نشرت مجلة ذي أتلانتك مقالًا أعده ياسشا مونك، الأستاذ المشارك بجامعة جونز هوبكينز، استعرض فيه اقتراب الموجة الثانية من فيروس كورونا، لافتًا إلى أسباب انتصار الفيروس وتداعياته على الشعب الأمريكي. وخلُص مونك إلى أن الأمريكيين يتظاهرون بأن الجائحة انتهت، لكنها بالتأكيد لم تنتهِ.

يقول مونك في مستهل مقاله: موجة ثانية من فيروس كورونا باتت وشيكة. وعندما تصل، سنفتقر إلى الإرادة للتعامل معها. وعلى الرغم من كافة التضحيات التي قُدِّمَت في الأشهر الماضية، إلا أن الفيروس من المرجح أن ينتصر، أو ربما من الأدق القول: إنه انتصر بالفعل.

صحة

منذ 4 شهور
«و.بوست»: لماذا يبدو فيروس كورونا أكثر فتكًا في أمريكا وأوروبا عنه في آسيا؟

الولايات المتحدة هي الأكثر تضررًا من فيروس كورونا

من الناحية المطلقة، تضررت الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر، إذ سُجِّلَت قرابة ربع الوفيات في جميع أنحاء العالم على هذه الشواطئ. ومع أن الفيروس لم يعُد يزداد بمعدل هائل، إلا أن التهديد الذي يشكله يظل كبيرًا: ذلك أنه وفقًا لنموذج تنبؤ أعدته «مورجان ستانلي» (مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية متعددة الجنسيات)، فإن عدد الحالات الأمريكية سيتضاعف على مدى الشهرين المقبلين، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

ويضيف مونك: «ولكن لم ينعكس تأثير الاحتجاجات الجماهيرية على وحشية الشرطة، ولا تأثير إعادة الفتح الأخيرة لمعظم أرجاء البلاد – بما في ذلك الكازينوهات في لاس فيجاس – على أحدث الأرقام. ويمكن أن يستغرق الأشخاص على الأقل 10 أيام حتى تظهر عليهم الأعراض، ويسعون لإجراء فحص، وحتى تُجمع النتائج وتنشرها سلطات الصحة العامة».

فيروس كورونا.. من صدارة الصحف إلى تراجع الاهتمام

ومع ذلك، يبدأ المرض ببطء في التراجع على خارطة الاهتمام الجماهيري، فبعد أشهر من سيطرته على التغطية الإعلامية، اختفى كوفيد-19 إلى حدٍ كبيرٍ من الصفحات الأولى في معظم الصحف الوطنية.

وبحسب استطلاعات حديثة، ارتفع عدد الأشخاص الذين يفضلون «إعادة فتح الاقتصاد في أقرب وقت ممكن» على «البقاء في المنزل ما دام ذلك ضروريًا». وبالتالي، ربما ليس غريبًا أنه حتى الدول التي بلغت فيها الإصابات الجديدة أعلى مستوى تمضي قُدُمًا في الخطط التي تهدف إلى رفع العديد من القيود المفروضة على الأعمال التجارية والتجمعات الجماهيرية.

فيروس كورنا

ويشير المقال إلى أنه عندما كانت الموجة الأولى تهدد باكتساح النظام الطبي، في مارس (آذار)، كان خوف الجمهور وعدم يقينه أكثر حدة بكثير مما هما عليه الآن. لذلك كان هذا هو السبب في أن نتمنى أن تكون لدينا حلول سحرية ربما تنقذنا من أسوأ ويلات المرض.

في هذه اللحظة، تبدو هذه الأمنيات غير واقعية، ذلك أنه بعد أشهر من إجراء البحوث المكثفة، لا يزال لا يوجد علاج فعال لكوفيد-19. واللقاح، حتى إن كنَّا محظوظين، يتبقى على نشره عدة أشهر.

ونظرًا لأن الفيروس ينتشر بسرعة خاصة في أجزاء من نصف الكرة الجنوبي، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا، فمن الواضح أن الحرارة ليست عائقًا أمام انتشاره. وربما الأهم، على حد تعبير الكاتب، هو أنه من الصعب تصوُّر أنه بإمكان أي شخص حشد الإرادة السياسية لفرض إغلاق كامل النطاق مرة أخرى.

ووفقًا لما خلُص إليه استطلاع للرأي في ولاية بنسلفانيا، فإن قرابة تسعة من بين كل 10 جمهوريين وثقوا في «المعلومات التي تسمعها عن فيروس كورونا من الخبراء الطبيين» في أبريل (نيسان) الماضي. والآن يثق في هذه المعلومات جمهوري واحد من بين كل ثلاثة جمهوريين.

ونظرًا لأن الرأي العام أكثر استقطابًا مما كان عليه منذ أشهر قليلة، واقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، فإن أية محاولة للتعامل مع عودة ظهور الفيروس من المرجح أن تكون حتى أكثر عشوائية ومثيرة للخلاف وغير فعالة أكثر مما كانت عليه في المرة الأولى.

تأليف كتب عن الإخفاق الأمريكي

وعندما يحين الوقت، ستؤلَّف العديد من الكتب عن أسباب فشل بلد غني وقوي ومتقدم علميًا مثل الولايات المتحدة على نحو سيئ للغاية في التصدي لطارئة صحية عامة توقع قدومها خبراء منذ سنوات عديدة.

وكما هو الحال دائمًا، سرعان ما تظهر تفسيرات متعارضة. وسوف يركز البعض على ضعف إدارة ترامب، بينما سيلفت آخرون الانتباه إلى فقدان البلاد قدرتها كدولة، وسيجادل البعض بأن الولايات المتحدة متفردة، بينما سيضع البعض فشلها في سياق بلدان أخرى، مثل: البرازيل، وروسيا، اللتين اتسم أداؤهما بالضعف الشديد.

ويتابع الأستاذ الجامعي قائلًا: أنا لا أعتزم تقديم مسودة تاريخية أولية. ذلك أننا مازلنا قريبين للغاية من الأحداث لدرجة أننا لا نستطيع أن نقرر ، بهدوء، أيّ العوامل تتحمل المسؤولية الأكبر عن وضعنا في حالتنا المأساوية الراهنة. ولكنني أود أن أقدم قائمة جزئية للأفراد والمؤسسات التي، على الرغم من مركزية إسهامها في النتيجة النهائية أو هامشيتها، ساعدت في توريطنا في هذه الفوضى:

لماذا ينتصر الفيروس؟

إذا انتصر الفيروس، فهذا لأن منظمة الصحة العالمية استهانت بالتهديد لفترة طويلة للغاية. وإذا انتصر الفيروس، فهذا لأن دونالد ترامب كان مهتمًا أكثر بالتستُّر على الأخبار السيئة التي ربما تضر الاقتصاد أكثر من إنقاذ الأرواح الأمريكية. وإذا انتصر الفيروس، فهذا لأن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، التي أُنشئَت للتعامل فقط مع هذا النوع من الطوارئ، ثبُت أنها بيروقراطية للغاية وعاجزة عن أداء وظيفتها. وإذا انتصر الفيروس، فهذا لأن البيت الأبيض لم يحاول حتى وضع نظام فحص وتعقب حالات الإصابة على الصعيد الاتحادي.

ويستدرك مونك قائلًا: على الرغم من أننا لا نعلم حتى الآن تأثير الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة على مسار الجائحة، أو ما سيحدث بالضبط في الأسابيع والأشهر المقبلة، إلا أن قائمة المتَّهَمين من المرجح أن تكون حتى أطول من ذلك.

وإذا انتصر الفيروس، فربما يكون أيضًا بسبب أن ديريك تشوفين أبقى ركبته على رقبة جورج فلويد لمدة ثماني دقائق و46 ثانية، وكان فلويد يناشده كي يبقيه حيًا؛ ما أدى إلى تفجُّر الاحتجاجات التي – على الرغم من أنها مبررة – إلا أنها يمكن حقًا أن تسفر عن عدوى جماعية.

وإذا انتصر الفيروس، فربما يكون أيضًا بسبب أن الـ1200 خبير من خبراء الصحة العامة أخفوا خطورة الوفيات التي ستشكلها هذه الاحتجاجات الجماعية على الفئات الأكثر ضعفًا بيننا، إذ أعلنوا أنهم (على نحو معقول) لم يدعموهم كمواطنين فقط، بل أيضًا (وهو أمر غريب للغاية) أنهم عزموا، باعتبارهم علماء، على أنهم سيخدمون بنشاط «الصحة العامة الوطنية».

وإذا انتصر الفيروس، فربما يكون أيضًا بسبب أن الكثير من الدول تحركت لإعادة الفتح قبل أن تُحكم السيطرة على معدل انتشار العدوى. وإذا انتصر الفيروس، فربما يكون أيضًا بسبب أن غرفة صدى وسائل الإعلام اليمينية تبدأ في الاستهانة بالخطورة التي تشكلها موجة ثانية على الأمريكيين. وإذا انتصر الفيروس، عندئذ فهذا لأن النخب والخبراء والمؤسسات الأمريكية أخفقت – وتستمر في الإخفاق – في تحمُّل المسؤولية الجسيمة الموكلة إليهم بطرق لا تُعَد ولا تُحصى.

وأضاف الكاتب: «منذ نحو شهر، بدأتُ كتابة مقال مختلف. «هل من الممكن»، هكذا تساءلت، «أنه مع الاستفادة من الإدراك المتأخر، فإن هذه الفترة القاسية ستبدو أكثر بطولية مما هو واضح لمعاصريها؟»

أعظم إنجاز في تاريخ البشرية

ويجيب: «هناك أمر واضح: وهو أنه إذا تركنا الفيروس يسحق السكان دون التصدي له، فإن التداعيات لن يمكن وصفها. ولكن إذا – أعني إذا – نجحنا في احتواء الجائحة، وتفادي ملايين الوفيات، فهذا سيشكل أحد أعظم الإنجازات في تاريخ البشرية».

ويتابع: على أمل نشر المقال في مجلة «ذي أتلانتيك»، ظللتُ أنتظر الوضع في الولايات المتحدة حتى يتحسن على نحوٍ يكفي لتبرير تفاؤلي الحذِر. ولكنَّ هذه اللحظة لم تأتِ بعد. والآن يبدو أنها أبعد من أي وقت مضى.

نحن كنا على وشك فعل شيء لا يمكن تصديقه. ويرجع كثير من الفضل في ذلك إلى العديد من المواطنين العاديين الذين التزموا بمسؤوليتهم الأخلاقية في لحظة استثنائية.

الأطباء والممرضين يبقون المجتمع على قيد الحياة

وبحسب المقال، فإن العلماء بحثوا باستماتة عن لقاح. وعلى الرغم من المخاطر الفعلية على صحتهم، إلا أن الأطباء والممرضين والطباخين وعمال النظافة وموظفي الأعمال الكتابية باشروا عملهم في مستشفياتهم. أما العاملون الذين خُلعت عليهم فجأة صفة «أساسيون»، بالرغم من أنهم كانوا دائمًا لا يتلقون ما يكفي من الاحترام ويتقاضون أجورًا متدنية، فساعدوا في إبقاء المجتمع واقفًا على قدميه.

وبالنسبة للبقية منَّا، كانت القاعدة اليومية هي ببساطة البقاء في البيت وإبطاء التفشي. كانت هذه مهمة بسيطة، ولذلك كان مزعجًا أكثر أن بعض الأشخاص أخفق في الالتزام بها. لكنَّ هذا التصيد للأخطاء يحجب عدد الناس الذين بذلوا ما بوسعهم لنجتاز جميعًا الأزمة: إذ تجمعوا مع أقاربهم وأعدُّوا طعامًا لكبار السن. وذهبوا إلى شرفاتهم ليشكروا عمال الرعاية الصحية أو أنشدوا أغاني لإسعاد الجيران. وفي المجمل بقوا في منازلهم وأبطأوا التفشي.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: بفضل مجهود ملايين الناس، كنَّا على وشك تحقيق قصة نجاح عظيمة. ولكن نظرًا لفشل ترامب وتشوفين ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، وفشل خبراء الصحة العامة ومضيفي قناة فوكس نيوز، فمن المرجح بدلًا عن ذلك أن نستسلم – وأن نسمح بأن يموت مئات الآلاف من أبناء وطننا ميتة لا مبرر لها. فالجائحات تكشف عن الحالة الحقيقية للمجتمع، وجائحتنا كشفت نقصنا الشديد.

مجتمع

منذ 4 شهور
كيف يفسر علم النفس ممارسات بعض مصابي كورونا بنقل العدوى للآخرين؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد