1,408

أجرت الكاتبة والناقدة الأدبية «كاتي شانون جينكيز» حوارًا مع الشاعر الفلسطيني-المصري «تميم البرغوثي»، تطرقت فيه إلى أعماله الشعرية، وبعض آرائه السياسية، ومشروعه لترجمة بعض قصائده إلى الإنجليزية.

على مدى السنوات السابقة، كانت العروض الشعرية للبرغوثي تجتذب آلاف الحضور، يتحدث البرغوثي بصوت مدوٍ كشخص متمرس تمامًا في قيادة الحشود، يدقق في اختيار ألفاظه ويفكّر عميقًا عميقًا فيما سوف يقوله في تسجيلاته. عندما التقى مع «جينكيز» في أحد فنادق عمّان هذا الصيف، كان حريصًا على تسجيل المحادثة على هاتفه، لقد كان يعلم أن كلماته بإمكانها أن تكون ذات عواقب وخيمة.

في العام 2003، كان البرغوثي مضطرًا إلى مغادرة وطنه مصر، بعدما احتجّ على الغزو الأمريكي للعراق، يخبرنا بما حدث قائلًا: «جاؤوا إلى منزلي، قادوني معصوب العينين، وهددوني بالكلاشينكوف، كان ذلك حوالي الساعة الرابعة فجرًا، أخبرني أحدهم أن علي أن أشتري تذكرة طيران وأغادر، لم يكن ثمة أوراق رسمية، لا أختام ولا وثائق ولا أي شيء». كان تميم لاحقًا قادرًا على العودة إلى مصر بعد أسابيع، لكنه مُنع من حق العمل هناك، ما اضطره إلى المغادرة مجددًا.

اقرأ أيضًا: 7 أعمال من أدب المقاومة الفلسطينية

«في القدس وقصائد أخرى» بالإنجليزية

تقول «كاتي جينكيز»: يعمل البرغوثي الآن لصالح «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا»، وعندما التقينا، كان قد أنهى لتوه حديثًا في مؤتمر حول تأثيرات الاحتلال على التنمية البشرية في الأراضي الفلسطينية، يحمل البرغوثي دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بوسطن، وقد درّس في جامعات جورج تاون، وبرلين، والجامعة الأمريكية في القاهرة.

ست مجموعات شعرية هو ما نُشر للبرغوثي حتى اليوم، وقد أطلق مؤخرًا أول كتاب له مترجمًا للإنجليزية «في القدس وقصائد أخرى»، لقد كان البرغوثي محبطًا فيما مضى بسبب ما قال إنها صعوبات واجهته في ترجمة أعماله، وقد انتقى في هذا الديوان قصائد – أصدرها بالعربية على مدار سنوات – يراها أكثر قابلية للترجمة، لا يحتوى الكتاب مثلًا على قصيدة «يا مصر هانت وبانت كلها كام يوم»، والتي كتبها في الأسابيع الأولى من ثورة المصريين في 2011، إذ لم يكن البرغوثي راضيًا عن أي نسخة إنجليزية منها.

«الكلمات – كما البشر – لها ظلال، إنها تمتلك رائحة، تحوطها هالة ما، وهي تتغير بشكل جذري عندما تنقلها من لغة إلى أخرى»، يقول البرغوثي، ويضرب لذلك مثلًا بكلمة «مطر»، والتي تُترجم rain في الإنجليزية، ففي العربية تعطي إيحاء الكرم، والحظ السعيد والخلاص، أما في الإنجليزية فإن يومًا ممطرًا ليس هو أفضل ما يتمنى المرء حدوثه.

تروي جينكيز أن الشروع في مشروع الترجمة كان نصيحة والدة تميم، الروائية المصرية الشهيرة رضوى عاشور، حتى إنها أتمّت الكثير من الترجمات بنفسها، أخبرته بأن أعماله قد بدأت تلاقي صدًى لدى الناس، وثمة بعض الأجانب يريدون أن يفهموها بشكل أكبر، وهو ما يراه تميم نفسه أمرًا مستحيلًا.

الترجمة توفر فقط «مذاقًا» ما، يشرح البرغوثي كيف أن تجربته مع اللهجات المحلية يصعب نقلها إلى الإنجليزية بحذافيرها، إحالاته – مثلًا – إلى الميثولوجيا والتاريخ العربيين تتطلب قدرًا من الألفة قد لا توفر الهوامش إلا بديلًا ضعيفًا لها، ورغم ذلك، فقد كان الشاب سعيدًا بالعمل مع أمه على الكتاب.

«لقد كان بإمكانها أن تحررني من ذلك الشعور الذي يراودني كلما تحدثت أو كتبت بالإنجليزية، بأنني أسبح في بحرٍ هلاميٍ»، يواصل البرغوثي: «لقد كانت تحاول، عبر أجنحتها الضخمة جدًا جدًا، كإلهة العدل عند المصريين، أن تشق البحر كما فعل موسى، تاركة لي المجال للعبور».

ماتت رضوى عاشور عام 2014، ولم يكن المشروع قد اكتمل بعد، وعند تلك النقطة كان تميم يؤجل إنهاء الكتاب مرارًا وتكرارًا، «عندما فقدت أمي، ولأنها كانت قررت ذلك الأمر، فقد شعرت أن من واجبي أن أنشره»، يقول البرغوثي الذي عمل بنفسه على إتمام بعض الترجمات هو الآخر.

ليس مجرد شاعر.. بل «نجم روك»

تحدث أستاذة الأدب المقارن في الجامعة الأمريكية بالقاهرة فريال غزول المحاورة فتخبرها أن الطريقة المثلى التي يتعامل بها الغربيون مع شخص كالبرغوثي هو أن يفكروا فيه كأحد «نجوم الروك» نوعًا ما، يخبرني البرغوثي كيف أن الأطفال في شوارع القاهرة وفلسطين يتسابقون في إلقاء قصيدته «في القدس»، وهي أشبه برواية حزينة، يتتبع فيها مسار رحلة سيارة أخرى، تدخل إلى المدينة، تتجول فيها، قبل أن تغادرها عائدة من حيث أتت، وفيها يرثي الشاعر المدينة التي يهيم بها حبًا، فيما تعتبره هي «حاشية عليها وهامشًا».

في القصيدة التي تسابقت على بثها فضائيات فتح وحماس – في ملمح نادر على وحدة وطنية ما – والتي أصبحت نغمة على الهواتف المحمولة، يقول البرغوثي:

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ

فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،

تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصًا فيها

تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها

يزخر شعر البرغوثي بالمجاز، وبالملاحم، والسرد القصصي البديع، إنه يؤمن بمسؤولية الفن عن إعادة تشكيل خيال الناس حول نظام العالم والتخطيط للمستقبل، يخبرني عن «صيغة أكثر جمالًا للحكومات، للعلاقة بين الرجل والمرأة، للعلاقة بين الإنسان والطبيعة»، وفيما يزيح خصلات شعره اللامعة المنسدلة عن وجهه، يمضي قائلًا: «القوة تكمن في قدرة الإنسان على التخيل، إذا قرر الناس في الشارع أن رجل الشرطة هو شخص يلبس بطريقة غريبة، فسيصبح ببساطة شخصًا يلبس بطريقة غريبة». في قصيدة «السماء الصغيرة»، يكتب البرغوثي:

أحول الشرطي إنسانًا كما يبدو

وليس ملخصًا لمسيرة السلطان منذ الفتنة الكبرى

أعّين حاكمًا في البال سائق أجرة

أو نادلًا في مطعم مثلًا

وقد أعطيه أي مهنة أخرى

كان تميم البرغوثي لا يزال رضيعًا ذا خمسة أشهر، حينما أُجبر والده الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي على ترك منزله في مصر، حيث عاش في منفاه في بودابست، ضمن محاولات الرئيس المصري السابق أنور السادات لتدشين السلام مع إسرائيل، كان الانفصال قاسيًا، لكن تميم احتفظ ببعض الذكريات الدافئة خلال العطلات التي كان يقضيها في بودابست، «بودابست مدينة جميلة، بها الكثير من الحلوى، إنها جنة حقيقية بالنسبة لطفل».

«يظل أبي يكتب طوال العام، وخلال فصل الصيف، وينتظر أمي لتأتي ويقرأ عليها ما كتب من الشعر، أكون أنا هنالك، أراه يكتب بالعربية الفصحى، ثمة شيء غريب في هذا النوع من الحديث، ليس هذا هو الحديث الذي نستخدمه في حياتنا اليومية، حروف المد هنا أكثر، وبالتالي فإن الموسيقى هنا أكثر».

تميم يتوسط مريد البرغوثي ورضوى عاشور مصدر الصورة.

يواصل البرغوثي: «في ذلك الوقت، كانت أفلام الكرتون بالعربية الفصحى كذلك، وباعتباري طفلًا، فقد كنت أجد نفسي مشاهدًا لذلك النوع من الأفلام الذي يحارب فيه الأبطال الفضائيين ويدافعون عن كوكب الأرض، وبالتالي فقد كانت لغة أبي هي نفس لغة أبطالي المفضلين». ويستطرد: «أتذكر حين بلغت الرابعة أو الخامسة، ظننت أنه سيكون بمقدروي الطيران كالأبطال إذا تمكنت من الحديث بالفصحى، لقد بدأت أفكر في الكتابة كمصدر للقوة، كضرب من ضروب الدفاع عن الذات».

شاعر الشعب

بحسب «جينكيز»، ينازع نفس البرغوثي اتجاهان، الرغبة في أن يكتب كفرد مستقل، أو التزامه بأن يكون «شاعر الشعب»، «أحيانًا يكتب الناس الشعر بأقدامهم، بمجرد السير»، ويواصل شارحًا عملية الكتابة، والتي يعتبرها تعاونًا مشتركًا بينه وبين الشعب العربي، والمستمعين: «في فلسطين، يقف طفل صغير في مواجهة دبابة إسرائيلية، فارس عودة، ذو الـ14 ربيعًا، يفقد حياته، هذا التصرف الشجاع هو الشعر حقًا، أنا لم أفعل شيئًا، أنا فقط قرأت القصيدة التي خطها أسفل قدميه».

برغم كون نشاط البرغوثي متصلًا بشكل أكبر بفلسطين، فقد تحدث أيضًا بصراحة عن الوضع في مصر «لا بأس من أن تضمن ذلك في التسجيل، أنا أعتقد أن الحكومة الحالية في مصر هي الأسوأ على مدار قرن كامل»، وحين سألته إذا كان مسموحًا له أن يعود إلى بلده، أجاب «لنرَ ما سيحدث بعد أن يخرج حديثنا هذا إلى العلن».

سألته عما إذا كان طامحًا في وظيفة سياسية، فأجاب بالنفي، يرى أن بإمكانه أن ينجز بشكل أكبر كفنان، ولأنه ببساطة يحمل نفس رأي والديه بأنه لا توجد «حكومة صالحة»، يحيلني إلى مذكرات مريد البرغوثي، الذي يصف السياسة بالنسبة للشعب العربي بأنها كـ«العائلة على مائدة إفطار الصباح، من هناك؟ من تغيب؟ ولماذا؟».

رغم كل شيء، يبقى البرغوثي متفائلًا، يعتقد أن زيادة الترابط الإنساني من شأنه أن يغير علاقات القوة التقليدية: «إذا كان لديك مليون إنسان في الشارع يواجهون ألف دبابة، فإن البشر، وإن كانوا عزّلًا، سيهزمون الدبابات». وربما يكون ما حدث في ميدان التحرير خلال الربيع العربي سلط الضوء على تلك الإمكانية، يضيف البرغوثي: «لقد دارت عجلة التغيير، سيكون هناك إخفاقات، لكن لا أظن أن الأمر سيرتد على عقبيه»، يصر البرغوثي على أن المقاومة ستتجاوز الحدود: «اليوم، ويكأن نيرون يلبس تاجه، صارخًا بالويل روما والقدس».

«الشيء الجيد بالنسبة لمعظم الطغاة هو أنهم ليسوا حساسين جدًا للفن، هم أكثر غلظة من أن يدركوا التهديد الذي يمثله الجمال عليهم، وعندما يدركون التهديد ويتحركون لسحقه، فإن بإمكان الناس أن يخلقوا البديل، إذا أغلقوا المعارض فسيرسم الناس على الجدران، ليس باستطاعة أي ديكتاتور أن يخفي الإبداع، ولا أن يمحو من وعي البشر الفن الذي يعمل فيهم عمل السحر».

وتختم المحاورة بعبارة لتميم يضيف فيها متحمسًا: «كيف سيمنعون المصريين من قراءة «ماكبث»؟ كيف بإمكانهم أن يسجنوا ويليام شكسبير أو المتنبي؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك