أثارت عائلة مينا دانيال -الناشط المصري الراحل- جدلًا كبيرًا خلال الفترة الماضية إثر تعرُّضها للاعتداء داخل مطارٍ في كوريا الجنوبية. ونشرت ماري دانيال، شقيقة مينا الكبرى، سلسلةً من الصور والمقاطع التي تداولها النشطاء عبر فيسبوك وتويتر.

«ذي أتلانتك»: لماذا أعلن «داعش» الحرب على المسيحيين في مصر؟

لذا نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا عن رحلة عائلة مينا دانيال بين روسيا، وكوريا الجنوبية. وإليكم نص التقرير:

بدأت عائلة مينا دانيال البحث عن ملجأ منذ مغادرة مصر في عام 2016، نتيجة خوف أفرادها من قمع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي عارضوه علنًا على مدار سنوات. وتحوَّل مينا دانيال إلى واحدٍ من رموز ثورة عام 2011 التي اندلعت ضد حُكم الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

وفي أثناء تظاهره احتجاجًا على هدم إحدى الكنائس يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، أطلق جنود الجيش المصري النار على المتظاهرين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري (ماسبيرو)، ولَقِي مينا حتفه عن عمرٍ يناهز 20 عامًا. وأصبح مقتل 28 متظاهرًا مسيحيًا في ذلك اليوم يُعرف باسم «مذبحة ماسبيرو»، وهي أكبر حادثة عُنفٍ طائفي يرتكبها النظام في تاريخ مصر الحديث.

وأعلنت عائلة مينا دانيال أنَّها تتَّهِمُ السيسي، مدير المخابرات العسكرية آنذاك، بقتل مينا؛ مما جعلهم مُستهدَفين على حد قولهم.

وغادرت عائلة مينا دانيال مصر مُتَّجهةً في البداية إلى روسيا عام 2016، لينتهي بها المطاف في كوريا الجنوبية حيث استقرت العائلة وبدأ أفرادها العمل ساعات طويلة، لكنهم وجدوا صعوبةً في التعامل مع الكوريين نتيجة عجزهم عن تَحمُّل تكاليف دروس تعلم اللغة الكورية.

لكن موقف العائلة تأزَّم من جديد مطلع شهر أبريل (نيسان) الجاري، حين رفضت الحكومة الكورية الجنوبية بعض طلبات اللجوء التي قدَّمها أفراد العائلة. وحاول أفراد العائلة السفر على متن رحلةٍ متجهة إلى ألمانيا، عازمين على البقاء معًا.

وأقام أفراد عائلة دانيال داخل مطار إنتشون الدولي في العاصمة الكورية سيول لمدة ثلاث ليالٍ، حين رفضت شركة الطيران السماح لهم بالسفر، حتى عرضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استضافة العائلة مؤقتًا.

العيال تعبت ومن غير اكل علي اكل الشيبسي والعصاير …. واحنا كمان تعبنا ودي وضعنا الحالي في المطار

Geplaatst door Mary Danial op Maandag 8 april 2019

وقالت ماري في تصريحاتٍ هاتفية لموقع «ميدل إيست آي» من منزل العائلة المؤقت على أطراف سيول: «لا يُمكننا العودة إلى مصر في ظل مناخ القمع السائد بالطبع. نرغب في اللجوء إلى بلدٍ يحترم حقوق الإنسان، بغض النظر عن العرق أو اللون».

وقصة عائلة مينا دانيال هي واحدةٌ من آلاف القصص عن المعارضين المصريين الذين فرُّوا من البلاد إثر انقلاب السيسي عام 2013، ويُعاني أولئك المُعارضون من أجل العثور على منازل آمنة بمُجرَّد مغادرتهم. إذ استقر الكثير منهم في تركيا والولايات المتحدة وكندا وأوروبا، حيث مُنِحوا حق اللجوء. في حين يعيش الآخرون وسط ظروفٍ محفوفة بالمخاطر، ويُصبحون عُرضةً للترحيل إلى مصر أحيانًا نتيجة فشلهم في الحصول على حق اللجوء.

ورحَّلت تركيا الناشط المصري محمد عبد الحفيظ في فبراير (شباط) الماضي، إثر زعمها أنَّها اكتشفت دخوله البلاد بتأشيرةٍ مزورة. وسلَّمت ماليزيا أربعة معارضين مصريين إلى القاهرة في الشهر الماضي، رغم تحذيرات منظمات حقوق الإنسان من أن ذلك قد يُعرِّضهم لخطر التعذيب والإخفاء القسري.

وقال حسن بيومي، الباحث المصري بمنظمة العفو الدولية: «تكشف قضية عائلة مينا دانيال عن التأثير الإنساني لقمع الحكومة المصرية. إذ تُواصل عائلة مينا دفع الثمن؛ لأن أفرادها يُطالبون بالعدالة لشقيقهم، وأُجبِرُوا الآن على مغادرة مصر. وتتحمَّل السلطات الكورية الجنوبية مسؤولية حماية العائلة وضمان عدم ترحيلها».

وتواصل «ميدل إيست آي» مع السفارة المصرية في سيول من أجل الحصول على تعليق. في حين رفضت السفارة الكورية الجنوبية في لندن الرد على طلب الموقع البريطاني بالتعليق على القضية.

«اتَّهمنا السيسي بقتل مينا منذ اليوم الأول»

ويقول نشطاءٌ إنَّ مينا دانيال كان حاضرًا في جميع المظاهرات الرئيسية خلال ثورة عام 2011، لكنه اكتسب شهرةً كبيرة في أعقاب وفاته. إذ وُصِف بـ«شهيد» الثورة، وأُطلِق عليه لقب «جيفارا المصري».

Embed from Getty Images

وأقامت عائلة مينا دانيال في منطقة عزبة النخل، الحي الفقير الذي نشأ فيه مينا شمال العاصمة القاهرة، وكان أفرادها يعملون سبَّاكين ونجَّارين وكهربائيين قبل فرارهم من البلاد. وكان مينا يدرس تكنولوجيا المعلومات في إحدى الأكاديميات الخاصة بالقاهرة، وذلك بجانب عمله مع أشقائه أيضًا.

ويُشكِّل المسيحيون 10% على الأقل من تعداد سكان مصر ذات الأغلبية المسلمة. وتعرَّض المسيحيون على مر التاريخ للتمييز الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى العنف الطائفي. لكن الكنيسة المصرية تدعم حكومة السيسي، رغم تصاعد العنف الطائفي في عهده.

وأعلنت عائلة مينا دانيال معارضتها للنظام صراحةً منذ مصرع مينا، واتَّهمت الكنيسة بالفشل في المُطالبة بالعدالة لضحايا ماسبيرو، واتَّهمت السيسي بصفته واحدًا من المسؤولين وقت وقوع المذبحة؛ مما عرَّضهم للخطر على حد قولهم.

وقالت ماري، التي تبلغ من العمر 48 عامًا، في حديثها الهاتفي إلى موقع «ميدل إيست آي»: «نحن عرضةٌ للاضطهاد لأننا اتَّهمنا السيسي بقتل مينا منذ اليوم الأول».

وأجرى ميلاد دانيال، الذي يبلغ من العمر 36 عامًا، مُقابلةً مع موقع «البوابة» الأردني في ذكرى رحيل مينا خلال شهر أكتوبر عام 2014. واتَّهم ميلاد أعضاء المجلس العسكري، ومنهم السيسي، بقتل شقيقه الأصغر.

وصرَّح ميلاد لـ«ميدل إيست آي» قائلًا إنَّ نشر تلك المقابلة أسفر عن تلقيه تهديداتٍ هاتفية بالقتل، وطُلِبَ منه التوقف عن الإدلاء بتصريحات علنية بشأن مينا. لكن ميلاد أعلن اتِّهاماته مرة أخرى في ذكرى ميلاد مينا خلال شهر يوليو (تموز) عام 2015، وهتف باسم مينا مع شبابٍ آخرين.

وقال ميلاد: «مر اليوم بسلام. وفي صباح اليوم التالي، تلقيت مكالمةً هاتفية من شخصٍ طلب مني التوجُّه إلى منزله لإجراء بعض أعمال السباكة». وأضاف ميلاد أنَّ قوات الأمن المصري ألقت القبض عليه بمجرد وصوله إلى المنزل وعصبت عينيه، وحققت معه لمدة يومين، قبل أن تُعذِّبه مدة ثلاثة أيام أخرى، ثم تتركه فاقدًا للوعي في مكانٍ عشوائي.

واستطرد: «اقتحم الأمن منزلي بحثًا عني بعد ستة أشهرٍ من مغادرة مصر، وصادروا الحاسوب المحمول الخاص بابني، وهدَّدوا زوجتي، وأرهبوا أولادي. وهذه هي الممارسات التي دفعتنا جميعًا إلى مغادرة مصر».

خطر الترحيل يحيط بعائلة مينا دانيال

غادرت عائلة مينا دانيال مصر في مارس (آذار) عام 2016، وسط حملة قمع السيسي للمعارضين. وأقامت العائلة في روسيا لمدة 40 يومًا وأفرادها يُخطِّطون للانتقال إلى ألمانيا، لكن ماري قالت إنَّ أموالهم سُرِقَت على يد مجموعة من الأشخاص الذين وعدوا بنقلهم إلى ألمانيا.

Embed from Getty Images

وانتهى بهم المطاف في كوريا الجنوبية وبصحبتهم أربعة أطفال، قبل أن يُولد الطفل الخامس بعد وصولهم. ولم تكن حياتهم وردية، إذ جنى أفراد العائلة ما يكفيهم لسداد الفواتير وشراء الطعام فقط، وتعلَّموا أساسيات اللغة كورية التي تُمكِّنهم من التعامل في الحياة اليومية.

واستمرت الحياة على هذا المنوال لمدة ثلاث سنوات، حتى وجدت العائلة نفسها أمام مأزق بيروقراطي في وقت مُبكِّرٍ من العام الجاري: إذ مُنِحت ماري وزوجها وابنهما حق اللجوء في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في حين رُفِض طلب ميلاد -الذي شمل زوجته وابنه وابنته- وأصبح عرضةً لخطر الترحيل.

وما يزال عماد، شقيق مينا الآخر، في انتظار قرار الحكومة الكورية الجنوبية على طلب اللجوء الذي قدَّمه في سبتمبر (أيلول) عام 2016.

لذا قرَّرت عائلة مينا دانيال الانتقال مرةً أخرى مطلع الشهر الجاري، في محاولةٍ للبقاء معًا. وحجزوا تذاكر على متن طائرةٍ مُتَّجهةٍ إلى القاهرة التي لا يرغبون في زيارتها، لكنها كانت تتضمن محطة توقف في ألمانيا؛ مما يتيح لهم البقاء هناك لمدة ثلاث ساعاتٍ دون الحاجة إلى تأشيرات.

ولكنهم مُنِعوا من الصعود إلى متن الطائرة في سيول، فاعتصموا أمام شباك شركة «لوفتهانزا» الألمانية في المطار. وذكر خالد أبو النجا، الفنان المصري، في إحدى تغريداته على تويتر أنَّ سلطات المطار حاولت جرَّهم بالقوة في اليوم الأول من احتجاجهم.

لكنهم تشبثوا بأماكنهم في المطار لثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، أملًا في السفر على متن إحدى الرحلات في نهاية المطاف.

وفَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منزلًا مؤقتًا للعائلة في كوريا الجنوبية، وهم ينتظرون حاليًا المساعدة في حل أزمة اللجوء التي يتعرَّضون لها. وقالت ماري إنَّ الكثير من الأشخاص عرضوا تبرعاتهم إثر رؤية منشورات الأسرة على موقع فيسبوك من داخل المطار، لكنهم يرفضون قبول المال والمتاجرة بأزمتهم أو اسم مينا.

وأضافت ماري: «لا نُريد سوى الحصول على حقِّ اللجوء في بلدٍ يحترم حقوق الإنسان وكرامته».

وترفض ماري الانفصال عن أفراد عائلتها، رغم موافقة السلطات الكورية على طلب اللجوء الخاص بها. وذكرت أنَّها انفصلت عن زوجها مؤخرًا، وأنَّها لا تملك الآن سوى عائلتها. إذ اختتمت ماري حديثها مع الموقع قائلةً: «أشقائي هُم أقرب أشخاصٍ لي في هذه الحياة. ولن يتركوني وحيدةً أبدًا».

أبرز الحوادث الطائفية في مصر خلال خمسين عامًا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد