«حققنا اكتشافاتٍ تفوق التصوّر في علم وبائيّات وبيولوجيا الأمراض المعديّة، بالرغم من ذلك تحيط الأحجيات بوباء (كوفيد-19)». سيدهارتا موكرجي

أعد سيدهارتا موكرجي، وهو عالم أحياء وطبيب أورام أمريكي هندي، مقالٌ مطول نشرته مجلة «نيويوركر» الأمريكية حول سؤال مهم عما يفعله فيروس كورونا في جسم الإنسان منذ لحظة الإصابة به. وكيف يمكن لإجابة هذا السؤال تغيير طريقة نظرة المتخصصين لمرض، وبالتالي بروتوكولات العلاج والعزل. فيما يلي ترجمة المقال كاملًا:

في الأسبوع الثالث من فبراير (شباط)، بينما كانت جائحة (كوفيد-19) لا زالت مُحتدمةً في الصين، وصلتُ إلى مدينة كُلكَتا في الهند. استيقظتُ في صباحٍ قائظ الحرارة والحِدْآن السود تحوم خارج غرفتي في الفندق، ترفعها تيارات الهواء الدافئة لأعلى. ذهبتُ لزيارة ضريح الإلهة شيتالا. معنى اسمها «الإلهةُ الباردة»، وتقول الأسطورة أنها بُعثت من الرماد البارد لنارٍ قُربانية. الحرارة التي يُفترض بها أن تُبددها لا تقتصر على قيظ الصيف الذي يضرب المدينة في منتصف يونيو (حزيران)، بل كذلك حمّى الالتهابات الداخلية. إنها مسئولةٌ عن حماية الأطفال من الجُدريّ، وإبراء آلام من أُصيبوا به، وإخماد ثائرة وباء الجُدريّ.

محاولات الأسلاف لمحاربة وباء الجدري

كان الضريح هيكلًا صغيرًا وسط المعبد، ويُبعد عدة أحياءٍ عن كلية الطب بكُلكَتا. بداخله تمثالٌ صغير للإلهة وهي تجلس على حمار وتحملُ جرةً من السائل المُبرد، وهي الطريقة التي صُوِرت بها لمدة ألفيةٍ كاملة. يبلغ عمر المعبد 250 عامًا كما أخبرني المُشرف. يعود هذا التاريخ تقريبًا للوقت الذي بدأت تُسمع أخبارٌ لأول مرة عن طائفةٍ غامضة من البراهمان تتجول في سهل الغانج الهندي لتُشيع ممارسة «التيكا»، وهي محاولةٌ مُبكرة للتطعيم؛ تُجرى عن طريق أخذ المادة بداخل بثرة من جسد شخص مُصاب بالجدري – الجُحر المكتظ بالفيروس حيًّا – ثم توضع على الجلد المفتوح للشخص السليم، ثم تُغطى البُقعة بقطعة قماش من الكتان.
Embed from Getty Images

أداة التطعيم بفيروس الجدري في القرن الثامن عشر

تعلم الممارسون الهنود للـ«تِيكا» من الأطباء العرب، الذين تعلموها بدورهم من الصينيين. في وقتٍ يعود إلى عام 1100، أدرك المعالجون الطبيون في الصين أن المتعافين من الجُدريّ لا يُصابون به مرةً أخرى (بل استُدعي الناجون من المرض لرعاية الضحايا الجُدد)، وبذلك استدلوا على أن تعرض الجسم لمرضٍ ما يحميه من مثيلات هذا المرض المستقبلية؛ فكان الأطباء الصينيون يطحنون قشور جروح الجُدريّ إلى بُودرَة، وينفخون بها في منخار الطفل بأنبوبةٍ طويلة فضية.

كان التطعيمُ بفيروسٍ حيّ أشبه بالمشي على حبلٍ مشدود؛ إن كان مقدار اللقاح الفيروسي في المسحوق كبير للغاية، فسيمُر الطفل بطور مكتملٍ تمامًا من المرض؛ ما يُمثل كارثةً ربما حدثت مرةً واحدة من بين 100 تطعيم. إن سار الأمر على ما يُرام، فسيُمر الطفل بتجربة متوسطة الشدة من المرض، لكنه سيحظى بحصانةٍ مدى الحياة. بحلول القرن الثامن عشر، كانت هذه الممارسة قد انتشرت في العالم العربي.

وفي ستينات القرن الثامن عشر، زاولت النساء في السودان ممارسةً تُسمى «شراء الجدري»؛ وهي أن تتفاوض الأم مع أمٍ أخرى حول عدد البثرات الناضجة في الطفل المريض التي يُمكنها شراؤها لأطفالها. كان فنًا موزونًا ببراعة؛ اِستشف أكثر المُعالجين التقليديين كياسةً بالجروح التي قد تنضح كفايةً بالمادة الفيروسية، لكن ليس كثيرًا. يأتي الاسم الأوربي للمرض «variola» (الجدري) من الكلمة اللاتينية لـ«مُبقّع» أو «مَبثور». وسُميت عملية التحصين ضد الجُدريّ باسم «التَجْدير» «variolation».

أُصيبتْ ليدي ماري وورتلي مونتاغيو، زوجة السفير البريطاني لمدينة القسطنطينية، بالمرض في عام 1715، تاركًا جلدها الفاتن مُبقعًا بالندوب. لاحقًا في الريف التركي، شهِدت بنفسها عملية التجدير، ووصفت لصديقاتها وهي مندهشة عمل أحد الاختصاصين: «أتت المرأة العجوز بقشرة جوْزةِ هند ملئيةً بمادةٍ من أفضل أنواع الجُدريّ، وسألتْ عن أي وريدٍ أُفضل أن تفتحهُ»، وعندئذ «ملأت الوريد بتلك المادة بقدر ما حملته رأس إبرتها».

أفادت ليدي مونتاغيو أن المرضى عُزلَوا في أسرّتهم لعدة أيام بصحبة الحمى، ثم نهضوا صحيحي العافية. «نادرًا ما كان لديهم أكثر من 20 أو 30 بثرةً على وجوههم، ولم تترك أثرًا أبدًا، ثم يصبحون في تمام عافيتهم كما قبل مرضهم في غضون ثمانية أيام». ذكرتْ كذلك أن آلافًا من الناس مروا بهذه العملية بشكلٍ آمن كل سنة، وحُوصر المرض كليًا في المنطقة. وأضافت «قد تصدقن أني راضية تمامًا بأمان هذه التجربة إذا عرفتن أنّي أنتوي تجربتها على ولدي العزيز الصغير»، ولم يُصب ابنها بالجدري أبدًا.

أسئلة مهمة حول (كوفيد-19)

في القرون التي تلت ذهول ليدي مونتاغيو من فاعلية التطعيم، حققنا اكتشافاتٍ تفوق التصوّر في علم وبائيّات وبيولوجيا الأمراض المعديّة، رغم ذلك، تحاوط الأحجيات وباء (كوفيد-19). لماذا انتشر البواء كالنار في الهشيم في إيطاليا التي تبعد آلاف الأميال عن مركز تفجره الأول في ووهان، بينما ظلت الهند – حتى الآن – منطقةً آمنةً إلى حدٍ كبير؟ ما هو جنس الحيوان الذي نقل أول عدوى للبشر؟

التعامل مع انتشار كورونا – ووهان – الصين

لكن هناك ثلاثة أسئلة تستحق اهتمامًا مُستفيضًا، لأن إجاباتهم قد تُغير طريقة عزلنا ومعالجتنا للمرضى، وكذلك السيطرة عليهم. أولًا: ما الذي يُمكننا تعلمه عن «منحنى الاستجابة والجرعة» للعدوى الأولى، بمعنى، هل يُمكننا قياس معدل ارتفاع خطورة العدوى في حالة تعرض الناس لجرعاتٍ أعلى من الفيروس؟ ثانيًا: هل هناك علاقة بين «الجرعة» الأولى من الفيروس وحِدّة المرض، بمعنى هل ينتج لزيادة التعرض مرضٌ أشد خطورة؟ ثالثًا: هل هناك مقاييس كميّة للكيفية التي يتصرف بها الفيروس داخل المريض (مثلًا ذروة الجسد البشري للحمولة الفيروسية، وأنماط ارتفاعها وانخفاضها)، والتي من شأنها أن تتنبأ بدرجة احتمالية نقل العدوى للآخرين؟ حتى الآن، في المراحل الأولى لوباء (كوفيد-19)، نقيسُ انتشار الفيروس عبر الناس. لكن، إذ تتسارع عجلة الوباء، نحتاج البدء في قياس الفيروس داخل الناس.

أُُجبر معظم علماء الأوبئة – بناءً على بياناتٍ شحيحة – على محاكاة انتشار فيروس كورونا الجديد باعتباره حدثًا ثُنائي المحاور؛ إما تعرض الأفراد للمرض أو لم يتعرضوا، إما مُصاب بالعدوى أو غير مصاب، مريضٌ ذو أعراض، أو حاملٌ للمرض بلا أعراض. نشرت صحيفة «واشنطن بوست» حديثًا محاكاةً مثيرةً للانتباه على نحوٍ خاص. تصوّر المُحاكاة أناسًا يعيشون في مدينة كنقاط تتحرك بحرية في مساحةٍ محدودة، غير المصابين باللون الرُمادي، والمصابين باللون الأحمر (ثم يتحول الأحمر إلى ورديّ حالما تُكتسب المناعة). تنتقل العدوى في كل مرةٍ تلمس نقطة حمراء نقطةً رُمادية. ودون أي تدخل يتحول حقل النقاط كله تدريجيًا من اللون الرمادي إلى الأحمر. يُساعد التباعد الاجتماعي والعزل ليمنع النقاط من التصادم ببعضها، فيتباطئ انتشار النقاط الحمراء عبر الشاشة.

هذه النظرة العلوية لفيروسٍ ينتشر عبر الناس تُعد حدثًا متقطع. خضتُ تدريبًا في المناعيات الفيروسية عندما كنتُ طالب دراساتٍ عليا، لذا أراد الطبيب والباحث بداخلي معرفة ما يجري داخل النقاط. ما مقدار الفيروس الذي تحويه هذه النقطة الحمراء؟ ما مدى سرعة تضاعف الفيروس داخلها؟ كيف يرتبط تعرض الجسم للعدوى – «وقتُ اللمس» – بفرص انتقال العدوى؟ ما هي مدة بقاء النقطة الحمراء حمراء كما هي، بمعنى كيف تتغير إمكانية انتقال العدوى في الفرد بمرور الوقت؟ وما هي درجة تفاقم المرض في كل حالة؟

نظرة على فيروسات سابقة

ما تعلمناه من الفيروسات الأخرى – بما في ذلك لفيروسات التي تُسبب الإيدز وسارس والجُدريّ – يُقدم نظرةٍ أكثر تعقيدًا للمرض ومعدل تطوّره وإستراتيجيات احتوائه. في التسعينات حين تعلّم الباحثون كيفية قياس مقدار «فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)» الذي يحتويه دم المريض اتضح نمطٌ مختلف. بعد العدوى يرتفع تَعداد الفيروس في الدم إلى قمَّته، فيما يُعرف باسم «ذروة تَفيرُس الدم»، وتتدهور حالة المرضى ذوي معدلات التفيرُس الأعلى في وقتٍ أسرع؛ وهم الأقل قدرةً على مقاومة الفيروس.

ما يُمكن توقعه أكثر من ذروة الحمولة الفيروسية هو ما يُسمى بالنقطة المُحددة (set point)، وهي المستوى الذي يستقر عنده تَعداد الفيروس في المريض بعد الوصول لذروته الأولى، ويُمثل مستوى النقطة التوازن الديناميكي بين الفيروس ومُضيفه البشري. يَميل ذوو المستويات الأعلى (للنقطة المُحددة) إلى تطوّر مرضهم بسرعةٍ أكبر في حالة الإيدز، بينما ثَبُت مرارًا أن مرض ذوي المستويات المنخفضة يتطوّر على مهل.

Embed from Getty Images

ساعدت الحمولة الفيروسية – باعتبارها سلسلة متصلة وليس قيمةً ثُنائية – على التكهّن بطبيعة المرض ودورته وقدرته على نقل العدوى. وللتأكد فإن لكل فيروسًا شخصيته الخاصة، ولفيروس نقص المناعة البشرية خصائص تجعل حمولته الفيروسة مفضوحةً تمامًا، فهو يتسبب في الإصابة بعدوى مُزمنة تستهدف خلايا الجهاز المناعي خاصةً. لكن لوحظت أنماطٌ شبيهة في فيروساتٍ أخرى.

وهذا مناعيًا ليس مفاجئًا. إن كان جهازك المناعي قادرًا على التصدي لتضاعف الفيروس بقدرٍ من الفعاليّة – وهذا أمرٌ يرجع إلى عمرك وجيناتك ومؤشراتٍ أخرى لكفاءتك المناعية – سيكون مستوى النقطة المحددة لديك أكثر انخفاضًا. هل يمكن للتعرض الطفيف في البداية، مثل الأطفال المُعالجين بممارسة التيكا، أن يؤدي إلى نقطةٍ محددة منخفضة كذلك؟ في حالة مواجهة الجهاز المناعي لتحدي بسيط، فمحتملٌ أن تكون فرصته أكبر ليسطر على مُسبب المرض (الباثوجين المُمرِض). وعلى العكس، إن غُمرَ الجسد وسط الكثير من حالات التعرض ذات الجرعات العالية، قد ينجح المُقتحم المُتضعاف سريعًا في فرض سيطرة ربما يجدها الجهاز المناعي عَصيةً جدًا على أن يتغلب عليها.

أجرى فريقٌ من مركز فرِد هاتشينسون لأبحاث السرطان وجامعة واشنطن في سياتل دراسةً عبقرية على العلاقة بين حِدّة التعرض الفيروسي وإمكانية انتقال العدوى في البشر. في عام 2018 انضم بريان ماير، خبير الإحصاء وعالم الأوبئة، إلى مجموعةٍ من علماء الفيزياء والأحياء. كان هذا الفريق يبحث في مشكلة بدا من المُستحيل حلها في ظاهرها. ماير، الذي في منتصف ثلاثيناته، شخصٌ مُحددٌ وينطقُ بحلو الكلام؛ يستخدم كلماته بحرص ويتحدث بجملٍ طويلة ومُتأنية.

أخبرني: «أنه حتى حين كنتُ طالب دراساتٍ عليا، أثارت اهتمامي فكرة «جرعة» الفيروس أو مسبب المرض. لكن المشكلة هي استحالة السيطرة على الجرعة الأولى في العادة، لأنك لا تُدرك إصابة الشخص، إلا بعد أن يُصاب بالفعل». لا تُرى معظم الأمراض المعدية إلا بالمرآة الخلفية (كالتي في السيارات)؛ حالما يُصبح المريض مريضًا، تكون اللحظة الحاسمة لانتقال العدوى قد مرت بالفعل.

لكن عثَر الباحثون عل مصدرٍ غير عادي: مجموعةٌ من الأمهات الجدد وأطفالهن في كامبالا، عاصمة أوغندا. قبل عدة سنوات، فحص طبيب الأطفال، سورين جانت، وفريقٌ من الأطباء هؤلاء النسوة، وطلبوا منهن تقديم مسحاتٍ فَمويّة لسنةٍ كاملة. ثم قاسوا مقدار فيروس يُدعى «فيروس الهربسي البشري-6 (HHV-6)» الذي ينشرنه النساء، وهو فيروسٌ يُنقل للطفل عبر الإفرازات الفَمويّة بعد الولادة، ويُسبب حمى وطفح جلدي أحمر للجسم بالكامل.

كان ممكنًا وقتها استقصاء مقدار تناثر الفيروس – جرعة التعرض – المؤثرة في احتمالية إصابة الوليد. ابتكر جانت وماير وزملاؤهما طريقةً للتلصص على تحركات انتقال العدوى الفيروسية البشرية من اللحظة الأولى. أخبرني ماير أن «بياناتنا أكدت أن هناك علاقة بين الجرعة والاستجابة في الانتقالات الفيروسية في فيروس هربسي البشري-6. كلما زاد مقدار أكبر من الفيروس الذي يفرزه الشخص، ترتفع احتمالية نقلك العدوى للآخرين»؛ لقد تمكّن من أن يقلب المرآة الخلفية لعلم الأوبئة.

استجابة المناعة عند التعرض للفيروس

لكن هناك جانبًا آخر لانتقال العدوى والمرض: الاستجابة المناعية للمُضيف. يُعد الهجوم الفيروسي ودفاع الجهاز المناعي قوتين متضادتين؛ دائمًا على خلاف. وصف أخصائي المناعة الروسي، إيليا ميتشنيكوف، في أوائل القرن العشرين، هذا الحدث بأنه «النزاع» أو الـ«كامبف (Kampf)» في النسخ الألمانية لأعماله. تصوّر ميتشنيكوف معركةً دائرة بين الميكروب والمناعة، والكامبف هو مسألة حياةٍ أو موت. ما هي «القوة» الكاملة لتواجد الميكروب؟ أيًا من العوامل المُضيفة – الجينات والتعرض السابق والكفاءة المناعية – هي التي تُضيق الحصار على الاجتياح الفيروسي؟ أخيرًا هل يميل التوازن الأوليّ لصالح الفيروس، أم لصالح المُضيف؟

Embed from Getty Images

يؤدي هذا إلى السؤال الثاني: هل يسفُر عن «الجرعة» الفيروسية الأكبر مرضٌ أشد خطورة؟ مستحيلٌ أن تُمحى من ذاكرة المرء صورة «لي وينليانغ» في مرضه الأخير، طبيب العيون الصيني البالغ من العمر 33 عامًا، الذي نبّه إلى خطورة الحالات الأولى للمصابين بكوفيد-19. يظهر في الصورة أحمر الوجه متعرقًا، ومكافحًا ليلتقط أنفاسه عبر قناعه قبل وفاته بفترةٍ وجيزة.

ثم وقع موت «شيا سيسي» غير المتوقع، الطبيبة البالغة من العمر 29 عامًا في مستشفى اتحاد ووهان بجيانجابي، وهي أم لطفل في الثانية من عمره، كما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، وأحبت حساء السيشوان الحار. وقعت عاملة صينية أخرى في الرعاية الصحية، وهي ممرضة في التاسعة والعشرين من عمرها في ووهان، فريسة المرض بسرعةٍ متفاقمة لدرجة أنها بدأت تهلوس، ووصفت حالتها لاحقًا بأنها «كانت تترنح على حافة الموت».

يتعرض البالغون من العمر من عشرين إلى ثلاثين عام المصابون بكوفيد-19 إلى إعياء محصور ذاتيًا يُشبه تعب الإنفلونزا، فهل درجة تفاقم مرض المذكورين سابقًا مُتضافرةٌ مع مقدار الفيروس الذي تعرضوا له في البداية؟هناك طبيبان في قسم الطوارئ في الولايات المتحدة على الأقل في حالةٍ صحية حرجة، كلاهما يعملان على خط الدفاع الأول في مواجهة الوباء؛ واحدٌ منهما في أربعيناته ويقطن بواشنطن.

بناءً على المعلومات المتوفرة من ووهان وإيطاليا، العاملون في مجال الرعاية الصحية حتمًا ليسوا بأصحاب معدل الوفيات الأعلى، لكن هل يعانون، على نحوٍ غير متناسب، من أقسى أشكال المرض؟ يقول بيتر هوتِز، اختصاصي الأمراض المعدية واللقاحات في كلية بايلور للطب، لشبكة «سي إن إن»: «نعرفُ معدل الوفيات لكبار السن، لكن ولأسبابٍ لا نفهمها عاملو الرعاية الصحية في جبهة الوباء يتعرضون لخطر جاد للسقوط ضحية مرضٍ جسيم على الرغم من أعمارهم الصغيرة».

كورونا على خطى الأنفلونزا

أُجريَ بحثٌ إيحائي على فيروساتٍ أخرى. من المتاح قياس حدة التعرض بدقة في نماذج حيوانية للإنفلونزا، وكان مرض الفئران التي تعرضت لجرعاتٍ أعلى من فيروس الإنفلونزا هو الأشد تفاقمًا. لكن تباين الترابط بين الجرعة ودرجة تفاقم المرض جذريًا في إحدى سلالات الإنفلونزا إلى تاليتها. (لكن الغريب هو أنه في دراسةٍ أخرى، ارتبطت الحمولة الفيروسية الأولى العالية سلبيًا بدرجة تفاقم المرض في حالة «الفيروس المَخْلَويّ التنفسي (RSV)»، الذي يتسبب في الالتهاب الرئوي خاصةً في الأطفال. بالرغم من إفادة دراسة أخرى بأن العلاقة تكون إيجابية في حالة الرضع، وهم الأكثر عرضةً للإصابة).

Embed from Getty Images

تُشير الأدلة الشحيحة التي في حوزتنا عن عائلة فيروسات كورونا إلى أنها عائلة ربما تسير على خطى الإنفلونزا. في دراسةٍ أُجريت عام 2004 على فيروس كورونا المُسبب لسارس، ابن عم الفيروس المُسبب لكوفيد-19، اكتشف فريقٌ في هونغ كونغ أن حمولة الفيروس الأولى والأعلى – المأخوذة من الخيشوم (البلعوم الأنفي)، وهو التجويف الموجود في الجزء العميق من سقف الحلق – كانت مرتبطة مع الأمراض التنفسية المُتفاقمة.

كل الذين أُصيبوا بسارس، وكان مستوى الفيروس في البلعوم الأنفي منخفض أو غير قابلٍ للكشف، كانوا على قيد الحياة في كشف المتابعة بعد شهرين. لكن تراوح معدل وفيات ذوي المستويات الأكثر ارتفاعًا  من 20 – 40%. يظل هذا النمط صحيحًا بغض النظر عن عمر المريض أو الظروف الأساسية، إلخ. توَصل البحث في مرضٍ فيروسي حادّ آخر – حُمّى القرم – الكونغو النزفِيّة (Crimean-Congo hemorrhagic fever) – إلى استنتاجٍ مُشابهة: كلما ارتفع معدل الفيروس الذي تتعرض له في البداية، تزداد احتمالية وفاة المُصاب.

ربما تتضح العلاقة الأقوى بين حدّة التعرض ودرجة تفاقم المرض الناشيء عنه في الأبحاث الجارية على الحَصبَة. على حذرٍ يقول ريك دي سوارت، اِختصاصي الفيروسات بجامعة إراسموس روتردام بهولندا: «أريدُ التأكيد على أن الَحصبَة وكوفيد-19 هما مرضين مختلفين كليًا، وبسلوكياتٍ مختلفة، لكن هناك علاماتٍ عديدة واضحة في الحَصبَة تؤكد على ارتباط حِدّة المرض بمستوى جرعة التعرض. وهي علاماتٌ منطقية من وجهة النظر المناعية؛ لأن عملية التفاعل بين الفيروس والجهاز المناعي هي أشبه بسباقٍ مع الزمن. إنها سباقٌ بين أن يجد الفيروس خلايا مُستهدفة كافية ليتضاعف فيها، وبين الاستجابة المقاومة للفيروس الموّجهة للقضاء عليه. إن مُنِحَ الفيروس بدايةً واعدة ذات جرعةٍ هائلة، سيتَفيرسُ الشخص بكثافةٍ عالية؛ يزداد الانتشار فترتفع العدوى؛ ما يعني مرضًا أكثر تفاقمًا».

شرح دي سوارت دراسةً يعود تاريخها لعام 1994: أعطى الباحثون للقردة جرعاتٍ متفاوتة من فيروس الَحصبَة، ووجدوا أن الجرعات العالية للإصابة بالعدوى نتَج عنها الوصول لذروات التفيّرس بوقتٍ أبكر. يُضيف دي سوارت أنه في حالة البشر، فسنأتي بالدليل من الدراسات التي أُجريت في الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. يقول: «في حالة أن أُصيب شخصٌ ما بالعدوى جِراء التواصل داخل المنزل، حيثُ تكون كثافة التعرض وجرعته في أعلى مستوياتها – ربما يتشارك هذا الشخص السرير مع طفلٍ مُصاب – إذًا بديهيًا فإن هذا الشخص عرضة لخطر أعلى لأن يطوّر مرضًا أشد حِدّة».

التنبؤ بدورة المرض

ناقشتُ هذا الجانب من العدوى مع دان باروش، اِختصاصي علم المناعة والفيروسات بجامعة هارفارد، ومختبره هو واحدٌ من المختبرات التي تعمل حاليًا على تطوير لقاحٍ لـ«سارس (كوف-2)»، الفيروس المُسبب لمرض كوفيد-19. أخبرني أن الدراسات الجارية على قردة المكّاك تستقصي العلاقة بين الجرعة الأولى من اللقاح الفيروسي لسارس كوف-2 ومقدار الفيروس في اِفرازات الرئة في وقتٍ لاحق، ويعتقد أن هنالك تداخلًا بينهما.

Embed from Getty Images

يقول باروش: «إن شملنا البشر بهذا المنطق، فيُمكننا توقع علاقةٍ مُشابهة. ومنطقيًا، كمية أكبر من الفيروس قد تُسبب مرضًا أشد حِدّة عبر إثارة استجابة اِلتهابية أكثر نشاطًا. لكن يظل هذا رأيًا مُحتملًا حتى الآن؛ تظل العلاقة بين الجرعة الفيروسية الأولى وحدة المرض مسألة غير محسومة».

للإجابة على السؤال الثالث – إن كان بإمكاننا تتبع الحمولة الفيروسية لكوفيد-19 في المريض بطريقةٍ تُساعدنا في التنبؤ بدورة المرض – سنحتاج إجراء المزيد من البحث الكمّي في تَعداد فيروس سارس كوف-2 داخل المرضى. في دراسةٍ ألمانية غير منشورة، تُقاس الحمولات الفيروسة في مسحات فَمويّة مأخوذة من أشخاص تظهر عليهم الأعراض، وأشخاص دون أعراض.

في البداية، أفادت التقارير أن المرضى الذين لم يشعروا بأي أعراض لديهم حمولة فيروسية أعلى من الذين شعروا بالتعب. كانت النتائج غريبة؛ لكن في تلك المرحلة، فحص الباحثون سبعة مرضى فقط. أخبرتني ساندرا سيسك، مديرة معهد علم الفيروسات الطبية بفرانكفورت، وهي التي أجرت الدراسة، أنه لم تتضح اختلافاتٌ جسيمة بين المجموعتين عند بدء أخذ العينات من الفئة المريضة الأكثر عددًا.

وقالت سيسك: «لا نرى أي تداخلٍ في المسحات». وتُضيف أن المشكلة التي تواجههم في قياس الحمولة الفيروسية في المسحة الواحدة هي أنها «تتأثر بعوامل ما قبل التحليل، مثل الطريقة التي تؤخذُ بها المسحة». مُعروفٌ أن المسحات الفَمويَة تتأثر، بفروقٍ طفيفة، بالطريقة التي تُجرى بها. «لكن التداخل مع المرض المُتفاقم قد يكون صحيحًا في حالة الحمولة الفيروسية في الدم»، جوشوا شيفر، عالم الفيروسات في مركز فرِد هاتشينسون، وشارك في دراسة فيروس هربسي البشري-6 (HHV-6)، يُشير إلى العديد من الطرق المتزمتة لأخذ المسحات الأنفية لمجموعة من الفيروسات التنفسية ينتج عنها تَعدادات ثابتة وموثوقة للحمولات الفيروسية، وتم تتبع هذه الحمولات جيدًا جنبًا إلى جنب مع أعراض المرض وتقدمه.

في ورقةٍ بحثية نُشرت في دورية مجلة ذا لانسيت للأمراض المُعدية في شهر مارس، أفاد الباحثون في جامعة هونغ كونغ وجامعة نانتشانغ أن الحمولة الفيروسية في المسحات البلعومية الأنفية لمجموعةٍ من المصابين بكوفيد-19 كانت أعلى بـ60 مرة، في المتوسط من الحمولة الفيروسية في مسحات مجموعة أخرى من المصابين بشكل أخف حدةً من المرض.

ماذا سيتغير في طريقة تعاملنا مع أزمة كوفيد-19؟

بينما يستمر الفيروس في لف العالم كالإعصار، سنبدأ في العثور على إجاباتٍ كميّة لتلك التساؤلات عن كيفية ارتباط دورة كوفيد-19 العلاجية بحدّة التعرض للمرض وحمولته الفيروسية المُسبب لها. سنملأ الفجوات في النظرة العلوية بنظرةٍ أخرى سُفلية. إذًا فكيف ستُغير هذه المعرفة الطريقة التي نُدير بها المرضى والمستشفيات والسُكان؟

Embed from Getty Images

لنبدأ بالعلاقة بين حدّة التعرض والعدوى. لنفكر، للحظةٍ واحدة، في كيفية مراقبتنا للعاملين في مجال الإشعاع. باستخدام نظام قياس الجرع الإشعاعية، نُحدد مقدار التعرض الكامل لشخصٍ ما، ثم نضع الحدود بناءً على ذلك. نعرف بالفعل مدى خطورة الأمر على الأطباء والعاملين بالتمريض لتقليل التعرض لفيروس كورونا باستخدام أدوات الوقاية (الأقنعة، والقفازات، والأردية). لكن بالنسبة للعاملين في الرعاية الصحية على خط الدفاع الأول في مواجهة وباء كوفيد-19، خصوصًا في الأماكن التي تندُر بها أدوات الوقاية، قد نتتبع أيضًا التعرض الكامل ونضعه من ضمن ضوابط قياس الجرعات الفيروسية، وهذا لكي يتجنب فردٌ واحد عملَ تفاعلاتٍ متكررة مع مجموعة من المرضى شديدي العدوى.

في المقابل قد يؤثر بناء علاقةٍ بين الجرعة وحدّة المرض على رعاية المريض. إن كان بإمكاننا تحديد المرضى – قبل ظهور الأعراض – الذين من الراجح أنهم تعرضوا لجرعاتٍ أعلى من الفيروس – مثل شخصٍ يعيش أو يخالط عددًا من أفراد أسرةٍ مريضة (كما حدث في عائلة فوسكو التي تعيش في منطقة فري هولد بنيو جيرسي، فارق أربعة من أفرادها الحياة بسبب كوفيد-19) أو ممرضة تتعامل مع مجموعة من المرضى ينشرون كمياتٍ هائلة من الفيرس- قد نتمكن من التنبؤ بأشكال المرض الأشد تفاقمًا، ونمنح المُصابين الأولوية عندما يأتي الأمر للمصادر الطبية المحدودة، لنتمكن من معالجتهم في وقتٍ أسرع وأكبر، أو على نحوٍ أكثر تركيزًا.

نهايتُه، رعاية مرضى كوفيد-19 قد تتغير إن بدأنا في تتبع تَعداد الفيروس. لهذه المؤشرات أن تُقاس باستخدام أساليب مخبرية منخفضة التكلفة إلى حدٍ ما وسهلة التوفير. تصوّر عمليةً من خطوتين: أولًا: تحديد المرضى المُصابين، ومن ثم قياس الحمولة الفيروسية في إفرازاتهم الأنفية أو التنفسيّة، تحديدًا للمرضى الذين قد يلزمهم على الأرجح رعاية من أعلى مستوى. قد تنتُج إستراتيجياتٍ جديدة للرعاية أو العزل جِراء تضافر تَعداد الفيروس والإجراءات العلاجية مع النتائج.

تنطبق قيمة المنهج الكميّ على الدراسات السريرية كذلك. التجارب السريرية للأدوية عادةً ما تكون زاخرةً بالمعلومات أكثر عندما تُجرى على أفراد حالتهم لم تصبح حرجةً بعد؛ وحالما يصل أي مريضٍ لتلك المرحلة، سيكون أي علاجٍ غير كافٍ بالمرة، ومتأخر تمامًا. وفي حالة استخدام مقاييس الحمولة الفيروسية بعد دورة المرض في مرضى كهؤلاء، بدلًا عن تتبع الأعراض وحسب، يمكن أن نُقارن بين تأثير الدواء في التجارب المختلفة بطريقةٍ أسهل وأكثر دقة.

سنتمكن كذلك من تحديد المُتعافين من العدوى، وأصبحوا مُحصنين ضد سارس كوف-2، وليسوا مُعدين. على هؤلاء الناس استيفاء معيارين: أن يكون الانتشار الفيروسي منعدمًا بشكلٍ حتمي، وأن تظهر علامات على المناعة المنتظمة في دمائهم (شيءٌ يُحدد بسهولة بواسطة فحص الأجسام المضادة). وكما اكتشف الصينيون الجُدريّ في القرن الثاني عشر، فإن هؤلاء الأشخاص – خصوصًا العاملين في الرعاية الصحية – هم ذوو قيمةٍ فارقة للطب. وبشكلٍ عام بإمكانهم رعاية أشد الناس مرضًا دون أن يسقطوا فريسةً للمرض، باستثناء حدوث أي انحدار في المناعة.

صحة

منذ شهر
مترجم: جيش من المتعافين من كورونا.. ماذا يمكن أن يقدموا للعالم؟

أخوض فترة التدريب السريري في طب الأورام. القياس والحَصر هما دعامتا الطب لمن في مجالي: حجم الورم، وعدد النقائل (تفرعات الورم المنتقلة لأجزاء أخرى للجسم غير الجزء المُصاب)، والانكماش الفعلي للكتلة الخبيثة بعد العلاج الكيمياوي. نتحدث عن «تصنيف الخطر» (أي تنصيف المرضى بناءً على حالتهم الصحية)، و«تصنيف الاستجابة» (تصنيف المرضى بناءً على استجابتهم للعلاج). أقضي نصف ساعةٍ أو أكثر مع كل مريض لأشرح له الخطورة، ولأفسر كيف يُقاس التقلص، ولأبتكر خطة العلاج بحرص.

على النقيض يسير الوباء جنبًا إلى جنب مع الهلع. تحكم الفوضى؛ يُعلّق الأطباء الإيطاليون المحاليل الوريدية على أعمدة عشوائية لمرضى يستلقون في أسرةٍ نقالة في عنابر مؤقتة ومرتجلة. يمكن للقياس – فحص لحمولة الفيروسية – أن يبدو رفاهية لا تُحتمل في مثل هذه الظروف. لكن تتطلب هذه الأزمة أن نقسّم الخطر لطبقات ونقيّمه، وأن نوّزع الموارد المُتناقصة بأكثر الأساليب فعالية.

كلمة الوبائِيَّات بالإنجليزية «epidemiology» مُشتقةٌ من كلمتي «epi» و«demos»، «فوق الناس». علم الحشد، علم الجماعة كلها. لكنه يعمل بفعاليةٍ أكبر عندما يتحرك خطوةً بخطوة مع الطب، علم الفرد الواحد. في الصباح الذي زرتُ فيه ضريح الإلهة شيتالا في كُلكَتا كانت ربّة الأوبئة البائدة مُبددة الجماعات تخدمُ أيضًا كإلهةٍ ذاتية لأم أحضرت طفلها الذي يُصارع الحمى لأسبوع. لتربح إستراتيجية الـ«كامبف» المعركة ضد كوفيد-19. من الضروري تتبع دورة الفيروس خلال تحركه بين الناس، لكن قياس دورته داخل كل مريض أمرٌ أساسيٌ على نحوٍ مماثل. يُصبح الفرد الجماعة، لنحسب كليهما؛ فكلاهما في الحُسبان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد