كتب تاناسيس كامبانيس، وهو صحافي وباحث في مؤسسة «سنشري فونديشن»، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والسياسية الخارجية الأمريكية، مقالًا في مجلة «فورين أفيرز» ينعى فيه السياسيين العراقيين على انشغالهم بطموحاتهم الشخصية إلى البقاء في السلطة، وتجاهلهم لسكان المخيمات من النازحين المشتبه في أنهم على صلة بداعش أو ما يُعرَفون بـ«عائلات داعش»، ويرى أن إهمال هؤلاء الناس واستمرار عزلهم عن المجتمع في المخيمات، يمكن أن يؤدي إلى إحياء «داعش» مرة أخرى وتكرار التهديد نفسه للعراق.

يستهل الباحث مقاله بمقدمة عن زعيم «داعش» أبي بكر البغدادي الذي يرى أن وفاته كانت بمثابة نهاية لمرحلة مدمرة بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الجماعة المتطرفة المعروفة أيضًا باسم «داعش».

كان البغدادي هو الخليفة الذي نصب نفسه على مساحة من العراق وسوريا بحجم بريطانيا العظمى، والتي انتزع تحالف بقيادة الولايات المتحدة آخر بقاياها منه في مارس (آذار).

وأمر زعيم «داعش» بقتل الآلاف، وأرهب الملايين خلال فترة حكمه القصيرة، لكن اغتياله لم يفعل الكثير لوقف أزمة تتجمع نذرها في الأفق، وتشكل تهديدًا مماثلًا لاستقرار العراق على الأقل.

عودة قوية أم اختفاء.. ما هو مستقبل «داعش» بعد مقتل البغدادي؟

«عائلات داعش».. تهمة واهنة

يقول كامبانيس: في أعقاب انهيار خلافة «داعش»، بقي نصف مليون من الرجال والنساء والأطفال وقد تقطعت بهم السبل في مخيمات للنازحين في العراق. يشير المسؤولون العراقيون إليهم الآن باسم «عائلات داعش»، على الرغم من أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم يعترفون بأن معظم النازحين ربما كانت صلتهم بداعش واهنة أو غير قائمة بالمرة.

غير أنه إلى أن يطلق سراح الموجودين في المخيمات، أو التعامل معهم من قبل نظام العدالة الجنائية في البلاد، يحذر الباحث من أنهم يشكلون تهديدًا متزايدًا للأمن والحكم والعدالة في جميع أنحاء العراق، وخاصة في المناطق التي ما زالت «داعش» تحظى فيها بالدعم وتثير الخوف. كلما طال أمد هؤلاء الأشخاص في وضع النسيان القانوني والمادي، زادت فرصة إحياء «داعش» في نهاية المطاف.

حالات الطوارئ المتتابعة تؤجل الحل

يتابع المقال: لسوء الحظ، هناك دائمًا حالة طوارئ أكثر إلحاحًا يتعين على الحكومة العراقية معالجتها. في الوقت الحالي، تطالب حركة احتجاج وطنية بحكومة جديدة في بغداد، ووضع حد للفساد المستشري. وفي العام الماضي، أثار الغضب الشعبي بسبب مياه الشرب السامة اضطرابات في البصرة.

الطريق إلى المنطقة الخضراء

وقبل ذلك كانت هناك حاجة ملحة لهزيمة «داعش». مع حدوث الكثير من الأخطاء الأخرى، ليس لدى بغداد حافز للتعامل مع مئات الآلاف من السنة النازحين من مناطق «داعش»، ما لم يصبح هؤلاء النازحون حالة طارئة أيضًا، وفقًا لما يذكره كامبانيس.

صحراء التطهير.. منطقة رمادية بين المدنيين والمشتبه بهم

كتب الكثير عن أنصار «داعش» المتشددين المحتجزين في مخيمات الهول ومخيمات أخرى عبر الحدود في شرق سوريا؛ المقاتلين المتعصبين، والمروجين الدعائيين، والمتطوعين الأجانب الذين سافروا آلاف الأميال للانضمام إلى الجماعة الإرهابية. ولم يوجه سوى اهتمام أقل إلى الفئة الغامضة من المدنيين الذين تقطعت بهم السبل في المخيمات العراقية، على الرغم من أن أعدادهم تتجاوز بكثير عدد المعتقلين السوريين.

وبحسب الكاتب، فإن ل«عائلات داعش» طابعًا محليًّا، ومعظمها من المناطق الريفية في غرب والعراق وشمال غربه. العديد منهم فروا أو أجبروا على الذهاب إلى المخيمات خلال السنوات الأولى من سيطرة «داعش» على الأراضي، والتي بلغت ذروتها بالاستيلاء على الموصل عام 2014. وانتهى الأمر بالباقين في مخيمات بعد أن استعادت الحكومة الأراضي من «داعش» عام 2017.

وفي أثناء القتال وفي أعقابه مباشرة، حولت الحكومة العراقية والميليشيات المتحالفة معها مقاتلي داعش المعروفين والمجرمين إلى النظام القضائي، أو إلى مرافق الاحتجاز، وبعضها كان يعمل بصورة سرية.

أُعدم الآلاف من أعضاء «داعش» والأعضاء المشتبه بهم خلال هذه الفترة. «عائلات داعش» هي ما بقي بعد هذا الفرز الأول. وهم يحتلون منطقة رمادية بين المدنيين والمشتبه بهم، وسيؤدي فحص سجلاتهم الشخصية على الوجه الصحيح إلى استهلاك جهد وموارد. وفي غياب كليهما، أمضوا ما يتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات في المطهر الصحراوي.

القشة التي قد تقصم ظهر العراق 

يتمنى بعض المسؤولين العراقيين أن يتمكنوا من البدء في معالجة النازحين، حتى يتمكنوا من إعادة الأشخاص الأبرياء إلى ديارهم ومحاكمة المشتبه بهم المتبقين من «داعش». غير أن هؤلاء المسؤولين يفتقرون إلى القدرة على أن يحددوا بأي صورة مهما كانت سطحية أيًّا من النازحين يمثلون تهديدًا أمنيًّا.

نجح محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان العراقي، في الدفع من أجل السماح لأكثر من عشرة آلاف عائلة نازحة بالعودة إلى ديارهم، بدءًا من شهر أغسطس (آب)، لكن فحص السجلات الشخصية للنازحين كان في أفضل الأحوال سطحيًّا.

يعد الحلبوسي أحد كبار المسؤولين القلائل الذين دافعوا عن هذه الفئة من السكان الذين يحيون في عالم النسيان؛ إذ وصفت جهوده لإعادة دمج النازحين في المجتمع بأنها «سباق مع الزمن»، والقشة التي يمكن أن تقصم ظهر البعير بالنسبة للعراق في كفاحه طويل الأجل ضد التطرف.

على خطى «جوانتانامو».. مجرد الاشتباه يكفي لمعاقبة العائلات

ويرى الكاتب أن معظم المسؤولين العراقيين غير مهتمين بالتعامل مع «عائلات داعش»، إذ يركز هؤلاء المسؤولون على البقاء في السلطة، وإذا ما تحدثوا عن الحكم على الإطلاق، فإنهم يقولون إنهم يريدون إعطاء الأولوية لمساعدة أولئك الذين قاتلوا «داعش» أو عاشوا تحت حكمها الوحشي، لكنهم ما زالوا يفتقرون إلى الخدمات الأساسية والحقوق.

إنهم ببساطة لا يريدون إهدار أي موارد على سكان يرون أنهم مشتبه بهم، ويفضلون تركهم عالقين؛ حتى يكونوا مثالًا للآخرين الذين قد يفكرون في الانضمام إلى تجسيد مستقبلي لداعش. قال لي أحد المستشارين الرئاسيين «لقد أوضحتم لنا الطريق في خليج جوانتانامو». وأضاف «لماذا يجب أن نكون نحن مختلفين؟».

تأجيل الحل وصناعة الخطر

ووفقًا للمقال، تعيش غالبية «عائلات داعش»، التي تشكل ما يقارب الثلث من بين 1.5 مليون نازح حاليًّا في العراق، في مخيمات صحراوية بدائية تمتد في قوس من الفلوجة إلى الموصل، ولا يوجد في المخيمات مدارس أو مستشفيات، ولا يملك سكانها أوراق هوية.

Embed from Getty Images

من الناحية الفنية، فإن النازحين ليسوا محتجزين، لكن يُحظر عليهم العمل، ولا يمكنهم التحرك كما يحلو لهم. لم تتهمهم الحكومة العراقية بارتكاب أي جرائم، لكنها أيضًا لم تعلن أنهم أبرياء.

ويقدر علي أكرم البياتي، وهو عضو اللجنة العراقية العليا لحقوق الإنسان، أن 90% من النازحين الذين هم موضع اشتباه لصلاتهم المحتملة بداعش لا يشكلون أي تهديد لأي شخص. وقال البياتي: «من غير العملي عزل هذا العدد أو إرساله إلى السجن. نحن فقط نؤجل الحل».

يتابع الكاتب: عندما زرت مخيمًا للنازحين خارج الفلوجة في سبتمبر (أيلول)، قال لي رب أسرة كبيرة تعيش هناك: «نحن مسجونون هنا، ونحن على قيد الحياة، لمجرد أننا سنة». وقال الرجل الذي طلب مني عدم نشر اسمه خوفًا من العقوبة، إنه اعتاد أن يكون مسؤولًا محليًّا في معقل «داعش» في جرف الصخر.

اختطفت الميليشيات ابنه منذ أربع سنوات، ولم يسمع عنه منذ ذلك الحين. واحتجز الرجل هو الآخر، لكن السلطات العراقية لم تستطع توجيه أي اتهامات ضده، لذلك أُطلق سراحه في أغسطس، وسمح له بالانضمام إلى بقية أفراد أسرته في المخيم الصحراوي، حيث كانوا يعيشون منذ ما يقرب من خمس سنوات. وتساءل «أي أمل بقي لدينا؟ هل من المفترض أن نظل هنا إلى الأبد؟».

في خدمة الطموحات السياسية

في الوقت الحالي، يبدو أن هذه هي الخطة الفعلية للحكومة العراقية، كما يرى الكاتب؛ فإهمال «عائلات داعش» يخدم المصالح السياسية لبعض المسؤولين العراقيين على الأقل.

وخلال زيارة الكاتب مخيمًا آخر بجانب بحيرة الحبانية في محافظة الأنبار منذ حوالي عام، طالبت مجموعة من الشباب الذين تحدث إليهم بالعودة إلى جرف الصخر، وهي مدينة سنية استولت عليها ميليشيا شيعية تابعة لإحدى الفصائل المتحالفة مع الحكومة وأعلنتها منطقة عسكرية مغلقة، وعندما عاد إلى المخيم في أواخر سبتمبر، كان الرجال أنفسهم يطالبون بأقل من ذلك بكثير، مثل حرية عملهم عمالًا باليومية خارج المخيم، وتحسين وسائل الراحة مثل الكهرباء، والتحاق أطفالهم بالمدارس.

لا تكاد تشكل معظم «عائلات داعش» النازحة أي تهديد اليوم، لكن الاستمرار في احتجازهم في عزلة يمكن أن يحولهم بسهولة إلى تهديد مستقبلي هائل. إن المخيمات المكتظة والمعزولة عن المجتمع، هي أرض خصبة لتلقين تعاليم «داعش».

وأولئك الذين لا يتعاطفون مع «داعش» يخاطرون بأن يصبحوا ضحية من قبل الجماعة، وهي ديناميكية يمكن أن تتزايد بمرور الوقت لتمثل تحديًا آخر لشرعية الحكومة.

دور الولايات المتحدة وحلفائها

لمنع هذه الأزمة البطيئة الاشتعال من الانفجار والتسبب في حالة طوارئ كاملة، ينصح المقال الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين بأن يلفتوا أنظار العراقيين إلى أنهم يعدون «عائلات داعش» أولوية إنسانية وأولوية مكافحة إرهاب كبرى، وهو من شأنه أن يعطي دفعة سياسية للمسؤولين العراقيين من أمثال الحلبوسي، الذين يلتزمون بتقليص عدد المعتقلين.

يجب على الولايات المتحدة وحلفائها أيضًا إتاحة موارد إضافية لتغطية تكلفة فحص السجلات الشخصية «لعائلات داعش»، والتعامل معهم في أسرع وقت ممكن. ويجب أن يتضمن جزء من هذا الجهد الإشراف على العملية؛ لضمان وصول الأموال المخصصة لإعادة التوطين فعليًّا إلى من يعودون إلى ديارهم، وعدم اختلاسها من قبل مسؤولين فاسدين.

تحتاج الحكومة العراقية إلى محامين ومحققين وخبراء آخرين، يمكنهم المساعدة في تقييم وضع محتجزي «المنطقة الرمادية» وتوثيقه. بدعم مالي وتقني من المجتمع الدولي، يجب أن يكون العراقيون قادرين على إطلاق سراح غالبية «عائلات داعش» في غضون عام.

قد يستغرق تقييم الحالات التي تكون موضع خلاف، والتي يوجد فيها دليل على وجود «داعش» وقتًا أطول. يمكن أن تنشأ تعقيدات أيضًا عندما يواجه أشخاص نازحون خطر العنف عند عودتهم إلى ديارهم، إما من «داعش»، وإما بسبب وجود علاقة متصورة معها.

مشكلة أمنية سياسية أم طائفية؟

وختم الكاتب بالقول: «ألقى بعض النازحين الذين أجريت معهم مقابلات باللائمة على الطائفية في مأزقهم؛ إذ يصورون أنفسهم في صورة ضحايا سنة لحكومة يهيمن عليها الشيعة. غير أنه من المشجع أن الكثيرين يفهمون مشكلتهم على أنها مسألة تتعلق بالأمن والسياسة وليس الهوية الطائفية. وعلى أي حال، عانت المناطق ذات الأغلبية السنية من وطأة عنف داعش».

ومكنت عمليات المصالحة المحلية في بعض المناطق الأشخاص الذين كانت تربطهم صلات بتنظيم الدولة الإسلامية، لكنهم لم يرتكبوا جرائم، من العودة إلى ديارهم. هناك حاجة إلى عملية مصالحة أكثر منهجية في العراق لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل. قبل أن تبدأ عملية التئام الجراح هذه، يجب على العراق إغلاق المخيمات وإرسال أكبر عدد ممكن من سكانها إلى ديارهم.

الاختفاء القسري في بلاد الرافدين.. قصص آلاف العراقيين الذين ذهبوا وراء الشمس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد