كتبت كاثي جيلسينان، المختصة بقضايا الأمن القومي الأمريكي والشؤون العالمية في صحيفة «ذي أتلانتك»، مقالًا تلقي فيه الضوء على «المقاولين» أو ما يسمى أحيانًا بـ«المتعاقدين»، أو حتى المرتزقة، الذين يعملون مع قوات الجيش الأمريكي في مناطق النزاع، ولا غنى عنهم، وعلى الرغم من ذلك يُوصفون بـ«الترس المُهمل» في آلة الحرب الأمريكية، وعادة ما يتجاهل الرؤساء الأمريكيون ذكرهم إذا ما لقوا حتفهم وإن كانوا بالآلاف.

تستهل الكاتبة، التي عملت سابقًا محررة في مجلة (World Politics Review)، مقالها بالحديث عن «مايك جبار» الذي لم يلتق قط بزميله «نورس حميد»، الشخص الذي يعمل بديلًا له. لكن عندما توفي «حميد» في هجوم صاروخي تعرضت له قاعدة عسكرية في العراق، بعد ليلة رأس السنة الميلادية، شاهد «جبار» صورًا للحطام، وتعرّف إلى العلم الأمريكي الذي ساعد بنفسه في طلائه على باب إحدى الغرف الذي تعرض للتلف نتيجة الهجوم. كانت تلك هي غرفته في قاعدته القديمة، الأمر الذي يعني ببساطة أن الضحية كان من الممكن أن يكون مايك جبار نفسه.

لا يمكن خوض الحرب بدون المتعاقدين

وفي مقابلة للكاتبة مع جبار الذي عمل، مثل حميد، مترجمًا لدى الجيش الأمريكي، قال لها: «تخيلي وقوع شيء كهذا، وأنت تعلمين أنه من المفترض أن تكوني في ذلك المكان، ولكنك لم توجدي فيه، والشخص الذي حل محلك لقي حتفه! إنه شعور مُرعب للغاية.» 

كان جبار أحد المحظوظين؛ لأنه غادر مسقط رأسه العراق في الخريف الماضي، وهو في عمر الثالثة والعشرين، متوجهًا إلى الولايات المتحدة، حيث يقيم الآن إقامة دائمة مع صديق له في ولاية كارولينا الشمالية.

Embed from Getty Images

اعتمدت الولايات المتحدة على الآلاف من المتعاقدين «المقاولين» مثل جبار وحميد لمساعدتها في حروبها، والقيام بأدوار تتعلق بمهام الترجمة، والخدمات اللوجستية، والأمن، بل حتى غسيل الملابس. فلا يمكن لأمريكا خوض الحرب بدون المتعاقدين، لكن الرؤساء عادة ما يتجاهلون الآلاف منهم حين يلقون حتفهم، بما في ذلك المواطنون الأمريكيون. وهؤلاء المتعاقدون أو المقاولون موجودون في كل مكان لكنهم غير مرئيين إلى حد كبير بالنسبة للجمهور الأمريكي، نظرًا إلى الحجب الذي يُفرض على الحجم والتكلفة الحقيقيين لحروب أمريكا. 

ويعني هذا أيضًا أنه بمقدور أي رئيس أمريكي أن يستغل على نحو انتقائي وفاة أحد المتعاقدين لتحقيق أهداف أخرى، كما يلفت المقال. 

استدعى كبار المسؤولين الأمريكيين حميد، وهو مواطن أمريكي من أصل عراقي، مرارًا وتكرارًا لشرح الأسباب التي دفعتهم لجرّ أمريكا على شفا صراع شامل مع إيران، وكان هذا الأمر قبل أيام من تعرّف الجمهور إلى اسمه. 

كان دونالد ترامب، الذي تعهد بإنهاء الحروب في الشرق الأوسط، على استعداد للمخاطرة مجددًا للانتقام لمقتل مقاول أمريكي؛ بما في ذلك قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وهي خطوة خشي الرؤساء السابقون أن تتسبب في ردة فعل عنيفة. 

يضيف المقال: ولكن عندما أدى هجوم إرهابي إلى مقتل اثنين آخرين من المتعاقدين الأمريكيين وجندي أمريكي في كينيا، بعد حوالي أسبوع من قتل الجنرال سليماني، لم يكن لترامب رد فعل يُذكر. وقال عن الجندي: «لقد فقدنا شخصًا جيدًا، شخصًا عظيمًا حقًّا» دون أن يذكر المتعاقدين بكلمة واحدة. 

ونظرًا إلى أن التدخلات الأمريكية في الخارج أصبحت أكثر تعقيدًا ونهاياتها غير محسومة، فقد اعتمدت واشنطن على المقاولين أكثر فأكثر في أداء المهام الأساسية، مثل حراسة الدبلوماسيين وإطعام الجنود. 

وفي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة إنهاء تلك الحروب وإعادة مزيد من القوات إلى أرض الوطن، يمكن للمتعاقدين البقاء بأعداد كبيرة لإدارة تداعيات ما بعد الصراع، خاصة وأن الكثير منهم في المقام الأول من المحليين المُستأجرين.

حصيلة القتلى ما تزال غامضة

وتؤكد الكاتبة أن إدارة ترامب ليس لديها أي بيانات عن عدد المتعاقدين الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في الحروب التي شنتها بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول). 

والواقع، أنه من الصعب تمامًا الحصول على تصور كامل عن عدد المقاولين «المتعاقدين» الذين شاركوا في تلك الحروب. فوزارة الدفاع الأمريكية تنشر تقارير ربع سنوية عن عدد العاملين لديها في منطقة الشرق الأوسط – والذين يصل عددهم إلى ما يقارب 50 ألفًا في المنطقة اعتبارًا من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مع حوالي 30 ألفًا موزعين ما بين أفغانستان والعراق وسوريا. 

ويشكل الأمريكيون أقل من نصف إجمالي هذا العدد، في منطقة تتراوح فيها أعداد القوات الأمريكية ما بين 60 ألفًا و80 ألفًا. وأعداد المقاولين متأرجحة أيضًا، إذ لا تتضمن بيانات الجيش أي ذكر للمقاولين الذين يعملون لدى وكالات أخرى، مثل وكالة المخابرات المركزية أو وزارة الخارجية الأمريكية.

وتلفت الكاتبة إلى أن حصيلة عدد القتلى من المتعاقدين ما تزال أكثر غموضًا، على الرغم من أن تصور جامعة براون عن تكاليف الحرب سجل رقمًا يصل إلى 8 آلاف تقريبًا، بعد حساب الأمريكيين وغير الأمريكيين معًا.  وبحسب ما ذكر أوري سويد وتوماس كروسبي، الباحثان الذين درسوا وفيات المتعاقدين،  يطلق على هؤلاء القتلى «موتى حرب الشركات».

دولي

منذ شهرين
541 حالة في العام الماضي.. لماذا ينتحر جنود الجيش الأمريكي؟

عراقي المولد.. أمريكي الهوى

تقول الكاتبة إن جبار أخبرني أنه كان سعيدًا لتجشم هذا الخطر. فهو، مثل حميد، وُلد في العراق، ومنذ كان في مرحلة الدراسة الإعدادية وهو يحدث نفسه برغبته في أن يصبح أمريكيًّا، وعلم نفسه اللغة الإنجليزية تعليمًا جزئيًّا من خلال الاستماع إلى أغاني المغني الأمريكي مارشال بروس ماذرز الثالث، المعروف فنيًّا باسم إيمينيم، ومشاهدة سلسلة المسلسل التلفزيوني الأمريكي بريزون بريك.

ثم تسرب جبار من الكلية في سن التاسعة عشر للعمل مترجمًا في عمليات القتال الأمريكية ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، وانتهى به الأمر إلى جانب القوات الأمريكية أثناء توجههم نحو الموصل، عاصمة التنظيم العراقية، في عام 2016.  وبدلًا من دراسة اللغة الإنجليزية والحصول على درجة البكالوريوس في تكنولوجيا المعلومات، انخرط جبار في خضم معركة لاستعادة الأراضي من المتمردين، وترجمة التعليمات في ساحة المعركة للعراقيين، شركاء القوات الأمريكية.

وانتهى الأمر بجبار إلى الالتحاق فيما بعد بوحدة «سيل» (SEAL) البحرية في كركوك، بالقرب من المكان الذي نشأ فيه، وأصبح جزءًا رسميًّا من الفريق؛ وعاش معهم، وأكل معهم، وقام بدوريات معهم، وتقدم إلى الخطوط الأمامية معهم، حتى إنه تعرض ذات مرة للضرب والاعتقال أثناء شرائه سلعًا تموينية لهم من أحد محلات البقالة، وهي قضية سببها، على حد قوله، الخطأ في التعرف إلى هويته، وأُفرج عنه بعد أن أمضى الليلة في السجن.

Embed from Getty Images

فوتيل: المتعاقدون تفانوا في أداء المهام العسكرية

وفي رسالة عبر البريد الإلكتروني، أُرسلت لكاتبة المقال من جوزيف فوتيل، القائد السابق للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، الذي تقاعد في مارس (آذار) الماضي بعد ثلاث سنوات من المساعدة في توجيه القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قال فوتيل: «من الصعب عليّ أن أؤكد بما فيه الكفاية إلى أي مدى كان هؤلاء الأشخاص متفانين للغاية في أداء مهمتنا العسكرية».

كان المترجمون الفوريون المتعاقدون مع الجيش الأمريكي أكثر من مجرد مترجميّ لغة. «لقد ساعدونا على الفهم، وعرّفونا بالمضامين الثقافية للأحداث التي تجري على الأرض؛ وزودونا بشبكات خاصة بهم كانت دائمًا مفيدة جدًّا في اجتياز المواقف المعقدة… لقد تجشموا كل هذا على مسؤوليتهم الشخصية».

وترى الكاتبة أن اعتماد أمريكا على المتعاقدين من القطاع الخاص في الحرب لم يبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، لكنه تزايد للغاية في الحروب التي تلت تلك الهجمات. 

وتضيف الكاتبة أن ستيفن شونر، أستاذ قانون المشتريات الحكومية بجامعة جورج واشنطن، أخبرها «بأن الضرورة السياسية المتمثلة في الحفاظ على أعداد محدودة من القوات الأمريكية، والحاجة إلى إعادة بنائها في خضم النزاع، استدعت أن يملأ المتعاقدون أو المقاولون الفجوات التي تنشأ بسبب عدم وجود عدد كاف من القوات أو المهارات المناسبة في الجيش للقيام بهذه المهمة. 

ويمكن في كثير من الأحيان أن يعمل هؤلاء المتعاقدون بثمن بخس أكثر من القوات الأمريكية، وقد يحصلون على تعويضات محدودة في حالة الوفاة أو الإصابة، مقارنةً باستحقاقات باهظة يحصل عليها المحاربون القدامى مدى الحياة؛ ويمكن أيضًا نشر المتعاقدين في الأماكن التي لا ترغب الولايات المتحدة أو لا تستطيع من الناحية القانونية إرسال قواتها العسكرية إليها». 

صعود دور المقاولين قبل الغزو الأمريكي للعراق

وسبق للكاتبة ليزلي واين أن وثقت في صحيفة نيويورك تايمز صعود دور المقاولين حتى قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مشيرة إلى دورهم في تدريب القوات الأمريكية في الكويت وحراسة حامد كرزاي، رئيس أفغانستان آنذاك. 

وكتبت ليزلي: «لا يستطيع البنتاجون خوض الحرب بدونهم. فأثناء حرب الخليج عام 1991، كان هناك شخص مدني أمريكي واحد متعاقد من بين كل 50 شخصًا في ساحة المعركة. وحينما تحققت جهود حفظ السلام في البوسنة عام 1996، كان وجود الأمريكيين يتمثل في شخص أمريكي واحد من أصل كل 10». 

أما «في أفغانستان، وفقًا لأحدث الأرقام العسكرية الأمريكية الصادرة الخريف الماضي، فإن نسبة المتعاقدين الأمريكيين إلى أفراد القوات الأمريكية تقارب 1 : 1؛ وإذا ما أدخلنا في الاعتبار المقاولين المحليين والمقاولين من خلال دولة ثالثة، تصبح النسبة عبارة عن 2 : 1».

تلفت الكاتبة الانتباه إلى أن وضع العراق ساهم في تصاعد الاتجاه للاستعانة بالمقاولين. وتضيف: أخبرتني ديبورا أفانت، الأستاذة بجامعة دنفر التي أجرت أبحاثًا في هذا المجال، أنه «في بداية حرب العراق، كانت التوقعات الحمقاء أن هذا الأمر سيكون سهلًا للغاية»، ولكن مع تدهور الوضع، كان من الصعب حشد عشرات الآلاف من القوات الإضافية لتوفير الأمن. لذا، ملأ المقاولون الفجوة، ولم يكن ذلك لحساب وزارة الدفاع فقط. وتوضح ديبورا ذلك قائلة: «إذا وجد مثلًا مراسلوا قناة أيه بي سي (ABC) الإخبارية في العراق، فإنهم يحتاجون إلى من يوفر لهم الأمن».

وأضافت ديبورا بأنهم لم يوفروا الأمن فقط، كما أنهم لم يكونوا أمريكيين فقط، بل جاءوا من عدة دول بالإضافة إلى الولايات المتحدة، وقاموا بمجموعة من الوظائف التي كان الجيش قد تولى معالجتها في سنوات سابقة. 

وقال ستيفن شونر، أستاذ قانون المشتريات الحكومية بجامعة جورج واشنطن: «عندما ذهبت إلى الجيش… وجدت أن كل شخص (مقاول) جرى تدريبه كجندي، وبعد أن تصبح مؤهلًا كجندي، قد يجري تدريبك كي تكون طباخًا أو أخصائيًّا في الغسيل، أو أخصائيًّا في البريد، أو أخصائيًّا في النقل».

ويضيف شونر: «اليوم، نحن ندرب من يضغط على الزناد (المتعاقدين المقاتلين)، وقمنا بالتعاقد الخارجي مع من يقدمون جميع خدمات الدعم». ونظرًا إلى أن العديد من المهام الأمريكية في الخارج تتضمن الآن إعادة الإعمار، يمكن للمقاولين أيضًا توفير الآلاف من الوظائف المحلية في الاقتصادات المتعثرة.

Embed from Getty Images

التكاليف لا تهم.. المهم تقليل عدد «صناديق الجثث الأمريكية»

ومن خلال الدعم الذي يقدمه المقاولون، قال شونر، «يمكننا إرسال قوات لا تعد ولا تحصى في أي مكان في العالم، ولأي مسافة، وفي أي طقس، وإلى أي بقعة على الخريطة، وقد أوليناهم عنايتنا على نحو أفضل من اهتمام أي جيش بشعبه، طالما أننا بحاجة إليهم». 

لكن الفائدة الأكبر من كل هذا قد تكون سياسية. 

يرى شونر أن «الأمريكيين لا يهتمون حقًا بتكاليف الحرب. وكل ما يهتمون به حقًّا هو الفوز أو الخسارة، وكم من أولادنا وبناتنا يعودون إلى الوطن في أكياس وصناديق. ولذا، إذا تمكنت، سواء عن قصد أو عن غير قصد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من تقليل عدد أكياس أو صناديق الجثث ولو بشكل مصطنع، فأنت الفائز».

لكن هذا المنطق لا يفي دائمًا بالغرض، وأظهر العراق بشكل خاص كيف يمكن أن يؤدي وقوع وفيات أو أخطاء بين المقاولين إلى عواقب سياسية وخيمة، أو حتى تصعيد النزاع. بل ارتكب المقاولون جرائم أضرت بمكانة الولايات المتحدة وأزهقت الأرواح في العراق، بما في ذلك تعذيب النزلاء في سجن أبو غريب في عام 2003، والمذبحة التي راح ضحيتها 17 مدنيًّا في عام 2007 في ساحة النسور ببغداد. وفي عام 2004، تعرض أربعة من المتعاقدين المسلحين لكمين في الفلوجة، وعُلقت جثثهم المحترقة والمشوهة متدلية من سور الجسر. 

وقال المؤرخ بنج ويست، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن «الرئيس جورج دبليو بوش الغاضب والمُتأثر عاطفيًّا بالحادث»، أصدر أوامره آنذاك لمشاة البحرية بالاستيلاء على المدينة. وكانت النتيجة معركة وحشية ضارية شهدتها المدينة وأسفرت عن مقتل 27 جنديًّا أمريكيًّا، بالإضافة إلى 200 مسلح و600 مدني.

أما في واقعة مقتل حميد، فيعتقد جبار أن ترامب حقق قدرًا من العدالة بقتل قاسم سليماني. وقال جبار «لقد رحل حميد الآن، لكن لو عرف بطريقة ما أن كل هذا قد حدث بسببه، فسيكون سعيدًا للغاية. وأنا سعيد للغاية أنه في هذه المرحلة يُنظر إلى المترجمين الفوريين على أنهم ذوو قيمة كبيرة.» غادر جبار نفسه كركوك بأسرع ما يمكن؛ لأنه قال إنه يواجه تهديدات. وحصل على تأشيرة نادرة للحضور إلى الولايات المتحدة من خلال برنامج للمترجمين الفوريين الذين خفضتهم إدارة ترامب. ويعتقد جبار أن التأشيرة أنقذت حياته، وأنه يريد الخدمة مرة أخرى، لكن هذه المرة في القوات الجوية.

أما بالنسبة لقاسم سليماني، فإن جبار سعيد لأنه مات؛ لأنه – في نظره – هو الرجل الذي يأمر الآخرين بالتوجه لقتل «الخونة» والمترجمين الفوريين».

https://sasapost.co/translation/are-modern-wars-unwinnable/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد