نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا في حول أسباب ارتفاع وفيات فيروس كورونا في بلجيكا عن بقية الدول الأخرى قياسًا بعدد السكان، على الرغم من وجود نظام صحي متميز في البلاد.

ويشرح مراسل الصحيفة، ليو سيندروفيتش، أن الجانب الأكبر من وفيات بلجيكا كان في دور رعاية المسنين، حيث تقوم البلاد بإضافة حالات كثيرة، حتى ممن لم يجر اختبار الفيروس لهم، إلى وفيات كورونا.

صحة

منذ 4 شهور
مترجم: هل توصلت السويد حقًّا إلى أفضل طريقة للتعامل مع فيروس كورونا؟

ويقول في مستهل التقرير: «من النادر أن ينسب دونالد ترامب الفضل لدول أخرى في تحقيق أرقام قياسية عالمية، ولكن في مؤتمر صحافي في الشهر الماضي كشف الرئيس الأمريكي النقاب عن قائمة وضعت بلجيكا في القمة. لسوء حظ بلجيكا، كان ذلك في ترتيب الوفيات من فيروس كورونا».

وفقًا للأرقام التي جمعتها جامعة جونز هوبكنز، تتصدر بلجيكا العالم في الوفيات بالنسبة لعدد السكان، إذ كشف أحدث إحصاء أجري يوم الجمعة أن الوفيات تبلغ 665 شخص لكل مليون. وبالمقارنة، يبلغ معدل بريطانيا 394 والولايات المتحدة 193 وإسبانيا 525 وإيطاليا 463. فلماذا يكون عدد الوفيات النسبي في بلجيكا مرتفعًا إلى هذا الحد؟

ويشير المراسل إلى أن بلجيكا كانت محمية بشكل جيد لمواجهة عاصفة الفيروس من نواح عديدة، إذ تحركت بسرعة نسبيًا لفرض قيود الإغلاق، ومن المسلم أن نظام الرعاية الصحية بها هو أحد أفضل الأنظمة في العالم.

ولكن حتى يوم الجمعة، سجلت ما مجموعه 7703 حالة وفاة بسبب فيروس كورونا و49 ألف و32 حالة إصابة. في مجمل الوفيات، تحتل بلجيكا المركز السادس على مستوى العالم. وسجلت ألمانيا المجاورة 6632 حالة وفاة فقط، لكن عدد سكانها 83 مليون نسمة، مقارنة ببلجيكا التي يبلغ عدد سكانها 11.5 مليون نسمة.

الأعداد الكبيرة للوفيات قد تنقذ الأرواح

لكن الأعداد الكبيرة في بلجيكا لا علاقة لها بانتشار المرض، بل ترتبط أكثر بالطريقة التي تحسب بها الوفيات، بحسب التقرير، إذ تشمل الأرقام البلجيكية جميع الوفيات في أكثر من 1500 دار رعاية، حتى أولئك الذين لم يجر اختبار الفيروس لهم. وتصل هذه الأعداد إلى أكثر من نصف الرقم الإجمالي.

وفقًا للخدمة الفيدرالية العامة للصحة في بلجيكا، وقعت 46٪ فقط من إجمالي الوفيات الرسمية في البلاد في المستشفيات، حيث تأكدت حالات الإصابة بفيروس كورونا. لكن 53٪ من الإحصاء البلجيكي، أو 4100 شخص، كانوا في دور رعاية، ومن بينهم 84٪ يشتبه فقط في أنها حالات لفيروس كورونا، ولكنها غير مؤكدة.

تقول صوفي ويلمز، رئيسة وزراء بلجيكا، إن الحكومة اختارت «الشفافية الكاملة عند إعلان الوفيات المرتبطة بـ(كوفيد-19)»، حتى لو أدى ذلك إلى «أرقام مبالغ فيها في بعض الأحيان».

وتقول وزيرة الصحة ماجي دي بلوك: إن بلجيكا تضرب مثالًا في تشخيص المرض، وتضيف «في أوروبا، لا يوجد بلد يحسب الحالات مثل البلدان الأخرى. لدينا الطريقة الأكثر تفصيلًا».

«إذا كنت تريد مقارنة أرقامنا بالدول الأخرى، فعليك أن تقسمها على اثنين».
*رئيس قسم الأمراض الفيروسية في معهد سيانسانو

كما تشير منظمة الصحة العالمية، فإن قياس الوفيات أمر صعب، إذ يتعين على الأطباء تحديد ما إذا كان (كوفيد-19) هو سبب مساهم أو سبب أساسي للوفاة، ولدى البلدان طرق مختلفة لإصدار شهادات الوفاة. لكن دولًا أخرى تضيف الآن حالات الوفاة في دور الرعاية إلى السجل الإجمالي لديها، بما في ذلك بريطانيا، على الرغم من أنها لم تذهب إلى حد إضافة تلك الحالات التي لم تؤكدها الاختبارات.

وينقل التقرير عن ستيفن فان جوشت، رئيس قسم الأمراض الفيروسية في معهد سيانسانو، المعروف باسم المعهد الوطني للصحة العامة، قوله إنه لا يزعجه الرسوم البيانية التي تظهر بلجيكا في القمة. ويقول: «إذا كنت تريد مقارنة أرقامنا بالدول الأخرى، فعليك أن تقسمها على اثنين».

ويضيف فان جوشت، وهو أيضًا أستاذ علم الفيروسات في جامعة جينت، إن هذا الإجراء ساعد أيضًا على زيادة الضغط السياسي للقيام بالمزيد تجاه دور الرعاية. ويستطرد: «نحن نفعل ذلك لأننا نريد إنقاذ الأرواح. بهذه الطريقة، نجح النظام».

Embed from Getty Images

نظام مثير للجدل

لكن النظام مثير للجدل؛ لأنه يعني أن الوفيات الناجمة عن مرض السكري وفشل القلب وارتفاع ضغط الدم ومشاكل أخرى مدرجة في إحصاء حالات (كوفيد-19). وصف عالم الفيروسات مارك فان رانست، من جامعة لوفان الكاثوليكية، النظام بأنه «غبي» لأنه يعطي الانطباع بأن فيروس كورونا هو السبب الوحيد للوفاة في دور الرعاية.

أظهر قرار بلجيكا أيضًا مدى تعرض كبار السن للمرض. يقول فنسنت فريدريك، المدير العام لاتحاد دور الرعاية (Femarbel)، إن كبار السن جرى نسيانهم في غمرة الاندفاع لإعداد المستشفيات.

«كانت هناك تعليمات بإدخال الأشخاص من دور الرعاية إلى المستشفيات بأقل قدر ممكن».
*فنسنت فريدريك، المدير العام لاتحاد دور الرعاية

وأضاف: «لقد رأوا ما حدث في إيطاليا وكيف كانت مستشفياتهم مضغوطة. لذلك كانت هناك تعليمات بإدخال الأشخاص من دور الرعاية إلى المستشفيات بأقل قدر ممكن. لقد عوملنا على أننا من الدرجة الثانية. وفي النهاية، لم تكن المستشفيات مضغوطة – فقد كان لديها بالفعل أسرة احتياطية متوفرة في وحدات العناية المركزة». وهو أمر صحيح، بحسب التقرير، فحتى في ذروة المرض في بلجيكا، في أوائل أبريل (نيسان)، كانت 57٪ فقط من سعة وحدات العناية المركزة هي المستغلة.

تختبر بلجيكا الآن أكثر من 240 ألف من السكان والموظفين في دور الرعاية، وتظهر الأرقام المبكرة معدل إصابة بنسبة 9٪ لنزلاء دور الرعاية و 4٪ للموظفين. لكن فريدريك يعترف بأنه من الصعب التكهن بعدد الأشخاص الذين ماتوا بسبب فيروس كورونا في دور الرعاية.

ويقول فريدريك: «متوسط عمر النزلاء 85 إلى 86، ومتوسط إقامتهم 16 شهرًا فقط. هناك نسبة عالية من الوفيات التي لا مفر منها، لذلك كان يمكن أن يموتوا على أي حال».

تستفيد بلجيكا أيضًا من الهدوء السياسي النسبي، والدعم الشعبي الثابت لرئيسة الوزراء، إذ تحظى ويلمز بالإشادة الواسعة لقيادتها الهادئة والواضحة والمطمئنة. ويقود العلماء، مثل فان جوشت، وليس السياسيين، جلسات الإحاطة اليومية. ويلتزم البلجيكيون بصفة عامة بالقيود، على الرغم من «حفلات الإغلاق» من آن لآخر.

المشورة العلمية المتخصصة

يقول فان جوشت إن استجابة بلجيكا المحسوبة ساعدت فيها حتى السياسات الحزبية العنيدة المعروفة في البلاد. ويضيف: «نعم، المشهد السياسي منقسم ومتنوع، لكن ذلك جعل السياسيين أكثر استعدادًا للاستماع إلى المشورة العلمية المتخصصة».

لكنه يعتقد أن الجغرافيا ربما تكون قد رفعت الأعداد، ولا تعد بلجيكا ذات كثافة سكانية عالية فحسب، ولكنها على مفترق الطرق في أوروبا، وعاصمتها بروكسل تعتبر مدينة دولية للغاية.

دولي

منذ 4 شهور
«واشنطن بوست»: لماذا تتجاهل هذه الدولة الأوروبية خطر كورونا حتى الآن؟

يعتقد المسؤولون الآن أن الموجة الرئيسية من الإصابات جاءت من إيطاليا في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط). ويقول فان جوشت: «لقد تضررنا بشدة وبصورة مفاجئة في عطلة الكرنفالات. إيطاليا مقصد يحظى بشعبية كبيرة لدى البلجيكيين في ذلك الوقت من العام، حيث الطعام جيد والتزلج جيد، ويمكنك الذهاب بالسيارة. نحن نعلم أنها جاءت من هناك لأنه عندما فحصنا التسلسلات الجينية، كانت هناك تفاعلات متعددة في إيطاليا».

وبحسب التقرير، يبدو أن بلجيكا وصلت الآن إلى استواء المنحنى، ففي يوم الجمعة، أبلغت عن 130 حالة وفاة إجمالًا (83 في دور الرعاية)، و513 حالة إصابة جديدة. ستبدأ المرحلة الأولى من خروج بلجيكا من الإغلاق يوم الاثنين، بإعادة فتح متاجر معينة، وإذا ظلت الأرقام منخفضة، سيعود الطلبة إلى المدارس في وقت لاحق من الشهر الجاري.

بالنسبة إلى الرسوم البيانية، قد تبقى بلجيكا في القمة لفترة من الوقت. لكن فان جوشت يصر على أن الطريقة كانت هي الطريقة الصادقة الوحيدة للقيام بذلك. ويقول: «سيُظهر التاريخ أن بلجيكا وصلت على أرقامها مباشرة – وهذا هو الشيء الوحيد الذي تُظهره الرسوم البيانية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد