خَلَّفَ الاستعمار ندوبًا غائرة على وجه البحر الأحمر. أصل المرض واحد وأعراضه متعددة: من هجمات القرصنة قديمًا إلى حادث إيفر جيفن مؤخرًا.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا بقلم نيكولاس دبليو ستيفنسون سميث، الباحث والكاتب في التاريخ والسياسة الأفريقية، استهله بالإشارة إلى الإثارة والتوتر اللذين صبغا التاريخ الحديث للبحر الأحمر؛ من اختطاف القراصنة للرهائن إلى الهجمات البحرية المتبادلة بين إسرائيل وإيران في المياه الدولية، مرورًا بتهريب المخدرات والأسلحة دون رادع، ومؤخرًا حادث جنوح إيفر جيفين في قناة السويس

صحيحٌ أن الاتفاق بين السلطات المصرية ومُلاَّك السفينة العملاقة أنهى المحنة – على الأقل بالنسبة للطاقم – بعد ثلاثة أشهر من الشد والجذب، بيدَ أن نهاية هذا الفصل الجديد من تاريخ البحر الأحمر المشحون بالإثارة والتوتر، لا يعني أن قصة الصراع الممتد اقتربت من نهايتها، حسبما يخلُص المقال.

هكذا زرع الاستعمار بذور الفوضى في البحر الأحمر

يوضح الباحث في كتابه الذي يحمل عنوان «الفوضى الاستعمارية في جنوب البحر الأحمر: تاريخ من العنف: من عام 1830 إلى القرن العشرين»، أن الاستعمار هو المسؤول عن هذا الإثارة المزعجة التي تؤرق المنطقة. وقد خلق الاستعمار الفوضى في البحر الأحمر بطريقتين: 

أولًا؛ قسم الحكام الأوروبيون المنطقة إلى خليط غير متجانس من دول مدججة بالسلاح، وتسعى إلى المحسوبية، وتتنافس فيما بينها. 

ثانيًا؛ زرع الاستعمار بذور الانقسام المدني. وبذلك قلب الاستعمار الأوروبي الثقافة السياسية في المنطقة رأسًا على عقب، فضلًا عن تغيير وجه علاقاتها الدولية.

Embed from Getty Images

البحر الأحمر قبل الاستعمار: بقعة اندماج لا ساحة صراع

قبل القرن التاسع عشر، كانت شبكة من الروابط الدبلوماسية والدينية والثقافية بين البلاطات الملكية في الساحل الشمالي الغربي للمحيط الهندي تربط مدينة سورات الهندية بالصومال، والحجاز، وحضرموت. وحين يتتبع الباحث جذور العديد من هذه الحكومات الإقليمية وترابطها، ينتهي به المطاف إلى التجارة القديمة بين البحر الأبيض المتوسط ​​وآسيا. ومن ذلك إرسال حكومة أرض البنط (دولة قديمة تقع اليوم في شمال شرق الصومال) بعثات دبلوماسية إلى مصر منذ عام 1800 قبل الميلاد. ناهيك عن أن الدول الساحلية المطلة على البحر الأحمر، لا سيما الصومال واليمن، من أوائل الدول التي اعتنقت الإسلام. 

عزز التاريخ والدين المشتركان النظرة إلى البحر الأحمر باعتباره بوتقة تنصهر فيها الاختلافات، وليس مسرحًا تتصارع فيه القوى المتنافسة على موقع الصدارة. وانطلاقًا من تعاليم الشريعة الإسلامية، مثل مفهوم «الأمان»، أنشأت حكومات البحر الأحمر مناطق حرة للتجارة البحرية حول الموانئ، بسطت فيها مظلة حمايتها على الأجانب كافة، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين.

تاريخ

منذ 3 شهور
التاريخ الاستعماري القبيح لأوروبا.. 5 شعوب أفريقية أبادها الاستعمار الأوروبي

كانت التفاعلات الاستعمارية المبكرة بين الأوروبيين وشعوب البحر الأحمر متوافقة مع المناخ التعاوني الذي يصبغ العلاقات الدولية. ففي عام 1844 تحطمت سفينة الملازم البحري البريطاني تشارلز كروتيندن قبالة سواحل سلطنة مجرتين، التي كانت في تلك الآونة تحكم أراضي بلاد البنط المعاصرة، في شمال شرق الصومال. قضى كروتيندن عدة أسابيع ضيفًا على سلطان ماجرتين، وحضر اجتماعًا لحكام السلطنة، وأبرم معاهدات صداقة بين البريطانيين وماجرتين، ووضع نسخة بدائية من مبدأ الإنقاذ البحري، يتقاضى السلطان بموجبها مبلغًا ثابتًا مقابل تقديم الرعاية لمن تقطعت بهم السبل من الطواقم الأجنبية.

بعد عقدين من الزمن، وتحديدًا في ستينات القرن التاسع عشر، حدث تحول عميق في أسلوب معاملة المسؤولين البريطانيين للصوماليين. ففي عام 1862 كان روبرت بلايفير، نائب حاكم ميناء عدن الاستعماري، يُبحِر على امتداد الساحل نفسه، لكن هذه المرة بحثًا عن سفينة بحرية بريطانية مفقودة. عندما عثر بلايفير على السفينة هائمة دون طاقمها، قفز إلى استنتاج مفاده أن السفينة تعرضت للقرصنة بأيدي الشعوب الساحلية. لم يتوقف أمام احتمالية أن يكون الطاقم ربما ذهب ببساطة بحثًا عن منقذ بعدما تعذر عليهم إعادة تعويم السفينة. أو ربما تعرضوا للهجوم، لكن ليس بأيدي الصوماليين، لا سيما أن المجموعات القادمة من عمان كانت تغامر بدخول مياه شمال الصومال في القرن التاسع عشر.

الضربة الأولى: إذلال السلطان عثمان وتقسيم سلطنة ماجرتين

على الرغم من كل الاحتماليات البديلة استدعى بلايفير العديد من الزوارق الحربية التي جابت الساحل بحثًا عن الجناة، لكنها عادت خالية الوفاض. بعد أسابيع قليلة من تمشيط شواطئ شمال شرق الصومال ذهب القائد البريطاني إلى الشاطئ للقاء سلطان ماجرتين، وكان شابًا عديم الخبرة نسبيًا – على حد وصف الباحث – يُدعى عثمان محمود. في تناقض صارخ مع أسلوب سلفه كروتيندن، كان بلايفير صادمًا في الاجتماع، وحاصر السلطان الشاب في الزاوية: إما العثور على القراصنة الذين هاجموا السفينة البحرية البريطانية، واعتقالهم، والحكم عليهم بالإعدام، أو المخاطرة بتدمير عاصمته بقصف الزوارق الحربية البريطانية الرابضة في الأفق.

رغم كل شيء أثبتت التكتيكات الخشنة – التي اتبعها بلايفير – فعاليتها. وبالفعل قبض السلطان على الجناة، وقطع رؤوسهم في احتفالٍ مروّع على الشاطئ بحضور وفدٍ من المسؤولين البريطانيين. وقد كان للنهج الدبلوماسي القاسي الذي اتبعه بلايفير تأثير عميق على سياسة شمال شرق الصومال، وثقافة العلاقات الخارجية في المنطقة بأسرها. إذ أدت معاملة بلايفير القاسية لعثمان إلى الإضرار بمصداقية السلطان المحلية. بعد فترة وجيزة من إذلال عثمان، انفصل حاكم إقليمي يُدعى يوسف علي عن السلطنة. في تلك الآونة كان البحر الأحمر قد بات مرتعًا للمنافسة الاستعمارية؛ إذ قدمت بريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، ودول أخرى دعمًا سياسيًا لعلي، وبسطت مظلة رعايتها العسكرية فوق رأسه؛ مما مكنه من تقسيم السلطنة إلى قسمين، وإنشاء سلطنة جديدة خاصة به في جنوب ماجرتين.

Embed from Getty Images

تجربة جيبوتي.. هدوء هش يخفي توترًا عميقًا

ابتُلِي البحر الأحمر بسلسلة من الحوادث المماثلة خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وانفلت عقال المسؤولين الاستعماريين الذين زرعوا بذور الاضطرابات التي لم تزل قائمة حتى يومنا هذا. يضرب المقال على ذلك مثلًا: جيبوتي؛ وهي دولة ساحلية بحجم ولاية أيوا، وتعداد سكانها مماثل لعدد سكان ولاية ديلاوير، أصبحت تستضيف حاميات عسكرية دائمة للقوات الأمريكية، والصينية، والفرنسية، والإيطالية، والسعودية، واليابانية، فضلًا عن العديد من فرق العمل العسكرية الدولية. 

تُصَوِّر الحكومة الجيبوتية هذه التجربة على أنها قصة نجاح سلمية للعولمة؛ حيث تتجاور القوى العالمية المتنافسة بعضها إلى جانب بعض، بينما لم يزل البلد ينعم بالسلام. لكن تحت قشرة الهدوء الظاهرية لم يزل الصراع الكامن محتدمًا بقوة. إذ لا تفصل بين القواعد الأمريكية والصينية سوى خمسة أميال، وثمة تقارير تفيد بوقوع حوادث، مثل تصويب الأفراد الصينيين أشعة الليزر في أعين الطيارين العسكريين الأمريكيين.

وتكرارًا لأزمة قناة السويس أممت الحكومة الجيبوتية العام الماضي محطة حاويات دوراليه بعد خلاف مع ممولها «موانئ دبي العالمية». هذه الإرهاصات تنذر بالخطر، في ظل الصعوبات التي تواجه حكومات أخرى، تسيطر على أراضٍ أكبر، وتضم عددَ سكان أكثر من جيبوتي؛ لاحتواء النزاعات الدولية والداخلية. ناهيك عن الحرب الأهلية التي اكتوت الصومال، واليمن، والسودان، بنيرانها أكثر مما نعمت بالسلام منذ استقلالها.

كيف النجاة من مشنقة الاستعمار؟

الخيط المشترك الذي يربط حبات هذا العقد هو الاستعمار، الذي صنع عقدة مستعصية تلتف حول رقبة المنطقة حتى اليوم. في السنوات القليلة الماضية كان هناك تركيز تاريخي متجدد على تأثير الاستعمار، فضلًا عن الجهود المبذولة لإنهاء الممارسات الاستعمارية في العلاقات الدولية. وهي المقاربة التي بمقدورها سبر أغوار الصراع في المنطقة لفهم أسبابه، وصولًا إلى حل عقدته. أو هكذا يأمل الباحث. 

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: هل تستطيع فرنسا وألمانيا الفرار من شبح مذابح الاستعمار في أفريقيا؟

الخطوة الأولى التي يطرحها المقال هي: وقف التصعيد. وتاريخ البحر الأحمر خير شاهد على أن العنف يولد مزيدًا من العنف. ففي الماضي أدى العنف – الذي تعرض له السلطان عثمان على أيدي البريطانيين – إلى أعمال عنف داخل مملكته ضد مواطنيه. وأثارت قسوة بلايفير – رغم أنها لم تكن سلوكًا غريبًا في القرن التاسع عشر – سلسلة من ردود الفعل التي أدت إلى تصاعد التوترات محليًا، وتفكك نسيج الدولة. وقد حان الوقت لكسر تلك الحلقة المفرغة، حسبما يقول الباحث.

يضيف المقال: لقد حان الوقت أيضًا لإعادة النظر في التقاليد الإقليمية التي تحكم العلاقات، والقانون، والتجارة الدولية. فحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت هناك شبكة كثيفة من الاتصالات تربط بعض المنطقة ببعض، إلى جانب القوانين والعادات التجارية التي عززت نهجًا أكثر استقرارًا وسلمًا للتجارة الدولية، والعلاقات الخارجية. وهكذا كان تاريخ العلاقات الدولية في المنطقة قبل الاستعمار أكثر من مجرد نسيج ثري ورائع، بل يمكن أن تكون القصص والعادات المستخرجة من كتاب تاريخ القرن التاسع عشر شريان حياة للمنطقة المبتلاة بالحداثة الاستعمارية.

يختم الباحث مقاله بالتحذير من خطورة البديل، وهو: تفاقم الفوضى، والعسكرة، والمنافسة الدولية. ويستشهد بقول الجنرال نيك كارتر، رئيس أركان الدفاع في المملكة المتحدة عام 2018: «تتسم الساحة العالمية بالمنافسة، والمواجهة المستمرة والمتزايدة، وكأن عقارب الساعة عادت إلى الخلف لتكرر أحداث حقبة سابقة هيمنت عليها المنافسات بين القوى العظمى». في هذا السياق يشدد الكاتب على ضرورة إيجاد بنية دولية جديدة لنزع فتيل التصعيد في منطقة البحر الأحمر، ليس انطلاقًا من المصلحة الذاتية الوطنية الضيقة، ولكن تحقيقًا لرفاهية المنطقة بأسرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد