لم يسلم الحرس الثوري في إيران من الانتقادات المحلية والخارجية، ومحاولات الضغط المختلفة التي تبذلها الولايات المتحدة من خلال فرض العقوبات، لكنَّ الفيضانات التي عصفت بإقليم خوزستان مؤخرًا كشفت عن مدى تعقيد الدور الذي تضطلع به قوات الحرس ومتطوعوه في الجمهورية الإيرانية، وصعَّبت أكثر مسألة الحكم على أدائه وسلطته المتزايدة، بحسب تقريرٍ نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن جهود الإنقاذ.

«واشنطن بوست»: ضغوط على أمريكا للعودة إلى الاتفاق النووي.. لكن ما موقف إيران؟

الهبوب لنجدة خوزستان

أشارت الصحيفة إلى أنَّه في الأسبوع الذي صنفت فيه حكومة ترامب الحرس الثوري الإيراني بأنَّه منظمةٌ إرهابية، أظهر متطوعون من قوات النخبة جانبًا مختلفًا منهم عندما تجمعوا في إقليم خوزستان الريفي لتقديم العون لضحايا الفيضانات الأخيرة.

من هؤلاء كان عباس بارساي، الذي يدير مركزًا طبيًا في مدينة مشهد الإيرانية. بحسب التقرير، سافر بارساي أكثر من ألف كيلومتر عبر إيران للوصول إلى إحدى القرى المنكوبة، ومشاركة العشرات من الحرس الثوري في حفر الخنادق وتوصيل المعونات للعائلات المحتاجة.

صرح بارساي لصحيفة «فايننشال تايمز» عن جهوده مع الحرس، وهو يلف طرود الطعام: «نُحضِّر الإفطار والغداء والعشاء لأكثر من 600 شخص، ثم ننقله بالقارب لقرى غمرتها المياه». وفي هذا بارساي مثله مثل ما يقارب 10 ملايين متطوع في الحرس الثوري لا يتلقى أجرًا على جهوده.

وأضاف: «ما لا يفهمه ترامب هو أنَّ النقود ليست جزءًا من أيديولوجيتي. ما يُبقى الثورة على قيد الحياة هو دعم مؤيديها».

وترى الصحيفة أنَّ الدور القيادي للحرس الثوري في عمليات إغاثة المتضررين في تلك الفيضانات المدمرة، التي راح ضحيتها 76 شخصًا، وتسببت بخسائر تُقدر بثمانية مليارات دولار، سلَّط الضوء على دور الحرس المتزايد في المجتمع الإيراني.

Embed from Getty Images

منظمة إرهابية أم مكون أساسي في المجتمع الإيراني؟

بحسب التقرير فإنَّ وصم الحرس الثوري بكونه جماعة إرهابية أجنبية ما هو إلا جزء من جهود واشنطن المستمرة للضغط على طهران، عن طريق حرمانها من الدعم المادي الذي هي في أمس الحاجة إليه. وترى إدارة ترامب أنَّ قوات الحرس الثوري، وبالأخص «فيلق القدس» بقيادة الجنرال قاسم سليماني، تضطلع بدورٍ محوري في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، ابتداءً من سوريا وانتهاءً باليمن.

لكن في إيران، الدور الذي يقوم به الحرس الثوري في الحياة العامة أكثر تعقيدًا حسبما ترى «فايننشال تايمز». تشير الصحيفة إلى أنَّ المنظمة تأسست بعد ثورة 1979 بالتوازي مع الجيش التقليدي لحماية الجمهورية الإسلامية من التهديدات المحلية والأجنبية.

وبعد تأسيسها، استخدمت قوات الحرس الثوري – البالغ قوامها 120 ألف شخص بالإضافة لملايين المتطوعين المخلصين – سلطتها لتجعل من نفسها قوةً تجارية كبرى، فعززت من حضورها في صناعات التشييد والطاقة، وفي توريد السلع الاستهلاكية.

Embed from Getty Images

وكان دورها في أعقاب الكوارث الطبيعية راسخًا أيًضًا على مر السنوات، وإن كانت أنباء جهودها هذه المرة قد انتشرت بصورةٍ أكبر. ففي العام الماضي، عندما عصف زالزالٌ مدمر بالمقاطعة الجنوبية لمدينة كرمنشاه الإيرانية، كان نجوم السينما ومشاهير الرياضة في مقدمة المتبرعين لجهود الإغاثة. لكن هذه المرة، حسبما أوضحت الصحيفة، كان الحرس الثوري هو من اضطلع بالدور القيادي، ما كان يعني أيضًا تهميش حكومة حسن روحاني، الذي تختلف معه قوات الحرس الثوري.

وعن أهمية هذا الدور الاجتماعي للحرس، صرح مصدرٌ من المطلعين على الشؤون الداخلية للنظام الإيراني يتمتع بعلاقةٍ مقربة مع المتشددين المنتقدين لحكومة روحاني: «ترسيخ الدور الاجتماعي للحرس الثوري هو ضمانٌ لأمننا القومي… إذا استيقظنا غدًا وواجهنا أزمة، حينها سيحتاج الحرس الثوري لإمكانية الاعتماد على شبكةٍ قوية، فهو القوة المنظمة الوحيدة التي تحظى بقيادةٍ عسكرية هيراركية».
تجلى هذا الخلاف بين روحاني والحرس الثوري في أثناء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. فبحسب الصحيفة، راهن روحاني وفريقه على الاتفاق، الذي تتخلى فيه إيران عن طموحاتها النووية مقابل رفع العقوبات عنها.

كان الرئيس الإيراني يريد بذلك جذب المزيد من الاستثمارات الضرورية لإيران، وفتح بلاده على العالم الخارجي ولو بصفة مؤقتة. لكن أتى قرار الولايات المتحدة الأمريكية العام الماضي بالانسحاب من الاتفاق التاريخي وإعادة فرض عقوباتٍ شديدة كضربةٍ موجعة بحق للجمهورية الإسلامية.

تسبَّب فرض هذه القيود في تراجع الإنجازات الاقتصادية لحكومة روحاني، إذ ارتفع معدل التضخم بنسبة تزيد عن 25%، ونتج عنها انكماشٌ اقتصادي بنسبة 3.8% في الفترة من مارس (آذار) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) بحسب التقديرات الرسمية.

ومن ناحيةٍ أخرى، تشير الصحيفة إلى أنَّ عدائية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران جرَّأت المتشددين في الجمهورية الإسلامية، ومن بين هؤلاء كان الحرس الثوري، الذي كان يزعم دومًا بأنَّ الغرب لا يمكن الوثوق به، وأنَّ روحاني وقَّع على صفقةٍ خاسرة، لم تعد على إيران سوى بقدرٍ ضئيل من المزايا. ولذلك رأى الحرس الثوري في الفيضانات الأخيرة فرصةً لتعزيز دوره الاجتماعي وشبكة داعميه.

جهودٌ مختلفة لمواجهة الفيضانات

بحسب التقرير، عندما غرقت ضفتا نهري «دِز» و«الكرخة» في قرية حميدية بخوزستان، انضم إلى المتطوعين عددٌ من رجال الدين الشباب، الذين حضَّروا أطباقًا من الأرز والدجاج نُقلت عن طريق القوارب، إلى جانب سلالم ومجارف لتُسهِّل جهود الإغاثة.

ووقف رجالٌ على جسرٍ قريب يقيسون منسوب المياه، بينما انضم آخرون إلى بعض السكان المحليين لتعبئة أكياس الرمال لإقامة حواجز ضد الفيضانات، للحد من أي أضرار إضافية قد تلحق بالبيوت والأراضي الزراعية.

Embed from Getty Images

ووصل الجنرال سليماني بنفسه إلى موقع الحادث، قبل وصول صحيفة «فايننشال تايمز» بأيامٍ قليلة، وأشرف على العمل هناك وجمع المزيد من المتطوعين من أجل هذه المهمة الإنسانية. وعبرت الميليشات العراقية الحدود أيضًا كي تشارك في جهود الإغاثة.

وبينما يرفض بعض الإيرانيين دور الحرس الثوري الاجتماعي، ويرونه مدفوعًا بأغراضٍ سياسية، ويعتقدون أنَّ هدف الحرس الثوري الأساسي هو التلاعب بمشاعر الرأي العام وفرض السيطرة على شؤون الدولة. فإنَّ بعض المواطنين يختلفون بشدة مع ذلك الرأي.

من هؤلاء ناجي، الأم الشابة البالغة من العمر 26 عامًا. توضح الصحيفة أنَّ ناجي ممتنةٌ لمساعدات الحرس الثوري، غير أنَّها ترفض أن تنصاع لأوامره بخصوص ترك منزلها. وتقول عن ذلك في أسى: «ضاعت ماشيتنا ومحاصيلنا، فليجرفنا الفيضان نحن أيضًا… لم يساعدنا أحد سوى الحرس الثوري».

ويتفق معها الناشط الثوري رضا عابديني سوهي المقيم بطهران. فبحسب التقرير، سافر سوهي إلى المنطقة المتضررة، وأدلى بشهادته عن دور الحرس الثوري مؤكدًا مساهمتهم الكبيرة في تخفيف حجم المعاناة. وأضاف: «اضطررنا إلى العمل معًا، جنبًا إلى جنب. عندما تتعرض قرية بأكملها للخطر، لا يسعنا نحن النشطاء فعل الكثير حيال ذلك».

أما علي سالك، الذي أشرف على الجهود الهندسية في مدينة حميدية، فقد أثنى أيضًا على رفقائه من متطوعي الحرس، وأصر على أنَّ تهديدات ترامب لن ترهب إيران.

وأضاف وقد شمَّر أكمامه واتسخ حذاؤه بالطين لمساعدته في جهود الإغاثة: «كل من أتى هنا من شباب يعرف أنَّ هذا جزء من مخطط الخميني لبناء حضارة إسلامية»، مشيرًا إلى المرشد الأعلى لإيران.

وأنهى حديثه قائلًا: «ارتكب ترامب خطأً كبيرًا بتحديه لنا. فمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية سينتج عنها استشهادنا جميعًا أو هزيمتها. وكلا الأمرين يمثل حلمًا بالنسبة لنا».

الخميني بعيون المثقفين.. كيف وصف ميشيل فوكو وآخرون زعيم الثورة الإسلامية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد