةٍ تستهدف الاعتداء الجنسي، عوضًا عن إهدار وقتهم في حظر «البورنو».

وجاء في خطابها: «بدلًا من الحكم على هذه الأفعال التي تتم بالتراضي، دعونا نحتفي بممارسة الناس علاقاتهم بالتراضي والتواصل بانفتاحٍ مع شركائهم (على الشاشة وبعيدًا عنها)».

مطالبات فلترة «البورنو» في الجامعات ربما تنتهي بالرفض

ونفت الكاتبة أن يكون هذا هو رأي النساء فقط. إذ أثار الاقتراح الأصلي لاستخدام برنامج لفلترة «البورنو» حفيظة البعض، مما دفعهم لإرسال ست خطاباتٍ تُعارض الفكرة إلى رئيس التحرير، علاوةً على عمودٍ ساخرٍ دعا إلى تثبيت برنامجٍ لفلترة صور الطعام المثير للشهية، ومقالٍ ناقد بعنوان: «أعطني موقع بورن هاب أو اقتلني».

هدم الأسطورة.. هل حقًّا الدول العربية هي الأكثر مشاهدة لمواقع «البورنو»؟

وكتب بيتر جيفري، الأستاذ بالجامعة، ليقول إنَّ هذا النوع من برامج الفلترة سيمنع الأشخاص الذين يُعانون إدمان «البورنو» من الحديث بانفتاحٍ والبحث عن المساعدة. وقال ريتشارد جي هوفر، الذي تخرج في الجامعة عام 1974، إنَّه يكره الأفلام الجنسية لكنَّه لا يشعر أنَّ «الرقابة» هي الحل.

وحتى مؤسسة «حقوق الأفراد في التعليم»، التي دافعت عن مجموعة «طلاب من أجل سياسةٍ موجهةٍ للأطفال» حين حُرموا من الاعتراف بمجموعتهم باعتبارها ناديا جامعيا نتيجة موقفها من زواج المثليين، تقول إنَّ برنامج الفلترة سيُرفَض لتعدّيه على حرية التعبير.

وكتبت المؤسسة: «معظم المواد الجنسية والإباحية الصريحة والمهينة مَحميَّةٌ بموجب التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة الأمريكية. لذا يجب ألَّا تتعامل أي مؤسسةٍ تزعم الدفاع عن حرية التعبير مع الأفلام الجنسية بطريقةٍ تختلف جوهريًا عن تعاملها مع حريات التعبير الأخرى التي تُدافع عنها».

وأشارت إيميلي في ختام مقالها إلى اعتراف الطلاب بأنَّ الدعوة إلى حظر «البورنو»، أو إلى التحلي بالعفة والأخلاقيات بشكلٍ عام، لا تجعلهم الأكثر شعبيةً داخل الحرم الجامعي. إذ يقول ويلان إنَّه حصر محادثاته عن المسألة في حواراته مع أصدقائه المقربين، في حين قالت أميليا إنَّها أنهت علاقتها بخطيبها الذي علمت أنَّه يُشاهد «البورنو».

وأضاف لونج أنَّه استقبل الكثير من الرسائل الناقدة بعد كتابة مقاله الافتتاحي، لكنَّ الأمر لم يؤثر على حماسته لتطبيق برنامج فلترة «البورنو». وتابع أنَّ كونه الشخص الذي يذهب إليه الجميع في هذه المسألة داخل الحرم الجامعي هو أمرٌ يُشعره بالعزلة، لكن هذا لا يكون دائمًا أمرًا سيئًا بالضرورة.

وقال: «أعتقد أن تعلُّم كيفية التمسك بشيءٍ تُؤمن بصحته وأهميته وجودته هو أمرٌ له آثار إيجابية على أي شخصٍ يختار التمسك بتلك الحقيقة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد