نشرت مجلة «نيولاينز» الأمريكية مقالًا لكمران بخاري، الكاتب والباحث في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية، ناقش فيه إمكانية وقوع مواجهة عسكرية بين إيران وتركيا، لا سيما بعد أن بدأت أنقرة إعادة توجيه أنظارها نحو الشرق الأوسط.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن في 16 فبراير (شباط) الماضي أن بلاده ستوسع نطاق عملياتها عبر الحدود ضد المسلحين الأكراد في العراق بعد إعدام 13 مواطنًا تركيًّا مُختطَفًا. وفي أثناء حديثه أمام تجمع لأنصار حزبه الحاكم، حزب العدالة والتنمية، قال أردوغان: «سنبقى مرابطين في المناطق التي نؤمِّنَها طالما كان ذلك ضروريًّا لتفادي وقوع هجمات مماثلة مرةً أخرى».

تهديدات بشن هجوم

جاء هذا التصريح بعد مرور يومين على تهديد صدر من مليشيات عراقية مدعومة من إيران بالهجوم على القوات العسكرية التركية في شمال العراق. وحذَّرت حركة حزب الله النجباء، وهي ميليشيا شيعية قوية مُدمجَة في جهاز أمن الدولة العراقي، قائلة: «إذا استمرت الحكومة في التزام الصمت، فسيواجه الشعب العراقي والمقاومة المحتلين وسنتخذ موقفًا حاسمًا ضدهم». ويُظهِر هذا الصراع بين تركيا وإيران في شمال العراق تصاعدًا في اندلاع حرب باردة بين مركزي القوة الإقليميين.

عربي

منذ شهرين
«ميدل إيست آي» يكشف كيف عزز الكاظمي سيطرته على الأجهزة الأمنية العراقية

وعلى الرغم من أن تركيا وإيران ربما يُبديان تعاونًا أكثر من المنافسة، إلا أن المواجهة بينهما باتت محتومة، خاصةً وأن طهران تكاد تكون قد انتصرت في صراع دام 40 عامًا مع المملكة العربية السعودية. وبينما لم تتمكن السعودية من إظهار مقاومة شديدة، نظرًا لأن إيران كانت تؤسس لدائرة نفوذها في المنطقة منذ عام 1979، ستمر طهران بأوقاتٍ عصيبة للغاية في الدفاع عن هذه المنطقة وهذا النفوذ ضد تركيا التي تزداد ثقةً بنفسها.

وفي الوقت الحالي، يقطع الإيرانيون الطريق التركي المؤدي إلى العالم العربي، ولكن أنقرة تتمتع بقوة صامدة أكثر من طهران. وسوف يحدد هذا الصراع بين تركيا وإيران مصير المنطقة لمدة طويلة مقبلة، لا سيما لأن مصالح الولايات المتحدة وتركيا تتلاقى عندما يتعلق الأمر بدحر النفوذ الإيراني في المنطقة.

فراغ إستراتيجي

ويضيف الكاتب: عانت الدول العربية طويلًا من مرض عضال متوطن، وأدَّت أحداث الربيع العربي في عام 2011 إلى تفاقم هذه الحالة؛ ما أحدث فراغًا إستراتيجيًّا في المنطقة. ونظرًا لاستفادة النظام الديني في إيران أيما استفادة من تحرُّك الولايات المتحدة لإحداث تغيير النظام العراقي في عام 2003، تمكَّن هذا النظام الإيراني من تعزيز موقفه الإقليمي من خلال استغلال عملية انهيار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، ما أدَّى إلى تفاقم الأزمة التي تعاني منها القيادة السعودية مسبقًا. ومع ذلك، وقبل وقتٍ طويلٍ من حدوث مزيد من الانفتاح بسبب انهيار أنظمة عربية استبدادية، كان الإيرانيون يستغلون اثنين من القوى المحركة القديمة.

Embed from Getty Images

القوة المحركة الأولى هي ظاهرة الجهادية الشائعة، التي حظيت بقدرٍ بالغ من الاهتمام منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول). والقوة المحركة الثانية، التي تتمتع بأهمية أكبر، هي الطائفية الجغرافية، بحسب الكاتب. إنها الصراع السني الشيعي من المنظور الجيوسياسي (على عكس المنظور الديني)، حيث تتصرف هاتان الطائفتان باعتبارهما معسكري هوية عابرَيْن للحدود. ومن المثير للدهشة أن الطائفية الجغرافية حظيت باهتمام أقل بكثير على الرغم من تاريخها الطويل.

لقد بدأ الصراع بين السنة والشيعية في القرن العاشر، عندما ضعُفَت السلطة السنية المركزية التي كانت تحتكر كثيرًا من الجغرافيا الإسلامية. وأدَّى تراجع السيطرة العباسيَّة على مقاليد الأمور إلى تمكين الموجة الأولى من الصعود الجيوسياسي للشيعة. واستعاد السُنَّة في أواخر القرن الحادي عشر مرورًا بأوائل القرن الثالث عشر مكانتهم وتقلَّصت قوة الشيعة. وكانت التقلبات بين الهيمنة السنية والشيعية تحدث بصورة دورية، إذ كانا يتبادلان الأدوار كل 500 عام.

تداعيات اضمحلال مراكز القوى التقليدية

ويمضي الكاتب قائلًا: في الحقيقة، عندما اندلعت انتفاضات الربيع العربي، كانت إيران في وضع جيد يسمح لها أن تستفيد من اضمحلال مراكز القوى التقليدية في المنطقة؛ حيث مكَّنت الفوضى التي أعقبت ذلك الإيرانيين من توسيع نطاق وجودهم الجيوسياسي من أرض الشام وبلاد ما وراء النهرين وصولًا إلى شبه الجزيرة العربية. ولعلَّ اليمن خير مثال على ذلك: حيث نقلت جماعة الحوثيين التي تحتضنها إيران الحربَ الطائفية الجغرافية إلى قلب السعودية، وهو ما لم يفعله وكلاء طهران في البحرين، والعراق، وسوريا.

العالم والاقتصاد

منذ 11 شهر
ما الذي تتنافس عليه تركيا وإيران في آسيا الوسطى؟

وعلى الرغم من تحقيق كل هذه المكاسب، تواجه إيران، شأنها شأن كل القوى، قيودًا تُحِد من قدرتها على توسيع نفوذها الإقليمي. غير أن النقطة الحاسمة هنا هي عدم وجود قوى موازية في العالم العربي يمكنها طرد طهران من المناطق التي تهيمن عليها بالفعل بالوكالة، وهذه المناطق هي (العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن). وتمكَّنت إيران من إحراز تقدم عميق في البداية نظرًا لعدم وجود ما يمنعها من خوض عمليات التوسع الإقليمي.

ومع ذلك، كانت الانتفاضة التي اندلعت في سوريا تمثل تهديدًا كبيرًا على خطط إيران الإستراتيجية. وكانت الإطاحة بنظام الأسد بمثابة إحداث فجوة خطيرة في منطقة نفوذ إيران المتصلة جغرافيًّا، والتي تمتد غربًا من جبال زاجروس إلى شرق البحر المتوسط. وقد تنقطع صلة إيران بأهم وكلائها الإقليميين، وهو حزب الله في لبنان، بالإضافة إلى أن ساحة المعركة السورية التي يهيمن عليها المعارضة المسلحة السنية هدَّدت النظام الشيعي الهش الموالي لإيران في العراق. وبالنسبة للنظام الإيراني، كان هذا بمثابة سيناريو شبيه بيوم الحساب، إذ قضى على ما يزيد عن 30 عامًا من الجهود التي بذلها في مجال السياسة الخارجية.

قدرات استخباراتية وعسكرية

وأردف الكاتب قائلًا: وبذلك أجرى الإيرانيون استثمارات ضخمة في جهودهم الرامية إلى الحفاظ على نظام الأسد. ونظرًا لأن قدراتهم الاستخباراتية والعسكرية كانت أفضل بكثير من القدرات الاستخباراتية والعسكرية في السعودية، ولأن الجيش السوري أثبت أنه أكثر فعالية من المتمردين، استطاعت الجمهورية الإيرانية التغلب على التهديد المباشر لخططها الإقليمية.

Embed from Getty Images

وتمثَّل العامل الحاسم الذي صبَّ في مصلحة إيران في أن الجانب السني في معادلة الطائفية الجغرافية أصبح أكثر انقسامًا من أي وقتٍ مضى. ولكنَّ لم يكن لدى السعوديين احتكار لأي نفوذ في العالم العربي على الإطلاق، كما أدَّت الانتفاضة التي اندلعت في سوريا إلى ظهور تنظيم «داعش»، الذي أصبح يشكل تحديًا على السعوديين أكبر كثيرًا من التحدي الذي شكَّله تنظيم القاعدة.

وتمكن «داعش» من استغلال صراع الطائفية الجغرافية بين السعوديين والإيرانيين لصالحه. وكلما زاد دعم السعوديين للانتفاضة المناهضة للأسد في سوريا، ازدادت تغذية إيران للوحش الـ«داعشي». وعلى عكس منافسيهم الإيرانيين، كان أداء السعوديين ضعيفًا فيما يتعلق بأساليب التجسس في الحرب بالوكالة. وبالإضافة إلى ذلك، فقدت الفصائل التي يدعمها السعوديون أرضًا لصالح كلٍ من تنظيمي «داعش» والقاعدة.

فرصة عظيمة

ويرى الكاتب أن الأتراك أدركوا أن أحداث الربيع العربي فرصة لإعادة ترسيخ أقدامهم في مناطقهم القديمة المفضَّلة. وتحقيقًا لهذه الغاية، تحاول تركيا استغلال أزمة القيادة السعودية. وحلَّ الصراع بين إيران وتركيا، وهما الدولتان المتنافستان اللتان تتمتعان بتاريخ طويل في المنطقة، محل الصراع بين السعودية وإيران.

ومع أن قطر هي الحليف العربي الوحيد لأنقرة، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين كانت الأداة الرئيسة لتركيا. وفي السنوات الأولى التي أعقبت انتفاضات الربيع العربي، كانت تركيا تأمل في أن يظهر الإخوان المسلمون باعتبارهم بديلًا للأنظمة العربية. وكان صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في تونس ومصر مُشجعًا لأنقرة؛ ومع ذلك، لم يَدُمْ ذلك التفاؤل طويلًا، إذ أطاح انقلاب عام 2013 بحكومة الإخوان المسلمين في غضون عام من تولِّيها مقاليد الحكم.

وفي الوقت الذي لم يتمكنوا فيه من إحراز نجاح ضد إيران في سوريا، استطاع السعوديون والإماراتيون وقف جهود تركيا الرامية إلى توسيع نفوذها من خلال الإخوان المسلمين. ولم تكن تركيا مستعدة، في نواحٍ كثيرة، للاستفادة من أحداث الربيع العربي على صعيد إقليمي؛ لأنها كانت خارج لعبة الشرق الأوسط لمدة قرن تقريبًا. ومنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وحتى صعود نظام أردوغان، كان الأتراك يركزون على أن يكونوا قوة غربية. وعندما جاء أردوغان الذي ينتمي لحزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية إلى السلطة، أعادت تركيا توجيه تركيز سياستها الخارجية صوب الشرق الأوسط.

دوافع التحول

ولفت التقرير إلى أن هذا التحول كانت دوافعه أيديولوجية وجيوسياسية بالقدر نفسه. وأدركت تركيا أنها لن تحصل على عضوية الاتحاد الأوروبي بعد عقود من السعي دون جدوى، بالإضافة إلى أن هذه العضوية لم تعد مغنمًا. وكانت تركيا تحاول إثبات نفسها بوصفها قوة إقليمية ولم تعُد ترضى عن اختزال وجودها في التصرف بصفتها عضوًا في حلف الناتو. وتتجه أنقرة على نحو متزايد نحو تبني سياسة خارجية أحادية الجانب، والشرق الأوسط هي المنطقة الوحيدة التي يُمكن أن تُنفذ فيها هذه الأجندة.

Embed from Getty Images

ومع أن تركيا هي أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في الشرق الأوسط، لكنها تُواجه عدة عقبات في سبيل النهوض على المستوى الجيوسياسي. وربما تكون العقبة الأصعب عقبة داخلية، إذ يُواجه حزب «العدالة والتنمية» الحاكم عدة تحديات، بدأت مع المؤسسة العسكرية ذات الأيديولوجية الكمالية، والتي تمكَّن الحزب الحاكم من إخضاعها بمساعدة «حركة جولن». لكن لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ الخلاف بين «العدالة والتنمية» وأنصار جولن، وقد تُوِّج هذا الخلاف بانقلاب عام 2016 الفاشل، الذي أدَّى إلى تمكين أردوغان من إحكام قبضته على السلطة. 

تحديات تركيا

ويُشير التقرير إلى أن انحراف تركيا نحو الاستبداد أدَّى إلى إضعاف «العدالة والتنمية»، كما يتضح في نتائج انتخابات البلدية الأخيرة، إذ فقد الحزب الحاكم السيطرة على مجالس البلديات في أنقرة وإسطنبول وأنطاليا. ويبدو أن الاقتصاد التركي في طريقه إلى الانحدار كذلك بعد سنوات من النمو الاقتصادي في عهد «العدالة والتنمية». وفي الوقت نفسه، تُقيِّد أزمة الانفصال الكردية القديمة تركيا من وجهة نظر السياسة الداخلية والخارجية. إلى جانب خلاف تركيا مع الولايات المتحدة وروسيا إزاء السياسة التركية في سوريا.

لكن حتى لو أدَّت هذه العوامل الداخلية إلى تقييد طموح تركيا بأن تصبح قوة عظمى، فلا يمكنها أن تتجنب التورُّط في الصراع القائم على حدودها الجنوبية. إذ أصبحت تركيا بالفعل موطنًا لنحو 3 ملايين لاجئ سوري. وتخشى تركيا من أن يُؤدي تنامي نفوذ الأكراد السوريين، بعد دورهم الرائد في تفكيك دولة الخلافة لتنظيم «داعش»، إلى تحفيز نشاط داخلي للأكراد.

ونوَّه التقرير إلى أن هناك دوافع كثيرة تُحتِّم على تركيا مضاعفة وجودها العسكري في سوريا. والذي يهدف أولًا إلى منع حصول الأكراد السوريين على الحكم الذاتي. وفي هذا السياق، تحاول أنقرة التوحيد بين مختلف فصائل المعارضة المسلحة التي تدعمها لتشكيل قوة متماسكة واحدة، قادرة على إضعاف السيطرة الكردية على المناطق التي كانت تسيطر عليها «داعش». وستحاول تركيا تغيير طبيعة النظام السوري، خاصةً مع زعم البعض أنه يتجه نحو الانهيار الكامل.

مواجهة مباشرة

يؤكد الكاتب على أن إيران أنقذت النظام السوري من الثورة، لكن مع مرور الوقت، أصبح نظام الأسد مجرد ظل لصورته السابقة، وأصبحت سوريا مفككة وليست دولة حقيقية. وفي ظل هذا الوضع الراهن، الذي لا يُمكن تحمُّله، يفتقر الإيرانيون إلى الخيارات. وفي الوقت نفسه، تُصر تركيا على ملء الفراغ المتزايد على حدودها الجنوبية.

وتُدرك إيران أن المسألة لا تعْدُو مسألة وقت قبل أن تُشكِّل تركيا تهديدًا خطيرًا لما حققته طهران في المنطقة منذ ثمانينات القرن الماضي. وكانت آخر مرة، خاضت فيه القوتان منافسة جيوسياسية، عندما سيطرت تركيا على العراق، وسوريا. أما الوضع الراهن فهو انعكاس غير مسبوق للأقدار. لذلك، يسعى الإيرانيون إلى تثبيت أنفسهم قدر الإمكان لأن هذه الفرصة قد لا تأتي مجددًا إلا بعد قرون.

وأكدَّ التقرير أن هذه العوامل تضع تركيا مباشرةً في مواجهة مع إيران. وتُدرك طهران أنه إذا كان هناك ثمة جهة واحدة قد تُشكِّل تهديدًا لمصالحها، فهي أنقرة. ومن وجهة النظر الإستراتيجية الإيرانية، يُعد الوضع الحالي لحظة تاريخية فريدة. ولأول مرة منذ أوائل القرن السابع، تبسط الفرس هيمنتها على بلاد ما وراء النهرين والشام. 

حارس الشيعة مقابل نصير السنة

وأبرز التقرير أن إيران لديها قرابة 30 عامًا من السبق في إبراز نفوذها في العالم العربي، بينما يظل الأتراك يكافحون في الحدود الشمالية لسوريا. لكن لا يمكن لإيران أن تعتقد أن هذا الوضع سيظل قائمًا لأن تركيا قوية وتطمح أن يتنامى نفوذها في المنطقة. ولذلك، يُعد الموقف الإيراني في سوريا شديد الضعف. وهذا يعني أن إيران يجب أن تبذل قصارى جهدها للحد من قدرة تركيا على الحصول على موطئ قدم في هذه البلاد.

Embed from Getty Images

في المقابل، يتعين على تركيا، لكي تُصبح طرفًا فاعلًا على المستوى الإقليمي، كسر الحصار الإيراني المفروض في العراق وسوريا. ومثل طهران، ترى أنقرة الفراغ الناجم عن انهيار الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، فرصة لتعزيز طموحاتها الإستراتيجية. وصحيحٌ أن تركيا وإيران يتعاملان بلطف مع بعضهما حاليًا، لكنها أوقات عابرة مؤقتة: إذ ستؤدي أولوياتهم الخاصة إلى الاصطدام لا محالة. وبينما تعتقد إيران أنها حارس المصالح الشيعية وطليعة «محور المقاومة» في المنطقة، تعتقد تركيا أنها نصير المسلمين السنة.

ويستطرد كاتب التقرير قائلًا: لا تحاول تركيا التوغُّل في أرض الشام وبلاد ما وراء النهرين فحسب، بل تحاول شق طريقها لتمديد نفوذها في الفراغ الإستراتيجي الموجود في ليبيا. لكنه هدف بعيد المنال حاليًا، في ظل منافسة روسيا، والإمارات، ومصر، لها في هذا الميدان. وقريبًا، ستصبح ليبيا مركزًا عسكريًّا تركيًّا خارجيًّا في البحر الأبيض المتوسط، وسيكون المسرح الرئيس لأنشطة تركيا هي حدودها البرية مع العالم العربي والمواقع، التي لا تستطيع تجنب الصراع فيها مع إيران، خاصة مع تراجع النفوذ الروسي بسبب القيود المالية المتزايدة.

ساحة جديدة للمواجهة بين طهران وأنقرة

وفي حين أن المسرح الرئيس للصراع الجيوسياسي بين تركيا وإيران سيكون أرض الشام، ظهرت ساحة معركة جديدة وغير متوقعة تنخرط فيها القوتان، وهي الحرب التي اندلعت في 2020 بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناجورنو كاراباخ، والتي أثبتت أنها نقطة تحول. ومع إدراك الأتراك للضعف الروسي، رأوا فجوة واستغلوها من خلال الدعم القوي لعمليات أذربيجان العسكرية، التي أدَّت إلى استرداد أذربيجان مساحات شاسعة من أراضيها التي استولت عليها أرمينيا في أوائل تسعينات القرن الماضي. وفي هذا النزاع، عدم قدرة روسيا على منع تركيا من إحداث هذا التغيير في ميزان القوى في جنوب القوقاز يُشير إلى إصرار تركيا على توسيع نطاق نفوذها عبر منطقة جغرافية كبيرة.

وشدَّد كاتب التقرير على أن المكاسب الإقليمية التي حققتها أذربيجان أثبتت حقيقتين جديدتين، أولًا: تمتلك تركيا حاليًا ممرًا بريًّا يمتد من إقليم ناخيتشيفان مرورًا بناجورنو كاراباخ ويصل إلى البر الرئيس لأذربيجان وما وراءه إلى بحر قزوين وآسيا الوسطى. ثانيًا: وهو الأهم، أن أذربيجان لديها حاليًا حدود أطول مع إيران، وهو ما يُمثل تهديدًا كبيرًا لطهران بسبب الأقلية الأذربيجانية العِرقية المضطربة، خاصة في ظل تعرض إيران لضغوط كبيرة على عدة جبهات.

ويُمكن أن تدل تغريدة وزير الخارجية الإيراني في 11 ديسمبر (كانون الأول)، والذي انتقد فيها أردوغان بشدة بسبب أبيات من الشعر ألقاها الرئيس التركي تتحدث عن تقسيم أراضي أذربيجان بين روسيا وإيران في القرن التاسع عشر، على حجم التهديد الذي تستشعره إيران. إذ كتب جواد ظريف «ألم يُبلِغوا أردوغان بأن القصيدة، التي أسَاءَ في ترديدها في باكو، تُشير إلى الانفصال القسري لمناطق في شمال آراس عن وطنها الأم إيران. ولا يمكن لأحد التحدث عن أذربيجان العزيزة». ونظرًا للعلاقات الوثيقة التي تربط بين تركيا وإيران، تُعد تغريدة ظريف بمثابة تحوُّل ملحوظ في مضمون العلاقات الثنائية.

تحوُّل ملحوظ

وبالفعل، أظهرت بعض تقارير وسائل الإعلام أن تصريحات أردوغان كانت عدائية جدًّا. ومن الواضح أن طهران تخشى أن تؤدي نتيجة حرب أذربيجان وأرمينيا في 2020 إلى إثارة النزعة الانفصالية لدى الأقلية الأذربيجانية في إيران. واستدعت الخارجية الإيرانية أيضًا السفير التركي، وأبلغته أن «عهد المطالبات الإقليمية والإمبراطوريات المتحاربة والتوسعية قد ولى. وأن إيران لا تسمح لأحد بالتدخل في وحدة أراضيها». 

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«جيروزاليم ب.»: رغم أهدافهم المختلفة.. لماذا تتحد تركيا وإيران وروسيا في سوريا؟

وخلُص التقرير إلى أن شعور إيران بعدم الأمان ينبع من فشل أسلوبها الجغرافي الطائفي في أذربيجان. ومع أن أذربيجان دولة ذات أغلبية شيعية، لكن طابعها العلماني كبح جماح الجهود الإيرانية لتوسيع نفوذها. ومع ذلك، يجب ألا تقلق إيران من تركيا بشأن حدودها الغربية فحسب، بل شمالًا أيضًا، بعدما أصبحت علاقات أنقرة وأذربيجان قائمة على أسس قوية.

مواجهة ليست وشيكة لكنها حتمية

بيد أن ما يُثير الاهتمام في كل هذا، أن كلا الطرفين لا يَسعَيان إلى اندلاع صراع، لكن أهداف كل منهما، والتي تكونت عبر محيط جغرافي مشترك، تدفعهُما نحو صراع أكبر. وإذا ظل جنوب القوقاز ساحة فرعية بالنسبة لإيران وتركيا لأن دول المنطقة لا تزال قوية، فستكون العراق وسوريا الممزقتان ساحة المعركة الرئيسة بين تركيا وإيران في السنوات المقبلة.

Embed from Getty Images

ولا تُظهِر العلاقة الراهنة بين تركيا وإيران المنافسة المتنامية، بل تُرسَّخ دعائم التحالف التركي الإيراني من خلال المبادرات الدبلوماسية والاتفاقيات الثنائية ودعم بعض الحلفاء في مواجهة خصوم مشتركين. وهذا يُفسِّر ما يستند إليه بعض المطَّلعين في حديثهم عن تشكيل محور تركيا، وإيران، وقطر مقابل الكتلة التي تضم السعودية والإمارات، وإسرائيل، ومصر.

وفي الختام، ذكر التقرير أن الدوائر السياسية تناقش كثيرًا الحاجة إلى دحر النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن مَنْ سيقود هذه الجهود، إذ لن تخرج إيران وعملاؤها من العالم العربي دون تدخل قوة خارجية. ولا تريد الولايات المتحدة، بالتأكيد، الالتزام بحملة عسكرية أخرى في الشرق الأوسط. ولا تهتم إسرائيل سوى بالتأكد من أن الإيرانيين لن يُهددوا الدولة اليهودية. وهذا يعني أن تركيا هي المنوطة بهذا الدور، باعتبارها القوة الوحيدة التي لديها النية والقدرة على مواجهة الإيرانيين. وربما لن يحدث هذا الأمر قريبًا، لكنه أمر محتوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد